بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مفهوم التحريض المذهبي

بقلم الشيخ محمد العيساوي / بوابة صيدا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن مجتمعَنا المعاصر- وفي خضمِّ تنحيةِ الشريعةِ عن الحاكمية، وضعفِ الحراسةِ على معالمِ الدين ـ صارت ثقافتُه تعجُّ بمصطلحاتٍ مستحدثة، صاغها الإعلامُ الموجه، وحلت في أعرافِ جلِّ الناسِ محلَّ مصطلحاتِ الشريعةِ الغراء، وتكمنُ خطورةُ هذه المصطلحاتِ المستحدثة، في عمقِ التحريفِ والتشويهِ التي تضفيه على عقولِ المسلمين، والتي يريدُ واضعوها منها إضعافَ قيمِ الإسلامِ العظيمة، وتشويه معاني العزةِ والرفعةِ في الأمة، وهدم الكبراء والعظماء، متوسلين في تصدير مصطلحاتِهم هذه، ببريقِ لونِها وزخرفِ مقالها وبهرجِ صورها، وشرودِ كثيرٍ من فئام الأمة عن رؤيةِ نصاعةِ الواضحة..

ومن المفاهيمِ المستحدثةِ المعاصرةِ مفهومُ التحريضِ المذهبي. وسأحاول بحول الله وباختصار يناسب المقام إلقاء الضوء على هذا المفهوم والمراد منه..

التحريض هو التحضيضُ على الفعلِ والحثُ عليه، ومنه قولُه تعالى " يا أيها النبيُّ حرَّض المؤمنين على القتال " (الأنفال 65)

والمذهبُ في عرف العلماء: ما اعتقدَه الانسانُ جزماً أو ظنا.

فإذا: يفهم من هذا أن التحريضَ المذهبيَ في العرفِ العلميِّ يدورُ معناه على الحضِّ والحثِّ على الأخذ باعتقادٍ أو رأيٍ ما..

ولا شك أن المسلمَ الحقَّ الذي يمارسُ التحريضَ المذهبيَّ بهذا المعنى هو إنسانٌ داعيةٌ نجيبٌ نبيل. كيف لا، وهو يدعو مخالفَه إلى الله على بصيرة، ويحثه على توحيده، ويحضه على فعل الحسنات وتجنب المنكرات " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين " (فصلت33)

بيد أن أعرافَ الاجتماعِ والسياسة، قلبت مفهومَ التحريضِ المذهبي بمعناه الإيجابي هذا، إلى مفهومٍ سلبيٍّ مغاير، تدور معانيه على عصبيةٍ عمياءَ للمذهب، مبنيةٍ على الجهل، تدفع صاحبها لإثارة الفتن في المجتمع الواحد، توصلاً إلى تدميره برمته..

ولا شك أن التحريضَ المذهبي بهذا المعنى مسلكٌ ذميم، ومرتعٌ وخيم، تكاثرت نصوصُ الوحيين الشريفين على ذمه، وتواردت في التنفير من سلوك سبيله ونهجه..

ويدخل في هذا المسلك الذميمِ أيضاً التعصبُ الفروعي المقيت، المؤدي إلى الشقاقِ والنزاع والتصنيف والتبديع والتكفير..

ولقد مرت أحقابٌ من التخلف على أمة الإسلام، انتشر فيها التعصبُ المذهبي الفروعي، وخفتت فيها أنوارُ فقهِ الخلاف وإعذارِ المخالف، ما أدى إلى التطاحنِ والتباغض، بله التقاذف والتهاجر..

ولقد كانت العصبيةُ المذهبية ـ بهذا المعنى ـ مسلكاً سيئاً تواردت أقوالُ كبراءِ أهلِ العلمِ على ذمِّه، إذ الخلافُ الاجتهادي توسعةٌ على العباد، وحكمةُ اللهِ اقتضت أن يكون كثيرٌ من نصوصِ الأحكامِ مثاراً للأنظار، وإعمالاً للأفهام، وإثراءً لثقافة الأمة ورفعاً للحرج عن الملة...

وفي الوقت نفسه كان الإجماعُ المعتبر- بعد قواطع النصوص - يمثِّلُ الحصانةَ العاصمة للأمة من الوقوع في الزيغ والضلال..

