بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج3) : الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

المبحث الثالث: بداية مدة التربص:

إذا رفعت الزوجة أمرها الى القضاء لفسخ عقد الزواج وأمرها القاضي بالتربص مدة معينة, فهل تبدأ المدة من التاريخ الذي رفعت أمرها إليه, أم من وقت انقطاع الخبر؟

القول الأول: تبدأ مدة التربص من يوم الغيبة وانقطاع الخبر. جاء في مغني المحتاج: "تَتَرَبَّصُ زَوْجَةُ الْغَائِبِ الْمَذْكُورِ (أَرْبَعَ سِنِينَ) مِنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ (ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ) بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرِ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ (وَتَنْكِحُ)". [مغني المحتاج, الشربيني, ج5, ص98].

القول الثاني: تبدأ من اليوم الذي يأمرها القاضي فيه بالتربص, وفي نهاية المحتاج: "(وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ) مِنْ ضَرْبِ الْقَاضِي فَلَا يَعْتَدُّ بِمَا مَضَى قَبْلَهُ، وَقِيلَ مِنْ حِينِ فَقْدِهِ (ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةِ وَتُنْكَحُ) بَعْدَهَا". [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج, الرملي, ج7, ص148].

المبحث الرابع: هل ضرب الأجل لزوجة يلزم سائر الزوجات:

اختلف أهل العلم على قولين:

القول الأول: أن ضرب الأجل لواحدة هو ضرب للأخريات, ففي حاشية الدسوقي: " (وَالضَّرْبُ) أَيْ ضَرْبُ الْأَجَلِ (لِوَاحِدَةٍ) مِنْ نِسَاءِ الْمَفْقُودِ قَامَتْ دُونَ غَيْرِهَا (ضَرْبٌ لِبَقِيَّتِهِنَّ، وَإِنْ أَبَيْنَ) أَيْ الْبَاقِيَاتُ مِنْ كَوْنِ الضَّرْبِ لِمَنْ قَامَتْ ضَرْبًا لَهُنَّ، وَطَلَبْنَ ضَرْبَ أَجَلٍ آخَرَ فَلَا يُضْرَبُ لَهُنَّ أَجَلٌ مُسْتَأْنَفٌ بَلْ يَكْفِي أَجَلُ الْأُولَى مَا لَمْ يَخْتَرْنَ الْمُقَامَ مَعَهُ بِأَنْ اخْتَرْنَهُ فَلَهُنَّ ذَلِكَ وَتَسْتَمِرُّ لَهُنَّ النَّفَقَةُ". [حاشية الدسوقي, ج2, ص481].

وقال الحطاب: "(وَالضَّرْبُ لِوَاحِدَةٍ ضَرْبٌ لِبَقِيَّتِهِنَّ، وَإِنْ أَبَيْنَ) ش: مَعْنَى كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَامَ مِنْ نِسَائِهِ بَعْدَ ضَرْبِ الْأَجَلِ لِوَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ لِلثَّانِيَةِ أَجَلٌ مُسْتَأْنَفٌ بَلْ يَكْفِي أَجَلُ الْأُولَى". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل, الحطاب, ج4, ص160].

القول الثاني: أن ضرب الأجل لإحدى الزوجات لا يعد ضرباً لباقي الزوجات, ففي مواهب الجليل: " وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ يَضْرِبُ لِلثَّانِيَةِ الْأَجَلَ حِينَ تَرْفَعُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ أَمْرِ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَشَفَ عَنْهُ لِلْأُولَى قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَأَحْسَنُ انْتَهَى، وَكَلَامُ ابْنِ يُونُسَ نَحْوُهُ". [مواهب الجليل, الحطاب, ج4, ص160].

المبحث الخامس: بيان حكم زواج زوجة المفقود في فترة التربص:

هل يباح لزوجة المفقود أن تتزوج أثناء مدة التربص أو في فترة العدة. فقد اتفق الفقهاء على بطلان نكاح المعتدة, لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ}. [النساء الآية24].

قال ابن قدامة: " وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا، إجْمَاعًا، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ, لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}. [البقرة الآية235]. وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ, لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا". [المغني, ابن قدامة, ج8, ص124].

