بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الإِمَامُ الصَّادِقُ وَمُوَاجَهَةُ الانْحِرَافِ الدِّينِيِّ

 الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

شهدت الحياةُ العِلميَّةُ في القرنين الثَّاني والثَّالث مَوجاتٍ من الانحرافات في الثَّقافة الدِّينيَّة بأبعادها الإيمانيَّة والعَمليَّة والسُّلوكيَّة، ما دفعَت بالإصلاحيين إلى التَّصدِّي لها وتفكيكها، كان في مقدِّمتهم أئمَّةُ أهلِ البيت. فكيف تعاملوا معَ هذه الظَّاهرة؟ وهل يصلح منهجُهم يومذاك حلاًّ ناجعًا لمشكلاتنا الدِّينيَّة اليومَ؟

الإصلاحُ سلوكٌ قائمٌ ما قام للهِ في أرضه إمامٌ بحُجَّة، ولن تخلوَ الأرضُ من حُجَّة حتى قيامِ السَّاعة، ولا تقومُ السَّاعةُ حتى يخرجَ قائمُ آل محمَّد صلى الله عليه وسلم حُجَّةُ آخرِ الزَّمان المهديُّ على نبيِّنا وعليه الصَّلاة السَّلام.

والإصلاحُ مطلبٌ قرآنيٌّ، به تصطلحُ الحياةُ، وعلى أساسه يُقوَّم اعوجاجُ المجتمعِ، ويُحفَظُ به الوطنُ. ذلك أنَّ القضاءَ على مَعالمِ الفساد، ومحاصرةَ الجريمة في مهدها، ومواجهة أسباب العنف والإرهاب، وتقويضَ دوافعِ الفِتنة والتطرُّف... كلها مقاصد سياسيَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة، يردُ النِّداءُ بها ترسيخًا لمفهوم القِيم والثَّوابت والمرتكزات، والتي في طليعتها: المحافظةُ على السِّلم الأهليِّ والعيش المشترك.

فهذا شعيبٌ نبيُّ اللهِ يأمرُ قومَه بالتوحيد والعبادة، والصِّدق في المعاملة، والعَدل في البُيوع، والوزن بالقسطاس المُستقيم، ويختم نِقاشَه بقوله: {إِن أُريدُ إِلَّا الإِصلاحَ مَا استَطَعتُ وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ} [هود: ٨٨].

والإصلاحُ، والمواجهة، والتغيير، والتعديل، والتطوير، والتحديث؛ مَبانٍ كلاميَّةٌ لمدلولٍ لُغويٍّ يلتقي بمضامينه في عمليَّة تكامُليَّة تتجذَّر وتتعمَّق في أُطرِ النَّفْس البشريَّة، ومناحي الحياة اليوميَّة، وتتَّخذُ وُجوهًا عدَّة بحسب الانحلال القائم في المجتمع. وأعظمه مواجهةُ الانحراف الدِّينيِّ، الذي لربَّما ارتكز على معاولَ هدمٍ فرضَتْهَا البيئةُ، تأتي في مقدِّمتها:

1- الشَّعوذةُ والهرطقة.

2- البِدعُ والسَّفسطة.

3- التشدُّدُ في الفرعيَّات والغُلوُّ في فروع العقائد.

4- المبالغةُ في تقديس الفَهم على حساب النَّصِّ.

5- الجُمودُ على ظواهرِ النُّصوصِ وتَغييبُ عِليَّةِ التَّشريعِ ومصادمةُ مقاصد الأحكام.

6- إغفالُ فِقه الموازنات والأولويَّات، والانغماسُ في جوانبَ مِنَ الشَّرعيَّات.

فنتجَ عن ذلك انقسامٌ حادٌّ في أُسرة المجتمع، وتجزئة بالغة في عوائل الوطن، وضرب سحيق للوحدة، وبروز ثقافة التخوين، وإثارة نار الفتنة، وظهور الاصطفافات المذهبيَّة والطَّائفيَّة، وتمادي التعصُّب للشَّيخ أو الإمام، والإيغالُ في التبديع، وصولاً إلى التكفير!

فنفر بعضُ المثقَّفين من هذا الواقع المأزوم، هُروبًا من السِّجالات الكلاميَّة والفتاوى المذهبيَّة. فإذا به يميلُ إلى غُلوٍّ من نوعٍ آخرَ، يقومُ على فكرةِ الرَّفضِ والإنكارِ والتمرُّدِ على المَوروثِ الدِّينيِّ بشكلٍ عامٍّ، حتى اختتم رِحلتَه بثالثة الأثافي: الوقوع في مصيدة الإلحاد!