ومن هذه الأصول التي توافرت النصوص عليها وتضافرت، وانعقد عليها الإجماع القطعي: تعظيمُ ومحبةُ الصحابةِ الكرامِ والذبُّ عنهم، وتجريمُ التعرض لهم..

إن هذا الأصلَ المقطوع به ليس من الخلاف الفقهي السائغ كما يدعي بعض دعاة التقريب، ولا يمت إلى اختلاف المدارس الفقهية بسبب، وعليه فإن التحريض على التزام هذا الأصل والتمسك به والدعوة إليه والذب عنه، ليس من العصبية المشؤومة في شيء، بل هو من الدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

وإذاً فالخلافُ حول هذا الأصلِ بين معظمي الصحابةِ ومبغضيهم، ليس خلافاً بين مذهبٍ فروعي وآخر، وإنما هو نزاعٌ بين حقٍ وباطل، وهدايةٍ وضلالة!

ولما كان كثيرٌ من المسلمين غافلين عن الفرق بين الأمرين، إهتبلها المحرِّفون فرصةً سانحة، ليخلطوا الحق بالباطل، والهدى بالضلال، والسنة بالبدعة، زاعمين أن التعرض للصحابة غلطٌ فقهي لا يستلزم المبالغةَ في النكير تجاهه، وأن التجريمَ على من قاءَ السبَّة إذكاءٌ لنار الفتنة، وانسياقٌ وراء مشاريعِ الغرب والخيانة، وأن وحدة المسلمين أهم من ذلك كلِّه، وأن صدرَ الإسلام يسعُ ذلك الخلافَ كلَّه!!

وتأتي كل عام ذكرى بعض المناسبات التاريخية، التي أُثخن فيها جسدُ الأمة بالجراحات الغائرة، تأتي هذه الذكريات لكي تَظهرَ معها أماراتُ حقدٍ دفين، وتناولٌ جارحٌ لمقاماتِ بعضِ كبراءِ الأمة من الصحابة الكرام، فيظهر معنى التحريضِ المذهبيِّ الدفينِ بأقذعِ صوره، فإذا قام بعضُ الدعاة الغيارى، بالذب عن أعراض الصحب الكرام، واجههم المحرِّفون وقلبوا الآية، وجعلوا الذبَّ تحريضاً مذهبيا!..

ثم يتحدثون بعد ذلك عن غلوٍ وتطرفٍ في المتسننة، ويتناسون أنه ما أنبتَ الغلوَ والتطرفَ إلا بزورُ حقدِ الآخرين المقيت..!

وهكذا تحرَّفُ المفاهيم، وتجهلُ البدهيات، وتردُّ المسلَّمات..

قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ * وينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سقم

يا معشر الكرام:

إن الحلَّ الأنجعَ والعلاجَ الأنفع، لردِّ الفتن ودرءِ المحن، إنما يكمنُ بإعلان الجميع المنعَ والتحريم، والإدانةَ والتجريم، لكل من تسول له نفسه، بالتعرض بالسوء لسادات الأمة، وكبراء الملة، من الآل والأصحاب والأتباع..

على أن يقترن هذا الإعلانُ بالتزامٍ عملي صادق، مقرونٍ بمراقبة صارمة، لا أن يكون مجردَ تمنياتٍ ونصائح، مصحوبةٍ في كثير من الأحيان بالمجاملات السياسية!

وبذلك نكون قد عالجنا الخللَ من أصولِه، واقتلعنا الضررَ من جذورِه، وإلا كانت قاصمة، ليس لها من دون الله عاصمة..

وأما التوهمُ بأن المعالجةَ تكمن في التضييق على جماعةٍ من النجباء، المنتصرين للحق، القائمين بالصدق، فليس من العدل في شيء.. وعليه؛ فلن تكشفَ محنةٌ أو يقطعَ دابر فتنة!..

أرى خِلَلَ الرمادِ وميضَ نارٍ * ويوشكُ أن يكونَ لها ضرامُ

فإن النارَ بالعودين تَذكى* وإن الحربَ مبدؤها كلام

لئن لم يطفها عقلاءُ قومٍ * يكون وقودَها جثثٌ وهام.

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد، والحمد لله رب العالمين.




من أرشيف الموقع

8 رجال اغتصبوا شابة لأشهر عدة!

8 رجال اغتصبوا شابة لأشهر عدة!

زاوية آل البابا

زاوية آل البابا

متى يجلب الأبناء السعادة؟

متى يجلب الأبناء السعادة؟