بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - بيني وبينكَ.... وطن !

سهى محمد غزاوي / موقع بوابة صيدا

روايتان جديدتان كانتا كفيلتين بطرح مفهوم الإنتماء وبحثّي على إعادة النظر في كثير من الامور، هي فكرة الإنتماء إلى مجتمع ودين وعادات تعودنا عليها دون ان نفكر بمضمونها وعمقها و بما يربطنا بها، "عيسى" بطل رواية "ساق البامبو" الذي تخبط بين مجتمعين متناقضين أحدهما عربي و الآخر آسيوي و "غالب" السعودي بطل رواية "القندس" والذي يعتبر نفسه قندساً تائها لم يستطع بناء سدّه الخاص حتى بعد تخطيه عمر الاربعين، بطلان طرحا امامي ربما أزمة هوية يعيشها الكثيرون ممن وقفوا على منعطفات العمر واستحضرتهم أسئلة بقيت حتى الآن بلا اجوبة تشفي فضولهم في رحلة البحث عن الذات ....

هي روايات بكل بساطة تقطر ألماً و هي رحلة غوص في البحث عن النفس والتي اعتقد بانها رحلة يعبرها كلّ مَن سنحت له الحياة بالتعرّف على مجتمعات جديدة و أجبرته على مقارنة سنوات حياته التي قضاها بين هذه المجتمعات دون ان يدري تاثير هذه المقارنة و تفاعل احاسيسه بعدها .

كل ما ياتي في ذاكرتي يربطني أكثر فأكثر بأرضٍ عشقتها و أعشقها مرارا كلما تقدمتُ في العمر و السبب بكل بساطة إنتمائي لمكان و لاناس ارتبطت أيامي بهم، أسئلة كثيرة  تتراقص أمامي أعجز عن الإجابة عنها "ماذا لو كنت تركت صيدا في بداية مشواري و بنيتُ ذاكرة أخرى في عالم آخر؟ ماذا كان سيكون شعوري و انا اعود إلى جذوري كل مرة لمجرد الزيارة هل كنتُ سأشعر بالإنتماء الذي أشعر به الآن و بكل هذا الحب لاناس أعيش بينهم وآخرين حتى لا اعرفهم و لكنني أحبهم لمجرد انهم " أبناء بلادي" ؟

كثيرون هم من غادروا الوطن و عادوا إليه أجساداً بلا روح و كانت عودتهم في كل مرة مجرد واجب لا اكثر، أفقدتهم غربتهم عنا شعورهم بالإنتماء إلينا بعدما وجدوا ذاتهم في مجتمعات يعتبرونها تشبههم ويتمنون لو أنهم منذ البداية خُلقوا و عاشوا طفولتهم هناك .

انا هنا لا ألوم احدا و لا يحق لي الحكم على أحد فأنا ادرك تماما بأن بعض الحيوات والتجارب القاسية قادرة على نزع هويتنا منّا وسحب حنيننا إلى أرض و مجتمع ترعرنا بين ربوعيهما واحببناهما بالفطرة لان ذاكرتنا تقاسمناها مع من نحبهم ومن زالوا يمضون حياتهم بدوننا بعد ان أصبحنا طيف ذكرى بالنسبة إليهم .

انا لا انكر بأن في بلاد الإغتراب تُحترم إنسانيتنا ونحصل على كل حقوقنا الحياتية والاجتماعية و هو موضوع سبق و طرحته في مقال سابق لكن هل لنجاحاتنا معنى خارج إطار الوطن؟

ما قيمة ان أحصل على أعلى الشهادات و انا لم يتسن لي مشاركة فرحة نجاجي مع من سيفرحون لي اكثر منّي و سيقدرون تعبي و مجهودي و كل ما وصلت إليه؟

ما قيمة أن أكون مشهورا في بلدٍ أنا فيه رقم و سأظل غريبا حتى لو عشت عمري عمرين فيه؟

ما قيمة ان اكون متعلما و انا لم أقوم بنقل ثقافتي وخبراتي لأبناء وطني كي ننهض سويا بوطننا ونتساعد على تخطي مصاعب الحياة يداً بيد؟

ربما تكون أسئلتي و طرحي للموضوع عاطفي إلى حد ما، لكنني أشعر بأن لا صدى لنجاحاتنا وتفوقنا أقوى من الصدى الذي يحدثه أناس يحبوننا لاننا منهم و لأننا تقاسمنا طفولتنا و مراهقتنا و نضوجنا سوياً.