المبحث السادس: أثر الحكم بموت المفقود في المهر:

هنا مسألتنا: أن يكون قد حكم القاضي بموته بعد الدخول أو قبل الدخول:

الأولى: اتفق الفقهاء على وجوب المهر للزوجة كاملاً لأن الدخول بحد ذاته يؤكد المهر, قال الكاساني: "وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَهْرُ فَالْمَهْرُ يَتَأَكَّدُ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ. الدُّخُولُ وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ وَمَوْتُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَمًّى أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِبْرَاءِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، أَمَّا التَّأَكُّدُ بِالدُّخُولِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،... (وَأَمَّا) التَّأَكُّدُ بِالْخَلْوَةِ فَمَذْهَبُنَا... وَأَمَّا التَّأَكُّدُ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ الْمُسَمَّى، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً, لِأَنَّ الْمَهْرَ كَانَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ بَلْ انْتَهَى نِهَايَتهُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لِلْعُمْرِ فَتَنْتَهِي نِهَايَتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْعُمْرِ، وَإِذَا انْتَهَى يَتَأَكَّدُ فِيمَا مَضَى وَيَتَقَرَّرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ يَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ فَيَتَقَرَّرُ الْوَاجِبُ، وَلِأَنَّ كُلَّ الْمَهْرِ لَمَّا وَجَبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالْمَوْتُ لَمْ يُعْرَفْ مُسْقِطًا لِلدَّيْنِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ". [بدائع الصنائع, الكاساني, ج2, ص292, و294, و295].

الثاني: "وَأَمَّا إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ". [بدائع الصنائع, الكاساني, ج2, ص295].

المبحث السابع: بيان إذا كان على المرأة عدة طلاق بعد عدة الوفاة:

اختلف العلماء على قولين:

القول الأول: أن عليها أن تعتد عدة الطلاق بعد عدة الوفاة. قال ابن قدامة: "وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ آخَرَ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ, لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي يُتَيَقَّنُ بِهَا بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا احْتِيَاطًا". [المغني, ابن قدامة, ج8, ص108].

القول الثاني: لا تحتاج الى عدة طلاق بعد عدة الوفاة, قال الماوردي: "أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَقَدَّرَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةُ أَكْثَرِ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ثُمَّ أُلْزِمَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الْمَفْقُودِ مَوْتُهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَاقٍ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ وَلِيَّ الْمَفْقُودِ أن يطلق قبل لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ اسْتِظْهَارًا، لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِمَوْتِهِ لَا تَقِفُ فُرْقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى طَلَاقِ غَيْرِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ مَا سِوَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ اسْتِبْرَاءٌ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَقَدِ اسْتَبْرَأَتْ هَذِهِ نَفْسَهَا بِأَرْبَعِ سِنِينَ فَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِبْرَاءِ، وَأُلْزِمَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ إِحْدَادًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَوَّلُ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ مِنْ وَقْتِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَهَا بِالتَّرَبُّصِ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ". [الحاوي الكبير, الماوردي, ج11, ص318].

المبحث الثامن: هل حكم القاضي يقع ظاهراً وباطناً؟

وللعلماء قولان:

القول الأول: "فَإِذَا حُكِمَ بِالْفُرْقَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى إِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ حَيًّا لَمْ يَبْطُلْ بِهِ النكاح. وَالثَّانِي: لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ مَدْخَلًا فِي إِيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

القول الثاني: أَنَّهَا تَقَعُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَإِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ حَيًّا بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِي، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ. [انظر: الحاوي الكبير, الماوردي, ج11, ص318].

المبحث التاسع: هل يشترط مراجعة الحاكم بعد انتهاء مدة التربص لأجل العدة:

القول الأول: تعتد فور انتهاء مدة التربص دون حاجة الى مراجعة الحاكم. رد المحتار, ابن عابدين, ج4, ص297. " (وَلَا تَحْتَاجُ الزَّوْجَةُ فِيهَا أَيْ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ لِإِذْنٍ مِنْ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ أَوَّلًا" الشرح الكبير, ابن عرفة, ج2, ص480.. وحجتهم: أن إذن القاضي لها بالتربص يتضمن الإذن بالاعتداد. أحكام الغائب والمفقود, عبد المنعم سقا, ص312.. وقال الباجي: "فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَرْبَعُ سِنِينَ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعِدَّتُهَا, لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي تَزْوِيجِهَا قَالَ: لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ". [المنتقى شرح الموطإ, الباجي, أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الأندلسي, مصر, مطبعة السعادة, الطبعة: الأولى، 1332هـ, ج4, ص91].

