بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا -  ظاهرة انتحال العلم

الشيخ محمد العيساوي / بوابة صيدا

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فلقد كان من فضل الله على عباده، ومزيد نعمه وإحسانه، أن قيَّض للدين أنصارا، وللشريعة الغراء حراسا، يذودون عن حياضها، ويمنعون الأدعياء من ولوج مقاماتها وحرماتها، يفنون أعمارهم في ذلك حسبة لله تعالى، وجهاداً في سبيله.. قال الإمام أحمد رحمه الله: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.." وبغيتهم في ذلك بعد رضاء الله، ديمومة نصاعة الواضحة، وإيصال معاني الدين إلى الأمة خالصةً من الشوائب، لتبقى ريادة العلم حكراً على أهله، يبلغونه في عظمة عصامية سامية، لا عظمة عظامية موهومة! فالعلم درة الشرع الأطهر، وحلية الدين الأعظم، يأبى أن يُسلِسَ قيادَه لغير الراسخين من أهله، لذا اقتضت مشيئة الله النافذة، موافقةً لحكمته الباهرة، أن يُفتضح الأدعياءُ عند بدء الانتحال، جزاءً وفاقا، حفظاً للشريعة وأصولها، وحراسةً لقواعدها وحدودها، من عبث الصِغار، وتلاعب المفتونين الأغمار.. وعلى نفسها جنت براقش، ولا حباً فيهم ولا كرامة، ولا شيعتهم الغمامة! ولقد تتابع الأكابر على مر العصور على البوح بالتذمر منهم لا كثَّرهم الله..

قال الحسن البصري رحمه الله فيهم: اللهم إنا نشكو إليك هذا الغثاء.

وسئل سفيان الثوري رحمه الله عمن حدَّث قبل أن يتأهل فقال: إذا كثُر الملاحون غرقت السفينة.

ولله در العلامة النظَّار أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله فإنه وضع النصال على النصال في بيان اجتراحهم الفوضى العلمية فقال: قلما تقع المخالفة من المتأخرين لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة.

وقريب منها كلمة الإمام الغزالي رحمه الله: لو سكت عن مسائل العلم من لا يعلم لرُفع الخلاف..

وقد اشتكى منهم الحافظ ابن القيم رحمه الله فقال:

هذا وإني بعد ممتَحنٌ بأربعة * وكلهم ذوو أضغان

فظٌ غليظ جاهل متمعلم * ضخم العمامةِ واسع الأردان

متفيهق متضلع بالجهل * ذو ضلع وذو جلح من العرفان

مزجى البضاعة في العلوم * وإنه زاج من الإيهام والهذيان

إن الواجب المحتم على كبراء العلم وأساطينه، يقتضي إشهار النكير، وإعلان التقريع والتعزير، على كل غمرٍ تسول له نفسه، أو يزين له مكره، تحريفاً لمعاني الشريعة، أو تصدراً مزيفاً لمنازلها الرفيعة، وإلا عظمت البلية، وتفاقمت المحنة والرزية، وراجت سوق الجهالة وشبه الضلالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

قال القاضي العلامة عبد الوهاب بن نصر المالكي رحمه الله:

متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ *  إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد * وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإن ترفُّعَ الوضعاء يوماً * على الرفعاء من إحدى الرزايا

إذا استوت الأسافل والأعالي * فقد طابت منادمة المنايا

ولقد أفرزت السنون العجافُ هذه، كثيراً من مظاهر تحريف، وظواهر تصدر وتغرير، تولى كبرَها ـ على حين غفلة من الأجلة ـ متمجهدون صغار، ولصوص نصوص، ممن أراد أن يطير ولمَّا يريش، أو رام تزبباً قبل تحصرم، في منظومة سوءٍ لا تحصى من مظاهر تعالمٍ وانتحال، وصنوف خيانة علمٍ واحتيال، يجمعها معنى الزور في قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور..

قال ابن حزم رحمه الله: لا آفة على العلوم وأهلها، أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدِّرون أنهم يصلحون".