في المقابل، وَرِثَ مَفهومَ الإصلاح الأئمَّةُ مِن أهل البيت، "بقايا أهل العلم، [نهضوا] يدعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويَصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرون بنور الله أهلَ العمى". فنادَوا بالإصلاح ومواجهة الانحراف في أكثرَ من محفلٍ، حتى عُرِفوا به وعُدَّ من شيمهم.

وعلى هذا المنهجِ سارَ الإمامُ الهُمامُ وارثُ الدَّوحةِ الصدِّيقيَّة، ومُعلِّمُ الأئمَّة، شمسُ الزَّمانِ، وقُطْبُ دائرةِ الأكوانِ، سيِّدي ومولاي أبو عبد الله جعفر بن محمَّد الصَّادق، الذي اقتطعَ مِن وقته وفرَّغ من مَهامِّه لمناقشة المخالفين، وقطعِ الطَّريق على المغالين، ودعوة الملاحدة إلى ثوابت الدِّين.

كما دعا إلى التوافُق بين صَحيحِ المَنقولِ وصَريحِ المَعقولِ، وعَمِلَ على تَثبيتِ المُصالحةِ بينَ الشَّريعةِ والحقيقةِ، ودَفْعِ أيِّ تضارُبٍ مَظنُونٍ عن نُصوصِ الوَحيِ المَكنونِ، ودَرْءِ أيِّ شَكٍّ مَوهُومٍ قد يريبُ المتابعين والمُطَّلعين، وأملَ بحِكْمةِ بيانِهِ وفصاحةِ لسانِهِ وصدقِ نيَّتِهِ وقُوَّةِ شَكيمتِهِ ورَباطَةِ جَأشِهِ وحُسْنِ ظَنِّهِ، أنْ تزيلَ كلماتُهُ رواسبَ علقَتْ على جدارِ العقلِ، وأوهامًا أصابَتْ صفحةَ القلبِ، وشُكوكًا أثَّرَتْ في خواطرِ النَّفْس.

نهجَ في ذلك مناهجَ عدَّة اقتضاها اختلافُ النِّسَب في القُوى الإدراكيَّة لدى المَخاطَبِينَ، وقياسُ مدى تقبُّلِهِم للحقِّ أو تعنُّتِهم فيه؛ بالنَّظرِ إلى الهَدفِ الأسمى المَرجوِّ مِن هذه الدَّعوةِ أو تلك المناقشة.

فربَّما اعتمدَ الأسلوبَ الوَعظِيَّ الخَطابيَّ، أوِ الآخرَ الحِجاجيَّ البُرهانيَّ، وفي كلٍّ كان نِعْمَ المُوجِّه ونِعْمَ المُعلِّم. فلم يُذكَرْ قط أنَّه بدَّع أو كفَّر او استحلَّ الدَّم أو انتهاكَ العِرض أو سَلْبَ المال. بل كان يناظرُ في النَّهارِ ثمَّ يقيمُ اللَّيلَ بركعاتٍ يبتهل إلى اللهِ ويدعوه فيها لأصحاب التخرُّصات والتخيُّلات. فكم مِن قتيلٍ لإبليس قد أحيَى، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدى!

وبمراجعةٍ سريعةٍ لاستراتيجيَّتِهِ في التَّعامُلِ معَ ظاهرةِ الانحرافِ الدِّينيِّ، نجده قد التفتَ -أوَّلاً- إلى صَدِّ عادية الغُلاةِ، "ولم يسمح لهم أنْ يتجاوزوه وأنْ يقولوا فيه ما لا ينبغي له. ولم يمنعْه تقرُّبُهم منه ولا محاباتُهم له أن يقف ضِدَّهم بحزم ويُحذِّر منهم"، ويكشفَ سوء صنعتهم. ولمَّا بلغَهُ أنَّ بشارًا الشعيري -أحدَ الغلاة- يقول فيه ما يؤدِّي إلى الإشراك، قال: "إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَابْنُ عَبْدِ اللهِ، ضَمَّتْنِي الأصَلابُ وَالأرْحَامُ، وَإِنِّي لَمَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ ثُمَّ مَسْؤُولٌ".