القول الثاني: يجب على المرأة أن تراجع الحاكم بعد انتهاء المدة. رد المحتار, ابن عابدين, ج4, ص297. قال الماوردي: "فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إِلَّا بِأَنْ يَحْكُمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ فتقع الفرقة ما حُكِمَ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ تَدْخُلُ بَعْدَ حُكْمِهِ فِي الْعِدَّةِ وَتَحِلُّ حِينَئِذٍ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ" [الحاوي الكبير, الماوردي, ج11, ص318]..

ودليهم: ما روي عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الفَقِيدِ الَّذِي فُقِدَ قَالَ: دَخَلْتُ الشِّعْبَ فَاسْتَعْوَتْنِي الْجِنُّ، فَمَكَثَتِ امْرَأَتِي أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَتَتْ عُمَرَ، "فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ مِنْ حِينِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا وَلِيَّهُ فَطَلَّقَ، وَأَمْرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَتْ فَخَيَّرَنِي عُمَرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي أَصْدَقْتُ". [مصنف عبد الرزاق, ح12320, ج7, ص86].

المبحث العاشر: إحداد

جاء في كنز الدقائق: "الْإِحْدَاد فِيهِ لُغَتَانِ: أَحَدَّتْ إحْدَادًا فَهِيَ مُحِدٌّ وَمُحِدَّةٌ إذَا تَرَكَتْ الزِّينَةَ لِمَوْتِهِ، وَحَّدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا تَحُدُّ وَتَحِدُّ حِدَادًا بِالْكَسْرِ فَهِيَ حَادٌّ بِغَيْرِهَا وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الثُّلَاثِيَّ وَاقْتَصَرَ عَلَى الرُّبَاعِيِّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ وَالْحَادُّ وَالْمُحِدُّ تَارِكَةُ الزِّينَةِ لِلْعِدَّةِ حَدَّتْ تَحُدُّ وَتَحِدُّ حِدَادًا وَأَحَدَّتْ اهـ. وَفِي الشَّرِيعَةِ تَرْكُ الزِّينَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ مُعْتَدَّةٍ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ مَوْتٍ". [البحر الرائق شرح كنز الدقائق, ابن نجيم, ج4, ص162. أحكام الغائب والمفقود, سقا, ص616] 

زوجة المفقود:

لم يتعرض جمهور الفقهاء لبحث ذلك صراحة, غير أن اتفاقهم على وجوب عدة الوفاة عليها يقتضي الإحداد عليها. [أحكام الغائب والمفقود, سقا, ص616]..

قال ابن رشد: "ِأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ وَاجِبٌ عَلَى النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ إِلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ". [بداية المجتهد’ ابن رشد, ج3, ص141].

إلا أن علماء المالكية تكلموا على ذلك, واختلفوا على قولين:

القول الأول: "هَلْ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إحْدَادٌ فِي الْعِدَّةِ؟ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ.. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَسَمِعَ خَبَرَهُ". [المنتقى شرح الموطأ, الباجي, ج4, ص91].

القول الثاني: "وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا.. وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ-أي ابن الماجشون- أَنَّهَا فُرْقَةٌ يَحْتَسِبُ بِهَا طَلْقَةً فَلَمْ يَجِبْ فِي الْعِدَّةِ إحْدَادٌ كَطَلَاقِ الْحَاضِرِ". [المنتقى شرح الموطأ, الباجي, ج4, ص91].

ودليل من قال لا عدة عليها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً).[البخاري, ح1221, ج1, ص430].

 قال في الفتح: "لا احداد على امرأة المفقود لأنه لم تتحقق وفاته". [فتح الباري شرح صحيح البخاري, ج9, ص486].

إذا اعتبرنا أن العدة للوفاة معنى ذلك أننا حكمنا على الزوج بالموت, وما يتعلق والعدة للوفاة, وهناك تلازم بين العدة والإحداد, فيجب عليها الإحداد في فترة العدة.