التفاعل الانساني مع محيطنا هو أكثر ما ينمّي اكتشافنا لذاتنا ومصالحتنا معها وتقبلنا لمن يحيطوننا بكل تناقضاتهم و عفويتهم، ربما اكون مخطئة فمن عاش في اوطان آخرى من الممكن ان يكون قد اصبح لديه إنتماء إليها وهذا ما لن استطع فهمه لأنني لم اخض هذه التجربة، لكنني لطالما طرحت على اصدقاءٍ رحلوا عن وطننا سؤالا يفاجئهم: " هل تحلمون بالعربية؟" " هل تحلمون بأماكن طفولتكم و بوجوه تربيتم بينها ؟"

البعض منهم نسفت الغربة ذاكرتهم و آخرون أقرأ الاسى في عيونهم وأتلقى منهم جوابا يوجعني" سهى لا تفتحي جروحنا بأسئلتك ...."

روايات وأسئلة ومواضيع تجرح الذاكرة: الإنتماء، المواطنة، الحنين، الزمان والمكان، الوجوه والعمر و جدل النفس والإصرار على بوتقة الذات وأناس يعيشون بقلبين قلب يرتبط بوطن جديد ويحبه وقلب يعتصر شوقاً للوطن الام ويتمنى لو يتمكن من العودة لإستعادة حب لوطن ضاع منه في جغرافيا غريبة ...

العائلة وطن والجيران والاحبة والاصحاب وطن ومهما اختلفنا بأفكارنا وبدياناتنا وبطرق حياتنا تجمعنا أرض واحدة ومصير مشترك.

ليس سهلا ان تغترب و تغيّر لهجتك و تكسر الكلام في روحك، ليس سهلا أن يمضي عمرك وانت تفتقد فنجان القهوة الصباحي مع أهلك وتسكعاتك مع رفاق اشتقتهم دهرا ً، ليس سهلا ان تتحول كتلة من الأشواق وانت تعيش بين عالمين دون القدرة على الفصل بينهما.

أختي المغتربة وبعد كل نجاحاتها ما زالت تردد بعد ثمانية عشر عاماً " ما زلت أحنّ إلى شتاء صيدا، إلى رائحة زهر الليمون الصباحية، إلى حيينا، إلى الزمن الجميل " لسانها لسان حال كل مغترب ما زال ينتمي إلى وطنه وما زال له جذور في الارض التي انتبتته و أطلقته في عنان الفضاء، لذلك عاد " عيسى" إلى الفليبين مع انه يحمل الجنسية الكويتية لكنه لم يشعر بالإنتماء إلى وطن لم يترعرع فيه فضّل الجلوس "تحت " ساق البامبو " على الإستمتاع بأموال الكويت في مجتمع لم يعترف به، و"غالب" القندس التائه في اميركا و رغم رفضه لكل تفاصيل مجتمعه السعودي وهربه منه لم يستطع أن يحصل على سدّه الخاص بمفهوم القنادس لانه مهما فعل لم و لن ينتمي يوما لاميركا ...

"جذورنا هويتنا"  شئنا ام ابينا، مهما تغيرنا وتعلمنا و تطورنا وعاشرنا... ووطننا أهلنا واحباؤنا ومحيطنا بكل ايجابياتهم وسلبياتهم ومستقبلنا حضن وطن سنحبه مهما خذلنا والغربة غربة مهما تلونت و تبدلت، أحلام مستغانمي صدقتِ حين قلتِ: " فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها على مراحل، ولا يستكمل الوعي بها إلا بانغلاق ذلك التابوت على أسئلتك التي بقيت مفتوحة عمرا بأكمله ولن تكون هنا يومها لتعرف كم كنت غريبا قبل ذلك ولا كم ستصبح منفيا بعد الآن ؟




من أرشيف الموقع

حدث في 12 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 12 تشرين الثاني / نوفمبر

غوغل أوقفت تطبيق TRIPS

غوغل أوقفت تطبيق TRIPS