بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - تحريم الزواج المدني  في الإسلام

بقلم: الدكتور الشيخ عبد الله حلاق / بوابة صيدا

هذا الزواج الذي نشأ في الغرب وكان وليد حاجة اجتماعية ملحة، حيث كانت الكنيسة وما زالت تمنع الطلاق بين الزوجين، لأي سبب من الأسباب، حتى لو وصلت الأمور بينهما إلى مستوى بعيد، في التنازع والتخاصم والنكد، ويؤدي هذا الوضع إلى ما يسمى بحياة الهجر بينهما، وفي الوقت نفسه، فإن الكنيسة تمنع الرجل من الاقتران بامرأة أخرى، على أساس أنها لا تعترف بنظام التعدد، الأمر الذي أدى بدوره إلى اتخاذ الرجل للعشيقات، واتخاذ المرأة للأخدان، وما ينتج عن ذلك من انتشار الفساد الخلقي، والاختلاط في الأنساب، وبروز ظاهرة الأطفال اللقطاء، مما أدى إلى ازدياد الفوضى في حياة الأسرة والمجتمع.

لقد طُرحت هذه القضية في الغرب، كإحدى المشاكل العويصة في حياة المجتمع الغربي،  وعملت الأنظمة العلمانية هناك، على إيجاد حل لها، من خلال الزواج المدني، الذي يقعِّد للطلاق،  ضمن الأسس التالية: 

1- لا يتم الطلاق إلا بواسطة القضاء المدني، ولأحد الأسباب المتعددة بصورة حصرية.

2- أسباب الطلاق هي واحدة للرجل والمرأة وحق طلبه هو واحد أيضاً.

3- الطلاق بالتراضي ممنوع.

4- أسباب الطلاق هي الآتية:

- إثبات الزنى، واعياً وغير مكره وبدون تحريض.

- الحكم بعقوبة شائنة ولمدة تفوق السنتين مع التنفيذ.

- الضرب المؤلم، الجرح الخطير عن قصد، تهديد الحياة بالخطر، أو إساءة معاملته إساءة شاذة دون أن يسبقها أعمال استفزاز من الآخر.

- الجنون غير القابل للشفاء.

- الهجر بدون مبرر لسنتين بدون انقطاع.

- الغياب لأكثر من خمس سنوات غيبة غير منقطعة.

إن الزواج المدني الذي اعتمد في الغرب، كان حلاً لهذه المشكلة الاجتماعية، والمسلمون في العالم عامة وفي لبنان على وجه الخصوص ليس عندهم هذه المشكلة الاجتماعية، لأن الشريعة الإسلامية قد أوجدت الحلول الشرعية، للمشاكل التي يمكن أن تطرأ على الحياة الزوجية، من خلال التالي:

1- نظام التعدد في الزواج، وحفظ كامل حقوق الزوجات المعنوية والمادية.

2- نظام الطلاق ضمن المبررات الشرعية.

3- نظام المخالعة، الذي تطلب فيه المرأة أن تخلع نفسها ضمن مبررات شرعية.

إننا نرى أن سبب المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية التي تعاني منها شعوب الغرب والشرق، هو بعدهم عن دين الله عز وجل، وعدم معرفتهم بأن الشريعة الإسلامية، بما فيها من حيوية تشريعية، تستطيع أن توجد الحلول الشرعية لكل جانب من جوانب الحياة.

وهناك الكثير من الظلم والغبن وضياع حقوق الإنسان، في طيات نظام الزواج المدني، حيث أحصى الشيخ حسام الغالي بعضها من خلال التالي: 

"أولاً: جعل الطلاق بيد المحكمة والقاضي وما يتبع ذلك من فضح للأسرار الزوجية وهتك للحرمات أمام الغرباء، الأمر الذي حفظه الإسلام بجعل الطلاق بيد الزوج {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}[ الطلاق/ 1]، لأن الرجل أقدر على ضبط عواطفه ولأنه سيتحمل تبعات الطلاق المالية من مؤخر الصداق ونفقة العدة والمهر الجديد ونفقات أخرى إذا ما رغب بالزواج مجدداً، مما يجعله الأحرص على بقاء الزوجية.

كل ذلك من دون أن يغفل جانب المرأة في حقها بطلب الطلاق عند الحاجة كرفع أمرها إلى القاضي وفق مبررات توجب التفريق حددها الشرع، أو في إباحة أن تفتدي نفسها برد المهر فيما يسمى في الشرع بالخلع {ولا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة / 239]، بل أكثر من ذلك فقد أجيز لها امتلاك حق الطلاق فيما يسمى "العصمة بيدها".