المبحث الحادي عشر: حكم بقاء الزوجة في عصمته بعد الأجل:

إن الزوجة تملك البقاء في عصمة زوجها دون أن تطلب الحكم بموته, ولها الحق باختيار البقاء في عصمته خلال مدة التربص التي يفرضها القاضي إذا ما رفعت أمرها إليه طالبة التفريق لفقدان الزوج. المقدمات الممهدات, القرطبي, ج1, ص528. قال ابن عرفة: "وَلَهَا أَنْ لَا تَرْفَعَ وَتَرْضَى بِالْمَقَامِ مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ أَمْرُهُ، أَوْ تَمُوتَ". [الشرح الكبير, ابن عرفة, ج2, ص479].

وأما في العدة أو بعدها: ففي المسألة قولان:

الأول: لا تملك حق البقاء في عصمته بعد شروعها في العدة على المعتمد في المذهب, وبعد الفراغ منها اتفاقاً.

والثاني: لها حق البقاء ما دامت في العدة. ففي الشرح الكبير: "(وَلَيْسَ لَهَا الْبَقَاءُ) أَيْ اخْتِيَارُ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ اتِّفَاقًا". [الشرح الكبير, ابن عرفة, ج2, ص480].

المبحث الثاني عشر: ميراث زوجة المفقود:

تستحق زوجة المفقود، المهر من تركة زوجها إذا ثبت وفاة زوجها أو حكم بموته بقرينة تقوم مقام البينة, وذلك بانقضاء مدة التعمير التي يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها شريطة أن ترضى البقاء في عصمته, حيث إن من أسباب الإرث النكاح. [مجمع الأنهر, شيخي زاده, ج4, ص495].

الحالات التي ترث فيها زوجة المفقود: قال الخرشي: "وَوَرِثَتْ الْأَوَّلَ إنْ قُضِيَ لَهُ بِهَا يَعْنِي أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ تَرِثُهُ إنْ قُضِيَ لَهُ بِهَا أَيْ تَرِثُهُ إنْ مَاتَ فِي حَالٍ قُضِيَ لَهُ بِهَا وَهِيَ أَحْوَالٌ أَرْبَعَةٌ:

- أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَجَلِ.

- أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ الْعِدَّةِ.

- أَوْ خَرَجَتْ وَلَمْ يَعْقِدْ الثَّانِي.

- أَوْ عَقَدَ وَلَمْ يَدْخُلْ. [شرح مختصر خليل, الخرشي محمد بن عبد الله المالكي أبو عبد الله, بيروت لبنان, دار الفكر للطباعة, الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ, ج4, ص151].

"وقال مالك: لا يقسم ميراث المفقود حتى يأتي موته أو يبلغ من الزمان ما لا يحيا إلى مثله فيقسم ميراثه من يوم يموت وذلك اليوم يقسم ميراثه قلت: أرأيت إن جاء موته بعد الأربعة أشهر وعشر من قبل أن تنكح أتورثها منه في قول مالك أم لا؟ قال: نعم ترثه عند مالك.

قلت: فإن تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر ثم جاء موته أنه مات بعد الأربعة أشهر وعشر؟ قال: إن جاء أن موته بعد نكاح الآخر وقبل أن يدخل بها هذا الثاني ورثته وفرق بينهما واستقبلت عدتها من يوم مات، وإن جاء أن موته بعد ما دخل بها زوجها الثاني لم يفرق بينهما ولا ميراث لها منه إلا أن يكون يعلم أنها قد تزوجت بعد موته في عدة منه فإنها ترثه ويفرق بينهما، وإن كان قد دخل بها لم تحل له أبدا، وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها من موته لم يفرق بينها وبين زوجها الثاني وورثت زوجها المفقود وهذا كله الذي سمعت من مالك. [المدونة الكبرى, مالك بن أنس, بيروت لبنان, دار صادر, ج2, ص32].

أما إذا تربصت المرأة أربع سنين وحكم القاضي بموت الزوج بعد هذه المدة, فهل ترث منه؟

إذا حكم القاضي بموت المفقود بعد أربع سنين, فلا أثر لهذا الحكم في قسمة ماله وتوريث الغير منه عند جمهور الفقهاء, لأنه يعد حياً في ماله حتى يبلغ سن التعمير, وعندها يقسم المال على ورثته آنذاك, خلافاً للحنبلية في المفقود في ظروف الهلاك, فقذ ذهبوا الى توريث زوجته عند الحكم بموته بعد أربع سنين. [أحكام الغائب والمفقود, سقا, ص623].

