بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مع أيلول

بقلم سهى محمد غزاوي / بوابة صيدا

وحضر أيلول مع كل ما يحمله من حبّ! جاء مسرعاً كغيمات الخريف، خفيفاً على القلب عزيزاً على الذاكرة ومدججاً بالأمل، معه يكبر "وحيدي" عاماً ومعه تُضاف شمعة جديدة على دروب حياتي فتتفتح بها مشاعري على ورق العمر.

تشاكسني الذكريات واستفاضات الروح فتتسربل السنوات على ايقاع حبرٍ ينساب على درجات الوقت ليترجم حالة أعيشها كل سنة مع هذا الشهر...

سبعة عشر عاماً تكفّلوا بتغيير الزمن الذي ألقى بثقله على هامات أغصان الروح ليبعثرني بين كل سنة من سنواتها، أتوقف عند كل صورة لإبني أصعد معها على سلم اللحظات من الطفولة إلى المراهقة، تتداخل الألوان فيما بينها فأرى بعضها بالأسود و الأبيض معترفةً لنفسي وللمرة الأولى بأنه لم يعد طفلاً و بأنني لم أعد نفسي التي أراها في الصور القديمة، أضحك و أنا اكتشف بانني أرّختُ  جميع لحظاته وأماكنه بدءاً بغرفته مروراً بألعابه و قصصه و أصحابه، أتذكر كيف كانت "الكاميرا" دائما حاضرة لالتقاط كل حركاته حتى عندما أصبح صبياً صغيراً فأنا ككل أمّ كان يسعدني، و ما زال، مواكبة صغيري لكن الصغير كبُر، "حلمي" كما احبّ أن اسميه اشرق ماسحاً أفقي بإبتسامته التي لم تتغير وبنظرةٍ كانت وما زالت تثير قلقي...

ورث مني حبي للحياة لكنه يحبها كشابٍ مغامرٍ يطرق جميع أبوابها دون كلل غير عابئاً بالنتائج، مراهقٌ بكل ما للكلمة من معنى ويبدو بأن علي الإنتظار طويلاً كي المس ما زرعته فيه فعليه أولا وكما قالت لي صديقتي الفرنسية " ان يحيك قصته بنفسه بكل تفاصيلها فلكل شخص حكاية و ظروف و الامهات و الابناء لا يتشابهون في مراحل المراهقة "!

أوجعتني كلماتها وبتُّ في كل مرة أنظر إليه أستعيدها في رأسي "حقه في أن يحيك قصته بنفسه" حتى اكتشفت مع الوقت بأن هذه الجملة قد بلسمت بعضاً من وجعي وقلقي عليه.

فرحت به عندما أمضى معي شهراً في فرنسا تعرّف فيها عن قرب على الحضارة الاوروبية وانا تعرّفت على "وحيدي" كشابٍ صغير. احتجت بعد عودته إلى صيدا إلى ترتيب فراغات نفسي وانا أعيد صياغة السبعة عشر عاماً من جديد!

لم يكن سهلاً عليّ توديعه دون ان أبكي كي لا احرجه وأدفعه للبكاء فوقفت أراقبه من بعيد وهو يعبر الأمن العام بكل ثقة وأطلت الوقوف حتى بعدما اختفى في دهاليز المطار، انحنى قلبي على قلبه حين حضنني بقوة وقبّلني، شممته مسّدت شعره وهربت من نظراته كي لا يراني ضعيفة أمامه .

اختصرت مع صوره في عيد ميلاده عمراً كاملاً و زمناً كان في أنفاسي وزدت عليها صوراً حديثة للشاب الذي يغسل بالضوء روحي و الذي أردد إسمه "كريم" مع كل دقة قلب ورفة جفن وإحساس بالسعادة.

احتفلت بعيده على طريقتي هذا العام فبالرغم من انه بعيداً عن العين لكنه في قلبي ووجداني فهو ياسمين عمري الذي تتفتح براعمه على خافيات الغياب والذي انتظر توهج بياضه مع السنين.... كل عام و أنتَ بخير حبيبي "كريم" كل عام و أنتَ ومضة النور التي أضاءت مساحات العتمة في قلبي في  زمني الرمادي القديم وأصبحت مع الأيام شمساً تشرق يومياً في أعماقي.




من أرشيف الموقع

حدث في 23 تشرين الثاني /  نوفمبر

حدث في 23 تشرين الثاني /  نوفمبر

عبد الرحمن مصطفى الأنصاري

عبد الرحمن مصطفى الأنصاري