إلا أن الغريب في المشروع المقترح أنه لا يجيز الطلاق بالتراضي بين الزوجين ولا بد من كشف كل ستر أمام القاضي الذي لن يكون الأعلم قطعاً بمشاكلهما، وهو المحتاج بنظر هذا المشروع في حل مشاكله الزوجية الخاصة لقاض آخر.. فكيف يحل مشاكل الناس؟.

ثانياً:  إباحة التبني الكامل بمعنى إعطاء نسب المتبني للمتبنى مع مفاعيل ذلك من حرمة المصاهرة والتوارث وانكشاف العورات وضياع الأنساب واختلاطها. وصدق الله القائل في كتابه {وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.  ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}[ الأحزاب / 4-5] وقد حفظ الإسلام حق المتبنى - من دون إثبات النسب - إذا أراد متبنيه توريثه بإجازة الوصية حتى ثلث مال المتبني.

ثالثاً: إباحة زواج المسلمة بغير المسلم وزواج المسلم بالمشركة الأمر الذي يخالف القرآن صراحة {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن... ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة/221].. {فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة / 10]. والحكمة من هذا التحريم أن غير المسلم لا يحترم عقيدة المسلمين وقد يكره زوجته ويحد من حرية معتقدها لأن الزوج هو المسيطر غالباً في الأسرة، بخلاف ما إذا كان الزوج مسلماً والزوجة كتابية مثلاً، لأن الإسلام يحترم أهل الكتاب وهو يؤمن بجميع الأنبياء، فلا يتصور منه الطعن فيهم، لذا أباح الإسلام زواج المسلم بكتابيه فقط {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة/5].

رابعاً: تشريع بدعة الهجر بين الزوجين دون طلاق وهو أمر يسيء إلى الزوجين معاً، فالمرأة تبقى كالمعلقة فلا هي مطلقة ليحق لها الزواج ولا هي متزوجة تمارس الحياة الزوجية، الأمر الذي نهى عنه الإسلام {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} [النساء/129]. ويسيء أيضاً إلى الزوج الذي لا يمكنه التزوج خلال فترة الهجر، لأن المشروع يمنع تعدد الزوجات.. وكأنهم يدفعون الطرفين إلى اتخاذ الخليلين والخليلات في الزنا المحرم، خاصة أنهم لا يضعون حداً لأقصى الهجر، أما أقله عندهم فهو ثلاث سنوات حتى لو كان الهجر غير مبرر، وحالة الهجر هذه أقرب إلى حالة الظهار الذي يجعل المرأة أيضاً بلا طلاق وبلا زواج، وقد نهى عنه القرآن {الذين يظاهرون منكم من نسائهم...} إلى قوله {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً إن الله لعفو غفور} [المجادلة / 2].

خامساً: منع تعدد الزوجات الأمر الذي يخالف الفطرة والعقل والمنطق، والإسلام عندما أباح تعدد الزوجات {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء / 3]، شرط شروطاً عدة على الرجل كالعدل والقدرة على الإنفاق وحسن المعاشرة وغيرها. إذاً إباحة التعدد ليست مطلقة في الإسلام بل مقيدة تحصل غالباً عند الضرورة. فماذا نفعل بزوجة عاقر أو مريضة أو ما شابه وزوجها يريد الإنجاب ويريدها؟ الحل عندهم أن يطلقها لتقضي بقية حياتها مشردة وحيدة تعيسة، أو تتجه إلى الحرام أو تبحث عن عاقر أو مريض مثلها وقد لا تجد، بينما يقضي الزوج حياته في عقدة الذنب الذي ظلم فيه من يحب من أجل الإنجاب.

سادساً: ظلم المرأة بأن تمتنع عن الزواج بعد انحلال الزواج الأول (بما نسميه نحن المسـلمين بفترة العدة) حوالي السنة (عشرة أشهر) بينما لم تزد عدة المرأة في الإسلام عن أربعة أشهر وعشراً في كل الأحوال مع مراعاة خصوصيات حالة الحمل {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً‌}[ البقرة / 234] {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}[ البقرة / 228].

ثم يخالف المشروع المقترح بنوده ليجيز الزواج قبل انقضاء ثلاثماية يوم وقبل وضع الحمل بالنسبة للحامل بقرار معلل من المحكمة؟ فأين حفظ الأنساب وأين احترام رابطة زوجية قامت مع الزوج الذي توفي.. هكذا ولو بعد لحظة واحدة من الطلاق يمكن للمحكمة إجازة زواجها بآخر؟ عجيب أمرهم.