المبحث الثالث عشر: نوع الفرقة لفقد الزوج:

إِذَا لَمْ يُرْفَعِ الْمَفْقُودُ لِلْقَاضِي مِنْ قِبَل زَوْجَتِهِ أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ أَوِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي تَرِكَتِهِ، فَهُوَ حَيٌّ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ الْعُمْرَ كُلَّهُ بِالاِتِّفَاقِ. فَإِذَا رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي وَقَضَى بِمَوْتِهِ، انْقَضَتِ الزَّوْجِيَّةُ حُكْمًا مِنْ تَارِيخِ الْحُكْمِ بِالْوَفَاةِ، وَبَانَتْ زَوْجَتُهُ وَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ جَبْرًا، وَهِيَ بَيْنُونَةُ وَفَاةٍ، لاَ بَيْنُونَةُ طَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ. [الموسوعة الفقهية الكويتية, الكويت, وزارة الأوقاف, ج29, ص66].

وقال ابن الماجشون: "أَنَّهَا فُرْقَةٌ يَحْتَسِبُ بِهَا طَلْقَةً فَلَمْ يَجِبْ فِي الْعِدَّةِ إحْدَادٌ كَطَلَاقِ الْحَاضِرِ".

وعند الحنابلة فرقة لأنهم لم يشترطوا لوقوعها حكم الحاكم ولا تطليق ولي الزوج النفقود بعد اعتدادها. الجامع في الفقه الإسلامي, عبد الكريم زيدان, ج8, ص447. قال البهوتي: "وَلَا يَفْتَقِرُ الْأَمْرُ إلَى حَاكِمٍ لِيَحْكُمَ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْفُرْقَةِ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تُعْتَبَرُ لِإِبَاحَةِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْحَاكِمِ .. وَلَا يَفْتَقِرُ الْأَمْرُ إلَى طَلَاقِ وَلِيِّ زَوْجِهَا بَعْدَ اعْتِدَادِهَا .. فَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْعِدَّةُ تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ طَلَاقِ وَلَيٍّ وَلَا حَاكِمٍ. وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ أَوْ فَرَغَتْ الْمُدَّةُ نَفَذَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ). [ كشاف القناع, البهوتي, ج5, ص421-422].

المبحث الرابع عشر: نفقة زوجة المفقود مدة الأجل:

ذهب الحنفية الى وجوب النفقة للزوجة في هذه المدة, قال الزيلعي: "(وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى قَرِيبِهِ وِلَادًا وَزَوْجَتِهِ) أَيْ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى فُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وِلَادًا وَعَلَى زَوْجَتِهِ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ وَاجِبَةٌ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرُوا بِمَالِهِ أَخَذُوهُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَيَكُونُ الْقَضَاءُ إعَانَةً لَهُمْ فَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ غَيْرِ الْوِلَادِ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ لَا تَجِبُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي". [تبيين الحقائق, الزيلعي, ج3, ص111].

ووجه وجوبها أن الزوجة ما تزال خلال هذه المدة محتبسة لحقه أيضاً, وباقية في عصمته بحكم الزوجية. [أحكام الغائب والمفقود, سقا, ص667].

المبحث الخامس عشر: نفقة زوجة المفقود مدة العدة:

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه لا نفقة لها في العدة. قال الخرشي: "وَسَقَطَتْ النَّفَقَةُ فِي زَمَنِ الِاعْتِدَادِ, لِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَهُنَا إنَّمَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ وَلَوْ حَامِلًا" شرح مختصر خليل, الخرشي, ج4, ص150. وقال البهوتي: " (وَإِنْ ضَرَبَ لَهَا) أَيْ لِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ (حَاكِمٌ مُدَّةً لِلتَّرَبُّصِ) فَلَهَا فِيهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِهِ بَعْدُ، وَ (لَا) نَفَقَةَ لَهَا (فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّهُ حُكِمَ بِمَوْتِهِ بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَصَارَتْ مُعْتَدَّةً لِلْوَفَاةِ". [كشاف القناع, البهوتي, ج4, ص424].

