بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - قضية التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب

بقلم الشيخ محمد العيساوي / بوابة صيدا

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

فإن الساحة الإسلامية تعيش في وقتنا الحالي حالاتٍ من التشرذم والخصام، والعصبية والانقسام، تبدو واضحة حين طروء فتنة، أو ظهور محنة، وتخفت حيناً على استحياء، مع أوقات تدبرٍ وتفكر، وتذكرٍ وتهجد..

وفي خضم هذه الخصومات تخبو معالم العدل والإنصاف، وتتعرض صحاح المعاني لسقيم فهم، ومسلمات الأمور لغبش تصور، وتغدو واضحات الأمور في اضطراب مريع، وتصير حقائقها في ابتلاء فظيع، على حد تعبير شاعر المعرة:

إذا وصف الطائيَّ بالبخل مادرٌ * وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ

وقال السهى للشمس أنت خفية * وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة * وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة * ويا نفس جُدّي إن دهرك هازلُ

ولقد كان من شديد الأذى، وشنيع الفرى، هدم الكبراء، وقذفهم بما هم منه براء، وبهتانهم برديء مداد، وتناولهم بألسنةٍ حداد، رغبةً في رواج بضاعة الجهالة، وصرف الأمة من الهداية إلى الضلالة..

قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: " إعلم يَا أخي وفقنَا الله وَإِيَّاك لمرضاته، وجعلنا مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته إِن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة، وَعَادَة اللَّه فِي هتك أَسْتَار منتقصيهم مَعْلُومَة، لِأَن الوقيعة فيهم بِمَا هم مِنْهُ برَاء أمره عَظِيم، والتنَاول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اخْتَارَهُ اللَّه مِنْهُم لنعش الْعلم خلق ذميم.. والارتكاب لنهي النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الإغتياب وَسَب الْأَمْوَات جسيم فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".

ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجددُ الدعوة السلفية الربانية، أحدَ الكبراء الذين بهتوا ظلماً وعدوانا، صداً عن متابعة تجديده، ورغبةً في إرساءِ الجهل وتمجيده، فاتُّهم بنصب العداء للمسلمين، ووصفهم بصفات المشركين، ونعتهم بشرك الجاهلية، والمروق من الدين بالكلية!..

ولقد كان الأحرى بأولئك المجترحين، إعمال التحقيق قبل التنميق، وأخذ مسلك التحري والتدقيق، إذ المسلمات تقرِّر أن من ادعى أمراً طولب بالدليل، ومن استدل طولب بصحة دليله، لذا كان أجلة العلماء يفضحون كذابهم قائلين: " إن كنت كذوباً فكن ذكورا "..

على أن من جرح الشيخ من جهة القسمة طائفتان: الأولى هي تلك التي عنيتها بما تقدم، ووجودها حصري في الخرافيين والقبوريين والرافضة.. ولا نتعب أنفسنا في الجدال معهم، إذ أن إعمال العقول عند هؤلاء عسير، وكلامهم عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أجنبي عن مسالك البحث والتحقيق، وهو في حقيقته: " زوبعة في فنجان " لا غير، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

والثانية: جماعة نظن بها الخير والفضل، وإرادة النصَف والعدل، من الغابرين والمعاصرين، بيد أنهم لضعفٍ في التحقيق، وقلةٍ في مراجع البحث والتوثيق، وانشغالهم عن التحري بالشأن العام، وتشغيب الطائفة الأولى عليهم بالقيل والقال، ذهبوا ذلك المذهب البعيد فأبعدوا النجعة، والمأمول في المعاصرين منهم مراجعة اختياراتهم، وتصويب آرائهم، وإعمال مسلك تحقيق الآراء والمذاهب، مع إعمال متطلبات منهج البحث العلمي، المذكورة في مادة آداب البحث والمناظرة، والتي من أهمها: سعة الاطلاع، الأمانة العلمية، الموضوعية والتجرد، الحيـدة العلمية، اعتماد منهـج النقد، عـدم هضم المخالف حقه، رصانة العرض، دفع التعميم والمقارنة

الخاطئة وسوء البرهنة..