سابعاً:  اللعب بأحكام الميراث الإسلامية، فالمشروع المقترح يحيل موضوع الإرث إلى نظام كل طائفة ثم يتدخل بنظام الطائفة ليشرع لها ويجيز التوارث بين ملتين، ثم يسحب أمر النظر بالميراث من قضاة الشرع الأعلم بحدود الله إلى المحاكم المدنية.. هكذا تميع أحكام الدين ويتدخل بها من لا يعرف بها، وتترك أمور عديدة عالقة لتنفجر مستقبلاً بين الأسر المختلطة: هل يرث الآخر وفق دين المورث أو وفق دينه أو وفق من يعطيه أكثر؟

بينما أوجد الإسلام الحل، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) [متفق عليه] وقال أيضاً: (لا يتوارث أهل ملتين) [الترمذي]. ثم أباح الوصية بحدود ثلث المال،  وفي هذه الحالة يمكنه أن يوصي لزوجته غير المسلمة مثلاً أكثر مما تأخذه من ميراثه فيما لو كانت مسلمة.

ثامناً: تشريع الأولاد الذين أتوا بطريق الزنا بإثبات نسب الزنا مما يخالف نص القرآن {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون}[ النمل / 72]،  وكان الأجدر بهم إيجاد الأحكام لردع الزناة والتخفيف من هذه الحالة الاجتماعية الخطيرة بدل تشجيعهم على ذلك.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أجبروا الزوج على الاعتراف بنسب ولد يرى أن زوجته جاءت به سفاحاً وليس له شاهد إلا نفسه ولم يستطع إقناع المحكمة بدعواه الأمر الذي يجعله يعيش حياته في الشك والريبة والبغض،  بينما اختار الإسـلام أخف الضررين وأوجد الحل عن طريق الملاعنة وفسخ الزواج وإلحاق الولد بأمه وإقامة الحد على من يتهم أمه بالزنا {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم...}[ النور / 6ـ10].

تاسعاً: إجازة الزواج بالأم من الرضاعة وبين الإخوة من الرضاعة، الأمر الذي يخالف القرآن صراحة {حرمت عليكم أمهاتكم... وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء / 23]

عاشراً: الاختيارية في تطبيق هذا الزواج ويتجاهلون - لأنهم لو كانوا لا يعلمون ثم علموا لسحبوا المشروع- أنه لا يحق للمسلم أن يترك شرع ربه أو أن يكون له الخيرة في ذلك بنص القرآن {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب / 36].

فالآية اعتبرت الخيار هنا معصية وضلالاً لا يحتاج للنقاش لأنه بائن، هذا إذا ما أضفنا الآيات التي تجعل عدم التزام حكم الله ناقصاً للإيمان كقوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء / 65]، وقوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}[ النساء / 60]... [مجلة الأمان - بيروت - العدد 294 - 20/ 2/ 1998].

بعد هذا البيان الشافي والوافى، عن حقيقة الزواج المدني وأبعاده الاجتماعية المدمرة.. أرى أن استمرار طرح هذا المشروع، من خلال أعلى سلطة في الدولة [رئيس الجمهورية في الدولة اللبنانية] رغم المعارضة الواضحة والصريحة للمسلمين وعلمائهم ومراجعهم الدينية، يعني بالنسبة إليهم الأمور التالية:

1- إن هذا الطرح يعني إلغاء ما بقي للمسلمين من تشريع إسلامي يطبق في حياتهم الاجتماعية، في مجال الأحوال الشخصية.

2- إن الزواج المدني، يستهدف إلغاء تميز المسلمين في مجال حياتهم الأسرية والاجتماعية،  من أجل التمهيد لتذويبهم في مجتمع علماني.

3- إن هذا الطرح يواكب طروحات الغرب، في الإسراع في محاصرة الإسلام وإبعاده عن واقع الحياة، والتضييق على الدعوة الإسلامية على المستوى الدولي.

4- إن هذا الطرح يتماشى مع مقررات مؤتمرات إقليمية، تسعى من أجل حصار مشروع إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي.

5- إن هذا الطرح يأتي بعد خطوات سلبية تجاه المسلمين في لبنان، ابتداءً بإلغاء الإذاعات الإسلامية وعدم الترخيص لها، وانتهاءً بإلغاء الحصة الدينية في المدارس الرسمية.

6- وضمن هذا السياق، يتساءل بعض المسلمين، هل يمكن أن تطرح السلطة العليا في لبنان،  بعد حين، مشروع إلغاء المحاكم الشرعية؟!.

إن طرح الزواج المدني كان وما زال - منذ الخمسينات - يستخدم في بورصة التجاذبات السياسية في لبنان، كان كلما طرح المسلمون ضرورة إلغاء الطائفية السياسية، يُرد عليهم، لا مانع من ذلك،  ولكن بشرط تطبيق الزواج المدني! فهل الذي يطرح هو على شاكلة ما كان يطرح في الماضي؟  أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!.