القول الثاني: تجب لها النفقة, قال البهوتي: "لَهَا النَّفَقَةُ قَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينِ الْمَوْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَزَادَ أَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَسْقُطُ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ يُفَرِّقْ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا" كشاف القناع, البهوتي, ج4, ص424. وقال ابن قدامة: "وإن اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتبين أمره فلها النفقة ما دام حيا وينفق عليها من ماله حتى يتبين أمره لأنها محكوم لها بالزوجية فتجب لها النفقة كم لو علمت حياته فإذا تبين أنه مات أو فارقها فلها النفقة إلى يوم موته أو بينونتها منه ويرجع عليها بالباقي لأنا تبينا أنها أنفقت مال غيره أو أنفقت من ماله وهي غير زوجة له وإن رفعت أمرها إلى الحاكم فضرب لها مدة فلها النفقة في مدة التربص ومدة العدة لأن مدة التربص لم يحكم فيه بينونتها من زوجها فهي محبوسة عليه بحكم الزوجية فأشبه ما قبل المدة وأما مدة العدة فلأنها غير متيقنة بخلاف عدة الوفاة فإن موته متيقن وما بعد العدة إن تزوجت أو فرق الحاكم بينهما سقطت نفقتها لأنها أسقطتها بخروجها عن حكم نكاحه وإن لم تتزوج ولا فرق الحاكم بينهما فنفقتها باقية لأنها لم تخرج بعد من نكاحه". [المغني, ابن قدامة, ج9, ص140].

المبحث السادس عشر: سكنى زوجة المفقود مدة العدة:

اشترط المالكية شرطين ليكون لزوجة المفقود حق السكنى:

الأول: أن يكون الزوج قد دخل بها.

الثاني: أن يكون المسكن الذي تسكنه وقت موته عائداً لزوجها بملك, أو منفعة مؤفتة, أو إجارة وقد دفع أجرته قبل موته.

قال ابن عرفة: "(وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا) السُّكْنَى مُدَّةَ عِدَّتِهَا بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (إنْ دَخَلَ بِهَا) وَلَوْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً (وَالْمَسْكَنُ) الَّذِي هِيَ سَاكِنَةٌ فِيهِ وَقْتَ الْمَوْتِ (لَهُ) بِمِلْكٍ (أَوْ) إجَارَةٍ وَ (نَقَدَ كِرَاءَهُ) كُلَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَوْ نَقَدَ الْبَعْضَ فَلَهَا السُّكْنَى بِقَدْرِهِ فَقَطْ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، وَلَوْ حُكْمًا" [الشرح الكبير, ابن عرفة, ج2, ص484]..

وعند الحنفية لها السكنى لأنه لا تفريق بينها وبين زوجها الا بعد التيقن من وفاته, وبناء على ذلك لها السكنى لأنها زوجته.

المبحث السابع عشر: عودة الزوج المفقود بعد الحكم بالتفريق:

إذا عاد الزوج قبل مدة تربص الزوجة أو قبل مضي عدتها فإنها زوجته, لأن التفريق لم يقع وإنما وقع بعض مقدماته من مضي الأجل أو بعضه أو مضيه ومضي بعض العدة. [انظر: الجامع في الفقه الإسلامي, زيدان, ج8, ص457].

ولكن لو عاد المفقود بعد انتهاء مدة التربص ومدة العدة, فلهذه الحالة ثلاث صور:

الأولى: أن يعود وزوجته لم تتزوج.

الثانية: أو تزوجت ولم يدخل بها.

الثالثة: أو تزوجت ودخل بها الثاني.

أما الحالة الأولى: فإذا عاد المفقود حياً وزوجته لم تتزوج بالرغم من حكم التفريق بينها وبينه فهي زوجته بنكاحها الأول معه, أي لا تحتاج الى تجديد عقد النكاح معه.

1- ففي الفتاوى الهندية: "وَإِذَا حُكِمَ بِمَوْتِهِ اعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ .. فَإِنْ عَادَ زَوْجُهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا".  [الفتاوى الهندية, الشيخ نظام وجماعة, ج2, ص300].

2- وفي المجموع: "إذا قدم زوجها الاول قبل أن تتزوج فهى امرأته. وقال بعض أصحابنا إذا ضربت لها المدة فانقضت بطل نكاح الاول، والحق أننا انما أبحنا لها التزويج، لان الظاهر موته، فإذا بان حيا انخرم ذلك الظاهر وكان النكاح بحاله كما لو شهدت البينة بموته ثم بان حياً". [المجموع شرح المهذب, النووي, بيروت لبنان, دار الفكر, ج18, ص160].

