بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مضامين المَثَل الشَّعبي .. مدلوله وأبعاده (2): الحياة الزوجية والروابط الأسرويّة

إعداد الدكتور طالب محمود قرة أحمد / خاص بوابة صيدا / مؤلف كتاب: الأمثال الشعبية المتداولة على ألسنة الصيداويين

تُشكّل الأسرة اللّبنة الأولى في صرح البنيان الاجتماعي. وهي أهم عناصر بناء المجتمع كما إنها محورُ العلاقات الاجتماعية، والملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان، والواحة التي يركن ويأنس بها بعيداً عن مشقات الحياة وأعبائها.

وإذا كان مجتمعنا قد شهد تحوُّلات جوهرية في طبيعته نتيجة للتحوُّلات المتجددة التي طرأت على حياته، والتّبدّل الذي صاحب ذلك في القيم والعادات والتّقاليد فإن أمثالنا كانت صادقة الصِّدق كله في تصوير مشاعر الناس وأحوالهم، ومواقفهم وأنماط سلوكهم في إطار الظّروف والمُعطيات التي سارت فيها هذه الأمثال.

فقد كانت الأسرة، قبل أن ينفرط عقدها وينزع الشباب إلى الاستقلالية.. وقبل تحرر المرأة واقتحامها معترك الحياة العامة واكتسابها مرونة في التفكير وليونة في التعامل وموضوعية في النظرة إلى الحياة.. كانت الأسرة في الشام أشبه بالقبيلة تضمُّ الزوجين وأولادهما وزوجاتهم .. والأحفاد وكانوا يعيشون في دار واحدة ويأكلون من طبخة واحدة. وكانت تحكم الأسرة عادات وتقاليد وأخلاقيات سلوكيّة وأطر.. كان من الصّعب تجاوُزها أو الخروج عنها، على ما كانت عليه من طبيعة يوميّة مُتغيِّرة.

وقد سجَّلت أمثالنا الشعبية الأطر التي كانت تحكم ظروف تكوين الأسرة، كالمُهر واختيار الزوجة، والأمور التي كانت تصاحب الإقدام على الزواج، أو العزوف عنه.. والشروط المتوخاة لبناء الأسرة والحياة الزّوجية بصدق أيما صدق.

ولما كان تكوين الأسرة لا يستند إلى العواطف المتبادلة ولا إلى الطِّباع المتوافقة بين الزوجين بل ولا إلى اية معرفة أو تعارف سابق بين الطرفين، واحترام لمشاعر الفتاة.. الأمر الذي قد ينجم عنه أن يصاب الزوج بخيبة الأمل عند رؤيته زوجته للمرة الأولى.. وتنهار أحلامه لعدم توافق صورة هذه الزوجة مع ما رسمه لها في خياله من صورة زاهية، في ضوء الصِّفات والمحاسن التي نقلها إليه من خطبها واختارها له.

وكانت الفتاة تُحس بالغربة بعد انتقالها إلى بيت الزوجية لأنها تجد نفسها في وضع وبيئة غريبة عما ألِفت واعتادت.. فيزداد تعلُّقها بأهلها، وبخاصة أمّها، لكنها لا تلبث أن تستجيب لهذه الحياة، وتعمل على حمايتها مما قد يعتورها من أنواء وتحدِّيات.

ولعل السمة المميزة لهذه الأمثال انطباعها بأشكال السيطرة التي كان الرجل يمارسها على زوجه، نتيجة لظروف القهر والتخلف التي كانت تعيشها المرأة في ذلك الحين، ونتيجة كونها عبئاً اقتصادياً على الأسرة في المدينة، الأمر الذي جعلها تقاسي الأمريّن، وتلجأ إلى أساليب الشعوذة والرقي والتمائم، خوفاً على مستقبل حياتها الزوجية حتى لكأنّ لسان حالها يقول كما نقلته إلينا الأمثال:

(خليها بالقلب تجرح... ولا تطلع لبرة وتفضح).

(شو صبّرك عالمر ... الأمَر).

(بَختك ردي .. لا تحردي).

(الحردانة ... بتروح قمله بترجع سيبانه).

وقد رسمت الأمثال للزوجة السبيل التي تراها مناسبة لحماية حياتها الزوجية ولو على مضض، فالزوج في قناعتها وفي أسوأ الأحوال:

(الزوج رحمة... ولو كان فحمة).

(زوج من خيطان... ولا شماتة الجيران).

وكان من الزوجات من يعتقدن أن المداورة والمسايرة قد توصلها إلى صيغة مقبولة للتعايش مع الزوج.

(زوجك على ما عوّدتيه... وإبنك على ما ربّيتيه).

(يللي زوجها معها.. بتدوّر القمر بأصبعها).

وبالمقابل فقد صوّر لنا المثل الشعبي النهج الذي كان الزوج يسلكه لجعل زوجه طيّعة راضية. ولو كان الرجل على باطل.. كانت قناعة الزوج آنذاك تجعله يعتقد أن:

(الفرس.... من الفارس) أي الزوجة.