فشكَّل بمواقفِهِ الحازمةِ وجُرأتِهِ الصَّادعةِ قلعةً مَنيعةً يحتمي فيها المؤمنون، وحِصنًا حصينًا يتحصَّن به المُوالون، وسَدًّا مُحْكمًا تتكسَّرُ عليه أمواجُ المُغالين وتتناثرُ عليه شُبهاتُ المنحرفين. ولا زالَتْ أصداءُ كلماتِهِ تجوبُ عالَمَ المعرفةِ، وتُورِثُ القلبَ بردَ اليقين ودفءَ العاطفة، في قوَّتها بنفسها وثقة صاحبها بربِّها.

مِن بينِ هذه الأضواءِ البارقةِ والأنوارِ الشَّارقةِ ينبثقُ شُعاعُ قولِهِ لأبي شاكر عبد الله الدِّيصانيِّ الدَّهْريِّ -وقد لقيَهُ في موسم الحجِّ-: "أنتَ بَعْدُ على عُتوِّكَ وضلالِكَ!". فأراد الدِّيصانيُّ أنْ يتفذلكَ في الكلامِ ويُوقِعَ الإمامَ في مَحظورِ الإحرامِ. فإذا به يقطعُ عليه مُقتبسًا من القرآن: {لا جِدالَ فِي الحَجِّ} [البقرة: ١٩٧]، ثمَّ نفض رداءَهُ مِن يدِهِ، وقال: "إِنْ يَكُنِ الأمْرُ كَمَا تَقُولُ -وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ- نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ. وَإنْ يَكُنِ الأمْرُ كَمَا نَقُولُ -وَهُوَ كَمَا نَقُولُ- نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ".

فتأمَّل كيف أخذ الدهريُّ برداء الإمام وكأنِّي به موقنٌ بولاية هذا العارف الربَّانيِّ، يتوسَّط بابَهُ للدُّخولِ على اللهِ وهو مُمسِكٌ بطرف ثوبِهِ آخِذٌ بأذياله، بيدَ أنَّ شهوةَ الكلامِ والتصدُّر على الفئام منعَتْهُ من الإذعانِ والإيمانِ! فعطف جعفرٌ عن المجادلةِ والمماحكةِ إلى الموعظةِ والمناصحةِ، ليُوقظَ النَّائمَ في ذاتِ ذا الإنسانِ بطريقةِ الإفحامِ والإلزامِ وإسكاتِ اللِّسان وقطعِ دابرِ الكلامِ.

ثمَّ أمعِنِ النَّظَرَ في هذه التَّوليفةِ اللَّطيفةِ المَبنيَّةِ على عُمْقِ الفَرَضيَّةِ المُتمتِّعةِ بحَظَيان المُوافقةِ العامَّةِ على مقدِّمتِهَا، لإثارةِ هاجسِ التخوُّفِ منْ مَغبَّاتِهَا في الثانيةِ. فالصَّادقُ أنزلَ الدَّهريَّ منزلةَ المُوافقِ أوَّلاً ثمَّ واجهَهُ بطريقةِ الخطَّافِ لجلبِ انتباهِهِ في دقيقةٍ واحدةٍ، ليُملي عليه تاليًا الصَّدمةَ الموقظةَ، وهو يتَّبعُ استراتيجيَّةَ التصاعُدِ الإقناعيِّ، {فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنّى تُصرَفونَ} [يونس: ٣٢].

وتتضمَّنُ عبارتُهُ -على وجازتِهَا- إيقاعًا عَذبًا على الأذنِ سرعانَ ما ينفذُ إلى القلبِ، من خلالِ اتِّباعِ تِقنية التَّكرارِ المنسجمِ بينَ الجُملِ والمفرداتِ، وتوالي الحروفِ المتناسقةِ معَ بعضِهَا صوتًا ومعنًى، واستخدامِ التَّوكيدِ اللَّفظيِّ الذي وظَّفَهُ لغَرَضٍ بالغِ الأهميَّة وهو تقريرُ الحقيقةِ الكبرى، ومفادُها: إثباتُ وُجودِ الصَّانعِ ونجاةِ المؤمنِ.