ولقد كان من خطأ النبلاء هؤلاء، أنهم أوتوا من جهة قراءتهم لبعض أقوال الشيخ مجتزأة عن سياقها، أو كان يعتريها عمومٌ قضى عليه تفصيل آخر، أو كانت في حق من أقام الشيخ عليه الحجة، وأبان له المحجة.. وها أنذا أضع الدواء على مكمن الداء، فأذكر حقيقة مذهب الشيخ في تكفير المعين، بنقول قطعية، تروي الغليل وتشفي العليل، لا تدع مجالاً للبسٍ، أو متنفساً لمتقول..

وقال الشيخ رحمه الله: " وإذا كنا لا نكَّفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا.." (منهاج أهل الحق والاتباع،للشيخ سليمان بن سحمان ص56.)

وقال أيضا: " فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفّر حتى يعرَّف " (الرسائل الشخصية 1/244)

وقال أيضا: " وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله " (مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب :الرسائل الشخصية 1/25)

وقال أيضا (في معرض رده على بعض المفترين): بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، وإني أكفّر من توسل بالصالحين، وإني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفّر من حلف بغير الله، وإني أكفّر ابن الفارض وابن عربي، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين.

جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم (الرسائل الشخصية 1/12)

وأما القول: إنا نكفّر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! (الرسائل الشخصية 1/101)

وقال أيضا: وأما التكفير، فأنا أكفّّر من عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله؛ فهذا هو الذي أكفّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. (الرسائل الشخصية 1/38)

وقال تلميذه الشيخ سليمان بن سحمان: " أما تكفير المسلم، فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها.

قال في بعض رسائله: وإن كنا لا نكفر من عبد قبة الكواز لجهلهم وعدم من ينبههم، فكيف من لم يهاجر إلينا؟" ( مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ص66).

هذه بعض النقول عن الشيخ، وهي توضح حقيقة مذهبه وضوح الشمس في رابعة النهار، والمطلوب حيالها من كل عاقل منصف التأمل والتدبر:

خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

أما إلقاء الكلام على عواهنه، وذر الفِرى جزافا، واختلال معايير النقد والحكم، فمسلك بعيد عن التحقيق العلمي ومناهج دراسة مذاهب العلماء..

قال ابن القيم رحمه الله في ذكر هذا المسلك الرديء:

تقول: ذا جنى النحل تمدحه * وإن شئت قلتَ:ذا قيئ الزنابير!

مدحاً وذما! وما جاوزت وصفهما* والحق قد يعتريه سوء تعبير

ولا شك أن الشيخ المجدد قد بهت مراراً بفرى كثيرة،وقد كان المقصود منها محاربة دعوته التجديدية، والتي تمثل حلقة في سلسلة مجددي التوحيد الخالص، التي امتن الله بها على الأمة، فقد دعا رحمه الله إلى التوحيد الخالص، وتنقيته من شوائب الشرك والوثنية، وإلى العبودية الحقة، ونبذ البدع والخرافة، وإقامة الشرع الحنيف، وهو مع ذلك كله كان داعية إصلاح، لا داعية خروج على الخلافة العثمانية، وتفريق لجماعة المسلمين كم يزعم أعداؤه..

ولقد كان المقصود من رقم هذه الكلمات، بيان الحق في تجلية مذهب الإمام محمد، وما كان المقصود من ذلك إزراءً لأحد من الكرام، أو تنقصاً لبعض الجماعات، والواجب على المنصف إعمال حسن الظن في مخالفه..

قال ذهبي عصره العلامة المحدث عبد الرحمن المعلمي رحمه الله:

ما كان ما كان عن حب لمحمدة * ولم نرد سمعة بالبحث والجدل

لكنما الحق أولى أن نعظمه * من الخداع بقول غير معتدل

ولا أحب لكم إلا الصواب كما * أحبه وهو من خير المقاصد لي

فظنَّ فيَّ كظني فيك محتملاً * ما كان أثناء نصر الحق من خطل

فإنما غضبي للحق حيث أرى * إعراضكم عنه تعليلاً بلا علل

وقد علمتم صوابي في "مُكاتبتي" * والحمد لله رب السهل والجبل

على أنني في الختام لا أملك إلا أن أجأر إلى الله تعالى بأن يهب الجميع الهداية والسداد، والتوفيق والرشاد: " اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم..

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله أولاً وآخرا




من أرشيف الموقع

وصفات طبيعية لترطيب اليدين..

وصفات طبيعية لترطيب اليدين..

غوغل أوقفت تطبيق TRIPS

غوغل أوقفت تطبيق TRIPS