وأن عليه أن يسلك طريق البأس والسطوة لفرض احترامه، ولو كان في ذلك إذلال لشريكة حياته.. الزَّوجة:

(اقطع رأس القط... من ليلة العرس).

(بيفوت أمير... بيطلع وزير).

(بالبيت دبور.. برة شحرور).

(إذا بدّك مرتك تلين... عليك بحطب التين).

بالطبع فإن هذا، لا ينفي تداول أمثال تصوِّر مشاعر الشك والغيرة بل والحذر.. التي قد تنتاب الحياة الزوجية، أو تعصف بها على ما كان يسود تلك الحياة في كثير من الأحيان من مودة واحترام.

وقد نجم عن مساكنة أفراد الأسرة التقليدية في دارٍ واحدةٍ، كما أسلفنا، أن تولّد الشقاق والتنافر بين الزوجة وحماتها، وبنات حميها (شقيقات الزوج) وسلايفها (زوجات أشقاء الزوج). فعكست الأمثال ذلك الصراع بين هذه الأطراف من أجل السيادة على المنزل وتدبير شؤونه، وجذب عواطف الزوج إلى من تكون الغلبة له.

كانت الحماةُ مشكِلة المشاكل وعقدة العقد والإشكالات في العلاقات بين الزوجين. وقد صوَّرت لنا الأمثال علاقة الحماة بكنّتها (زوجة الابن) التي كانت تقوم على الكراهية المتبادلة، بل والتحدي وأحياناً الافتراء ومن هذه الأمثال.

(مكتوب على ورق الجنة.. عمرها حماية ما حبّت كنّة).

(لا حماية و لاضرّة.. إلا سخطة من الله).

حتى إذا بلغت الحماة مرحلة متقدّمة من السن، تنعكس الآية، ويصبح الدور للكنّة التي قد تذيق الحماة من الكأس نفسها التي سقتها إياها... وتعاملها معاملة تكاد تتمثّل بالمقولة القائلة:

(أخذت ما ربّيتي، ونكرت ما خبيتي، كان البيت بيتك صار البيت بيتي).

أما حماة الزوج، فيكاد يكون أكبر همّها سعادة ابنتها، وهي لا تُقحم نفسها في حياة الزوجين ما دامت ابنتها سعيدة... والصهر هنا (مسند ظهر الحماة) على حدِّ قولهم.. وإذا بدا لها أن ابنتها مغبونة ومغلوبة على أمرها في حياتها الزوجية فإنها قد لا تُقصِّر في تحويل حياة الزوج إلى جحيم..

كما نقلت لنا الأمثال الصورة الخلفية للعلاقة بين الزوجة وسلفتها، تلك العلاقة التي كانت تقوم على الحسد والغيرة، بل والحقد والكراهية المُبطّنة التي تصل في بعض الأحيان إلى درجة تكون فيها أكثر سوءاً من العلاقة بين الزوجة وضرّتها.

(بين السلفة والسلفة... داءات مختلفة).

(مركب الضراير سار... ومركب السلايف احتار).

وكانت الضرة بدورها، كما هو معلوم، منغِّصة للحياة الزوجية، وبخاصة الزوجة. وكان وجودها بمثابة مسمار يدق في نعش تلك الحياة وإيذاناً للمشكلات التي قد لا تنتهي إلا بالطلاق لما كان يترتب على وجود الضرة من طعن لأنوثة الزوجة وإهانة لكبريائها. فالمسألة هنا مسألة تنازع بقاء، والبقاء للأقوى.. وقد عبّرت الأمثال الشعبية عن تلك المشاعر والمواقف بين الضرتين:

(الضرة مرة.. ولو كانت آجرة).

(قلبي ثلج، وجسمي اسفنج.. وعلى ظهري خرج).

فضلاً عن هذا كله، فإن المثل الشعبي لم ينسَ الإحاطة بالعلاقات والروابط بين الأقارب، والأخذ بالجانب الإيجابي منها كقولهم:

(أهلك ولو تهلك... ولو دبوك عالمهلك).

(ما بيهكل همّك... غير اللي من دمك).

(الدم... ما بيصير مي).

وإذا نقلت لنا بعض الأمثال صوراً سلبية للروابط الأسروية، فإنها لم تكن تعبيراً صادقاً عن طبيعة المجتمع.. فقد كانت تطفح على سطح العلاقات الأسروية بعض المشكلات التي لم يكن لها أساس جوهري، بقدر ما كانت إشكالات عارضة... لأن لحمة الروابط العائلية مهما تلبّدت بالغيوم، فإنها تقوم على التسامح والتّواد والتّناصر ولا سيما في الملمّات.




من أرشيف الموقع

أنثى.. سُئلت عن الحب ومعناه..

أنثى.. سُئلت عن الحب ومعناه..

هل تعرف قصة صاحب جُريج؟

هل تعرف قصة صاحب جُريج؟

سوق العقَّادين

سوق العقَّادين

الثوم.. لعلاج مرض خطير

الثوم.. لعلاج مرض خطير

حدث في 20 حزيران / يونيو

حدث في 20 حزيران / يونيو