الحالة الثانية: عودة المفقود بعد أن تزوجت زوجته وقبل الدخول بها:

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الزوج الأول أحق بها, وينقطع النكاح الثاني, قال مالك: زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ فِي الْمَفْقُودِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا الثَّانِي". المدونة, ج2, ص29.  وقال أحمد: "أما قبل الدخول فهي امرأته". المغني, ابن قدامة, ج9, ص137. وفي الفتاوى الهندية: "فَإِنْ عَادَ زَوْجُهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا". الفتاوى الهندية, الشيخ نظام وجماعة, ج2, ص300.  وفي المجموع: "فأما ان قدم بعد أن تزوجت نظرنا، فإن كان قبل الدخول بالثاني فهى زوجة الاول ترد إليه". [المجموع, النووي, ج16, ص160].

ودليلهم: "لأن النكاح إنما يصح في الظاهر دون الباطن فإذا قدم تبينا ان النكاح كان باطلاً لأنه صادف امرأة ذات زوج فكان باطلاً". [المغني, ابن قدامة, ج9, ص137].

القول الثاني: لا سبيل لزوجها الأول عليها سواء دخل بها الثاني أم لا, فهي للثاني, قَالَ مَالِكٌ: "وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَيْهَا إِذَا جَاءَ أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ .. قَالَ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فَالْعَقْدُ بِمُجَرَّدِهِ يُفِيتُهَا". [شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك, الزرقاني, ج3, ص302].

ودليلهم: لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَبَاحَ لِلْمَرْأَةِ الزَّوَاجَ مَعَ إِمْكَانِ حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَكْشِفِ الْغَيْبَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَظَنُّ.- شرح الزرقاني على موطأ مالك, ج3, ص302. ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ هَذَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ وَقَالَ: لَا يُفِيتُهَا عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا دُخُولُ الثَّانِي غَيْرَ عَالِمٍ بِحَيَاتِهِ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَثَرِ ; لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ قَلَّدْنَا فِيهَا عُمَرَ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةَ نَظَرٍ. [انظر: شرح الزرقاني, ج3, ص302, وانظر: الموطأ, مالك, ح1195].

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل" [الموطأ, مالك, ح1195].

القول الثالث: التخيير.

ذهب الحنابلة في رواية الى تخيير المفقود بين زوجته وبين الصداق, وقد أخذ الحنابلة بعموم كلام أحمد في التخيير, إلا أن الصحيح لا تخيير قبل دخول الثاني, قال ابن قدامة: " وقال القاضي: فيه رواية أخرى أنه يخير وأخذه من عموم قول أحمد: إذا تزوجت امرأته فجاء خير بين الصداق وبين امرأته, والصحيح أن عموم كلام أحمد يحمل على خاصه في رواية الأثرم وأنه لا تخيير إلا بعد الدخول فتكون زوجة الأول رواية واحدة . [المغني, ابن قدامة, ج9, ص137].

ودليلهم: القياس: كمن استحق سلعة وهي قائمة بيد المشتري، هو مخير إن شاء أن يأخذ سلعته وإن شاء أن يأخذ ثمنها. [المقدمات الممهدات, ابن رشد, ج1, ص530].

الحالة الثالثة: عودة المفقود بعد زواج زوجته والدخول بها:

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنها زوجة المفقود أحق بزوجته من الزوج الثاني, وهو قول عند الحنفية. [رد المحتار, ابن عابدين, ج4, 297].

ففي المبسوط: "وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ – عمر بن الخطاب - عَنْهُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآخَرِ، وَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَا يَقْرَبُهَا الْأَوَّلُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ الْآخَرِ وَبِهَذَا كَانَ يَأْخُذُ إبْرَاهِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ نَأْخُذُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ وَمَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ بَلْ هِيَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ} [النساء: 24] فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَرْكُهَا مَعَ الثَّانِي". [المبسوط, السرخسي, ج11, ص37].

القول الثاني: أنها زوجة الثاني, وهو قول عند الحنفية, ففي الفتاوى الهندية: "فَإِنْ عَادَ زَوْجُهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا". [الفتاوى الهندية, الشيخ نظام وجماعة, بيروت لبنان, دار الفكر, الطبعة: الثانية،1310هـ, ج2, ص300].

القول الثالث: تخيير المفقود بين زوجته وبين صداقها.