ومَزيدًا لاستجلاءِ العمى وقرعِ طبولِ القلبِ، يأتي التقابلُ المفصحُ عنِ التضادِّ الحاصلِ في الرَّأيينِ وما بينَهما منِ اختلافٍ جذريٍّ في الرُّؤية والغايةِ، ذلك أنَّ موقفَ المؤمنِ باللهِ لا يعودُ عليه بالخسارةِ مطلقًا، بخلافِ غيرِ المؤمن به، بداعي أنَّ عدمَ الإيمانِ باللهِ في الحالةِ الثانية مُفضٍ -لا محالةَ- إلى العقابِ، بخلافِهِ في الحالةِ الأولى التي يتساوى فيها المتخاصمانِ لانعدام تحقُّقِ الجزاءِ وبالتَّالي ضمانِ الخلاصِ.

في الوقتِ عينِهِ، نلمحُ أنَّ الصَّادقَ لم ينشغلْ عنِ المُهمِّ بقضايا جانبيَّةٍ، بلْ دخلَ في الموضوعِ مباشرةً وبدونِ مقدِّماتٍ، إشعارًا بأنَّ الموقفَ لا يحتملُ إلاَّ ذاك. كذلك تراهُ لم ينكِرْ على أبي شاكر وُجودَهُ في الموسمِ، ولا انهمكَ في مسألةِ إسلامِهِ أوِ ارتدادِهِ.

هذا -بلا شكٍّ- يؤكِّدُ انفتاحَ أبي عبدِ اللهِ على جميعِ مَنْ حولَهُ، لتعميقِ ثقافةِ الحوارِ بإتقانِ قنواتِ الاتِّصالِ، بهدفِ انتشالِ الإنسانِ منْ دُونيَّةِ الأوحالِ إلى سُموِّ الأعمالِ والآمالِ.

منْ هذا البابِ، فإنِّي لا أخالُ هذا الطَّرحَ الفِكريَّ المستنيرَ يعجزُ عنْ حلِّ إشكالاتِ القرنِ، أوْ أنْ يصطدمَ معَ الأُطروحاتِ المعاصرةِ في ضرورةِ الانفتاحِ، وبَعثِ الحوارِ، والعزوفِ عنْ خطابِ الكراهيةِ المفضي إلى الصِّدامِ والاقتتالِ.

بناءً عليه، وحيثُ إنَّ أسبابَ التيهِ والضياعِ في حركةِ تجدُّدٍ دائمٍ لوجودِ منافذِ التغذيةِ والتغطيةِ.

وحيثُ إنَّ الخطابَ الشَّرعيَّ -بطبيعتِهِ- مرنٌ وينسجمُ معَ مُختلِفِ الحالاتِ ويواكبُ -باستمرارٍ- عجلةَ التطوُّراتِ الثقافيَّةِ والعِلميَّةِ.

لذلك، فإنَّ الاقتداءَ بسيرةِ هذا الإمامِ، واقتفاءَ منهجِهِ في حسنِ التعاملِ معَ المخالفِ؛ مدعاةُ فخرٍ واعتزازٍ، وسببٌ في استتبابِ الأمنِ وتشييدِ معالمِ الانفتاحِ، على سَننٍ قويمةٍ وشِرعةٍ مستقيمةٍ.

وهي دعوةٌ لسائرِ الأفرقاءِ والأسوياءِ إلى دراسةِ حياةِ الصَّادقِ ومراجعةِ مواقفِهِ، بالاستنادِ إلى هذه التَّعاليمِ السَّمحةِ التي تؤصِّلُ لمفهومِ التعايُشِ السِّلميِّ والحوارِ الحضاريِّ والإصلاحِ الدِّينيِّ أبدَ الدَّهرِ. ويا فوزَ مَنِ استقامَ على طريقةِ آلِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم وردَّدَ معَ ذي الجلالِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

فهلْ سينضمُّ أهلُ الرَّأيِ إلى هذه الدَّوحةِ العِرفانيَّةِ ويتمسَّكون بهذه المفاهيمِ الإنسانيَّةِ للقفزِ بأبناءِ الوطنِ منْ مهاوي الإلحادِ واللادينيَّةِ إلى معالي التعاليمِ الإيمانيَّةِ؟ أمْ أنَّ الشُّعورَ بالقِيمِ الربَّانيَّةِ والانتماءَ إلى الفطرةِ الإنسانيِّةِ باتَ باردًا ولا يعدو أنْ يكونَ وجهةَ نَظرٍ؟!




من أرشيف الموقع

مقابلة مع سعيد بدوي الشامية

مقابلة مع سعيد بدوي الشامية

حدث في 2 حزيران / يونيو

حدث في 2 حزيران / يونيو

الشيخ محي الدين جويدي

الشيخ محي الدين جويدي