ولهذه الشرذمة في تاريخ العلم سلفُ سوء، سطَّر التاريخ أشياء من أخبارها، فمن ذلك: أن أحدهم قد سُئل: هل ورد حديث بأن المغرب تقصر؟ قال نعم فسُئل عن مظانه فقال: في كتاب الفردوس لأبي الليث السمرقندي، فبحثوا فيه فلم يجدوا الحديث فرجعوا إليه، فلما خاف الفضيحة قال: لكتاب السمرقندي ثلاث نسخ:كبرى ووسطى وصغرى والحديث في الكبرى، ولم تدخل الكبرى بلادنا بعد، فعلموا كذبه..

ومنهم من بلغ من كذبه أنه لما ذكر له اختلاف المحدثين في سماع الحسن البصري من أبي هريرة وضع حديثاً نصه: سمع الحسن من أبي هريرة!! فبان زيفه، وطاح جملةً واحدة..

ومما اشتُهر: جواب أحد المتفيهقة على كل مسألة بوجود الخلاف فيها على رأيين، إلى أن سأله بعض الأذكياء عن معنى قوله تعالى" أفي الله شك " فقاء بوجود الخلاف فيها فافتُضح!!

وقد ساق العلامة الجهبذ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه "التعالم" أشياء من ذلك كثيرة، في تأصيلاتٍ فريدة عزيزة، ومنه ذكرت ما أوردته من هذه الأمثلة، فارجع إليه تجد العلق والدرر..

بيد أن المتأمل في سبب حرص بله تقاتل أولئك الأغمار على تولي كبر " ظاهرة الانتحال " يجد الرغبة واضحة في التصدر والظهور، والشهرة والبروز، رغبة في لعاعة من الدنيا زائلة، وقد جهل المساكين أولئك أن من جعل من انتحال العلم سلماً لأغراضه، فضحه الله في الدنيا قبل الآخرة..

على أن القاضي الجرجاني رحمه الله قد أنكر فأفاد وأجاد، ووعظ المتسلقين بالنصح والسداد، فأنشأ يقول فيهم ولهم:

يقولون لي فيك انقباض وإنما  * رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم* ومن أكرمته عزة النفس أكرما

ولم أَقْضِ حق العلم إن كان * كلما بَدَا طمَعٌ صيَّرته لي سُلَّما

أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة إذا * فاتِّباع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظَّما

ومن العجيب المعجب والغريب المطرب، أن المتعالمين أولئك، ما قصَروا تمجهدهم على فروع العلم الشرعي ومسائله، بل أجروه إلى قضايا السياسة الساخنة، وهي الموصوفة عند الحذَّاق بأنها "مزلة أقدام ومضلة أفهام، ومقام صعب ومعترك ضنك" فهرفوا بما لم يعرفوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم في عويص مسائلها ولمَّا يبلغوا الحلم فيها، فتجارت بهم الأهواء ولعب بهم أقطاب اللعبة، ولمثل هذا تُقشَّرُ العُصيٌّ ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد ثبت في الحديث في مسند أحمد وغيره: إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»

قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟

قال: السفيه يتكلم في أمر العامة.

وقدوة أولئك في الضلالة علماء السوء: من عرف الصراط فنَدَّ، وفقه الصواب فشذَّ، وعلم الحق فضل.. قال ابن القيم رحمه الله: " علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعون إلى النار بأفعالهم: فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا، قالت أفعالهم للناس: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له: فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع الطرق" وعلى أي حال، فالنصح موصول لجمعهم بالوقف والكف، والإحجام لا الإقدام، فسنن الله لا تحابي أحدا، والسعيد من فقه تجارب سابقيه فانتبَه.. عصمنا الله تعالى من الغواية والخطل، وسوء الطوية والزلل، والحمد لله رب العالمين..




من أرشيف الموقع

حدث في 18 أيار / مايو

حدث في 18 أيار / مايو

حدث في 25 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 25 تشرين الثاني / نوفمبر