خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
مقالات

سهى محمد غزاوي / موقع بوابة صيدا

تشتّتُ أمام كل الإنفعالات الدفينة التي أيقظها كتاب نصحني به أحد الأصدقاء قائلا بانه يعرف مسبقاً ردة فعلي بعد قرأته، تسمّرتُ أمام القصة منذ أول الصفحات وقررت اعتزال الحياة في هذا اليوم لأعيش في ذكريات الكاتب و هو يسرد حياة مراهقته و لقاءاته اليومية مع اصدقاء الجامعة و الاحلام المبعثرة و الحرب اللبنانية التي كانت السبب في تفريق " الشلّة"، ذكريات ايقظها موت أحد الاصدقاء بمرض العصر فاستفاقت لتعيد إلى حياة الكاتب كل اللحظات الجميلة أو ربما لتعيده هو إلى الماضي ليعيش تلك الايام من جديد بنفس الاحاسيس و بنفس الغصّة ...

لم أستطع ان لا أربط أحداث الرواية بكل ما حدث و ما يحدث في لبنان فالمعضلة ذاتها كانت و لا زالت ترسم لنا طريقنا و اقدارنا، فمن شرفة المدرسة التي كنّا نطل منها على الكون راسمين أحلاماً وردية إلى كل بقاع الأرض تشتت الرفاق و الاحبة و بات لا يربطنا سوى كبسة زر من حاسوب او هاتف ولقاءات خاطفة من وقت لآخر على ارض الوطن .

اكتشفت بأن هواجسي تشبه جميع هواجس اللبنانيين ربما منذ أصبح هناك لبنانيون و بأن مشاكلنا ما زالت نفسها، أتّهم دائما " العمر" لانه يبعث فينا كل هذه المشاعر ويحثّنا على نبش الماضي فتتطاير الذاكرة شظايا تصيبني دوماً في الصميم، تستوقفني عبارات صديقتي الحميمة و هي تصّر على ان الوقت قد فات و لم يعد لدينا الكثير منه للإستمتاع بالحياة، أنهرها بشكل مستمر مدعيّة بأنه ليس لديّ نفس الشعور، أحثّها على تغيير نمط حياتها كي تغيّر من نظرتها للحياة و انا كلّي يقين بأنني لن أستطع توقيف الزمن و لن أستطع أبداً العودة إلى الوراء لأن الرجوع للخلف لن يغيّر شيئا فالواقع اللبناني و الحرب التي تحوم فوق رؤوسنا منذ ولادتنا بدل الملائكة هي قدرنا المحتوم !

تفرحني هذه اللقاءات مع رفاق الصبا و احرص على ترتيبها حين تسمح الفرص، فهي اللقاءات الوحيدة التي لا يضطر أحد منّا إلى وضع أي قناع من اقنعة الزمن و المجتمع، نتحدث فيها عن أنفسنا دون تجميل او مبالغة و لا نخجل من الإعتراف بهفواتنا، بأخطائنا وحتى نزواتنا و يملأ الضحك المكان عند سرد ايّ حادثة مرتبطة بالصفّ او المدرسة فمع هؤلاء الاصدقاء نكون أنفسنا فهم الذين عرفونا قبل أن يلوّننا العالم و بهم اكتملت مراهقتنا و معهم بقيت معظم الذكريات ...

فهمتُ احاسيس الكاتب و أنا أقرأ روايته " التائهون " و استدركت على الفور بأن في الحقيقة كلنا تائهون فبعضنا يعلق في الماضي و الآخر يتوه في المستقبل و الباقي يتأرجح بين ماضٍ وحاضر دون القدرة على الفصل بينهما ..

فهمت بأن اللبناني تائه لا محالة بين ارض يرتبط بها وأصدقاء يحنّ إليهم ومهاترات سياسية يصعب عليه العيش فيها و بين بلاد تفتح له ذراعيها لتحتضنه عوضاً عن بلده الأم، لتكون جنته الأرضية و تغرز به حباً سيتفوق على كل ما يكنّ به للبنان وللعلاقات التي استمد منها هويته يوم حلم بان هذا الوطن ممكن أن يكون مستقبله يوماً ما...

لن ألوم الغربة التي انتزعت منّي كل من أحبهم ولن اتهم "لبناننا" بالخيانة لانه خذل أمنياتنا بل سأتمسك به اكثر و سأصرّ على البقاء فيكفيني بأنني اجد نفسي في كل شارع من شوارعه وتطوف نفسي هائمة في الاماكن التي أحبها وبأن لي ذكريات جميلة هنا وهناك مع أصدقاء و احبّة عبروا يوما بين ايامي.

لا أريد ان يصبح وطني مجرد ذكرى في مخيلتي اعود إليه كلما رحل غاليا او عزيزا.

لا أريد ان يصير " لبناني" مقبرة الماضي و اللحظات.

لا أريد ان استيقظ لأجد نفسي مسنّة محاطة بأناس غرباء في بلد غريب لا يربطني به سوى جنسيّة دفعت ثمنها شبابي وأهلي وأصدقائي وجزء من روحي.

لا أريد أن اكون "تائهة " عن بلدي و نفسي ووجداني، سأتوه هنا بين بيوت و طرقات ألفتها، بين أناس أعرفهم و يعرفونني، بين جيران و عابري سبيل، بين جدران وصور عشت فيها اجمل ايام حياتي، بين عجقة بيروت وطرقات صيدا وروحي الضائعة بينهما، بين أناس نتشابه معهم في الاحلام والهويّة، بين سعادة اهلنا وهم يراقبوننا ونحن نعبر من الطفولة إلى الشباب، بين لبنانيين أتشارك معهم في نضالنا اليومي للدفاع عن حقنا في الحياة، " تائهون " ولدنا و "تائهون " ربما سنبقى لكننا لبنانيون متمسكون بما قاله محمود درويش " بأن على هذه الأرض المجبولة بالجريمة ما يستحق الحياة " ....


author

الأستاذة سهى محمد غزاوي

بوابة صيدا

مقالات ذات صلة