1- وفي المغني: "وإن قدم بعد دخول الثاني بها خير الأول بين أخذها فتكون زوجته بالعقد الأول وبين أخذ صداقها وتكون زوجة الثاني وهذا قول مالك لإجماع الصحابة عليه فروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قالا: إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو, رواه الجوزجاني والأثرم وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم, وقال علي ذلك في الحديث الذي رويناه, ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً فعلى هذا إن أمسكها الأول فهي زوجته بالعقد الأول والمنصوص عن أحمد أنه لا يحتاج الثاني إلى طلاق لأن نكاحه كان باطلاً في الباطن .. ويجب على الأول اعتزالها حتى تقضي عدتها من الثاني". [المغني, ابن قدامة, ج9, ص137].

2- وفي المغني: "وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثاني ولم يذكرواً لها عقداً جديداً والصحيح أنه يجب أن يستأنف لها عقداً لأننا تبينا بطلان عقده بمجيء الأول .. وقال أبو الخطاب: القياس أننا إن حكمنا بالفرقة ظاهراً وباطناً فهي امرأة الثاني ولا خيار للأول لأنها بانت منه بفرقة الحاكم فأشبه ما لو فسخ نكاحها لعسرته وإن لم نحكم بفرقته باطناً فهي امرأة الأول ولا خيار له". [المغني, ابن قدامة, ج9, ص137].

3- وفي المغني: "ومتى اختار الأول – المفقود الذي عاد - ترْكها فإنه يرجع على الثاني بصداقها – بمهرها- لقضاء الصحابة بذلك ولأنه حال بينه وبينها بعقده عليها ودخوله بها, واختلف عن أحمد فيما يرجع به فروي عنه أنه يرجع بالصداق الذي أصدقها هو, وهو اختيار أبي بكر وقول الحسن والزهري وقتادة وعلي بن المديني لقضاء علي وعثمان أنه يخير بينهما وبين الصداق الذي ساق هو .. فعلى هذا إن كان لم يدفع إليها الصداق لم يرجع بشيء, وإن كان قد دفع بعضه رجع بما دفع .. وعن أحمد: أنه يرجع عليه بالمهر الذي أصدقها الثاني, .. وهل يرجع الزوج الثاني على الزوجة بما أخذ منه؟ فيه روايتان ذكر ذلك أبو عبد الله بن حامد إحداهما: يرجع به .. والثانية: لا يرجع بها وهو أظهر لأن الصحابة لم يقضوا بالرجوع. [المغني, ابن قدامة, ج9, ص137].

القول الرابع: التخيير بين زوجته أو أن يزوجه الإمام غيرها:

قال ابن حزم: "فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا وَقَدْ تَزَوَّجَتْ - فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ صَدَاقِهَا الَّذِي أَعْطَاهَا، وَبَيْنَ أَنْ تُرَدَّ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُفْسَخَ نِكَاحُ الْآخَرِ، أَوْ يُزَوِّجُهُ الْإِمَامُ زَوْجَةً أُخْرَ". [المحلى, ابن حزم, ج9, ص317].

ودليلهم: أن امرأة فقدت زوجها في عصر عمر رضي الله عنه فأمرها عمر أن تتربص أربع سنوات, مِنْ حِينِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا وَإِلَّا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ السِّنِينَ الْأَرْبَعِ وَلَمْ تَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَزَوَّجْتِ، فقَالَ عُمَرُ: "إِنْ شِئْتَ رَدَدْنَا إِلَيْكَ امْرَأَتَكَ، وَإِنْ شِئْتَ زَوَّجْنَاكَ غَيْرَهَا". قَالَ: بَلَى، زَوَّجْنِي غَيْرَهَا". [مصنف عبد الرزاق, ح12321].

القول الخامس: تخيير المرأة بين الأول والثاني:

قال ابن مفلح: "وَجَعَلَ فِي الرَّوْضَةِ التَّخْيِيرَ الْمَذْكُورَ إلَيْهَا وَأَنَّهَا أَيُّهُمَا اخْتَارَتْهُ رَدَّتْ عَلَى الْآخَرِ مَا أَخَذَتْ مِنْهُ". [كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع, ابن مفلح,  لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي, ج9, ص252].

إقرأ ايضاً: التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج1)

إقرأ ايضاً: التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج2)




من أرشيف الموقع

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

حمَّام السبع جنيات

حمَّام السبع جنيات