بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - صيداء... اسقنا صبرا يا حبيبة؟؟! 

تمام محمد قطيش/ بوابة صيدا

من عبق التاريخ المرسوم على جدرانها الذهبيّة العتيقة، ومن رحم الجذور الممتدّة في عمق القرون، ومن تلك الأزقة التي تبث للعالم أشجان، أزمان... نرث إرثا لا نستطيع أن نفيه حقّه في أسطر قليلة لمدينة هي وليدة فينيقيا البكر التي أصبحت أمّ مدنها أيام يشوع بن نون.

مدينة تداعب رائحتها أنفك، تلك الرائحة التي تمتاز بها عن روائح المدن الأخرى، تسلب الألباب رؤياها عندما تطأ مدخلها فيلوح لك عناق فريد بين البحر والنهر والجبل يتوّج هذا المشهد تلك الخضرة اليانعة لتعطي لوحة ربانيّة زاهية..

مشاهد جذابة ترصع تلك المدينة التي جمعت بين الهدوء والحراك بعيدا عن الجماد والصخب...

قلاعها الرابضة منذ آلاف السنين، ومآذن مساجدها الشامخة القديمة والحديثة، موانئها، خاناتها، معابدها، حمّاماتها، حاراتها، زواريبها، مقاهيها.. بيوتها، شبابيكها وأبوابها، كل حجر فيها.. أهلها الذين ميّزتهم البساطة والتلقائيّة أينما حطّوا رحالهم، أهل أحيائها القديمة الباقين على عهدها، لكنتهم المميّزة التي لم تجتاحها اللهجات المهجّنة أو اللكنات المتعاقبة على المدينة... كل شيء فيها له قيمة حتى تلك الأشياء الصغيرة تصبح كبيرة لأنّها عشعشت وانغرزت حبّا في صيدا..

هي محضن المقاومة الأولى التي أورثت أبناؤها معنى المقاومة الحقّ، وهي من تزاحم على أعتابها أشاوس الرجال وأكرمهم حين قارعت الصهاينة، ورحم الشهداء التي أنجبت "جمال وبلال وسليم وعصام وبشير وأحمد ومحمود وحسن والكثيرين... "، هي ملتقى الحنان والأمن تهفو لها الجموع من الجنوب والشمال والعاصمة وتُقصد من كل حدب وصوب، وقبل ذلك كلّه هي الأبيّة العصيّة المنيعة على المغتصب مهما بلغت قوّته وبطشه وهي التي وقف أهلها منذ قرون أمام الفرس وفضّلوا الموت حرقا على السبي والأسر.

هذي هي صيداء مدينة كأنّما خلقت لتكون ملكة فتربعت على أعتاب المتوسط وخلق المتوسط لها منذ ملايين السنين لتداعب أمواجه يابستها دونما ضجر ولا ملل عساه يسقط عنها بعض ما تحمله على كاهلها دون غيرها.. هذي هي صيداء التي يحقّ لها أن تختال بغرور وهي التي كانت مادّة للشعراء والفلاسفة، هذي هي صيداء التي على فسيفسائها يرتاح التاجر والرحّالة والباحث عن الحقيقة أو الباحث عن الجمال.

مدينة رغم حرمانها تبقى رائعة،... رائعة متى ازدحمت وضجّت بأهازيج أطفالها وتنفّست بسمر كبارها.. رائعة بضجيج بائعيها وصيحاتهم وفوضويتهم، رائعة ساحرة بهيّة عند اللقاء وأروع وأغلى بكثير عند الفراق فمن يغادر صيدا أينما كانت وجهته سيجد في نفسه أنّه يغادر بعضا من روحه هناك!!!..

صيدا التي كان لها دور تاريخي في النهضة الفكريّة والفنيّة والهندسة والاقتصاد اليوم عادت واجتاحتها المآسي وأثخنتها الجراح والآلام متأرجحة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء... هي اليوم مشغولة مُنهكة تلملم أشلاءها المتناثرة بعدما باغتتها عاصفة هوجاء وهي اليوم أيضا تضمّد جراحها النازفة التي فوجئت بها!....

مدينتي إلى اليوم تحمل أوزار غيرها وتتحمّل، تُطعن في الصميم فتصبر، حق لها أن تبكي أوجاعها بعد كل ما أصابها، لكنّها جلودة رغم آلامها، ولأنّها أمّنا وملاذنا نطالبها أن صبرك اسقنا منه يا حبيبة ؟!!




من أرشيف الموقع

بين الحسن ومحمد.. جفاء

بين الحسن ومحمد.. جفاء

السيدة حنان.... إمرأة من زمن خاص

السيدة حنان.... إمرأة من زمن خاص