بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - إلى مَن أحبّهم...

سهى محمد غزاوي / بوابة صيدا

بدأتُ بحزم أمتعتي وأنا أفكّر ما الذي تغيير أنا أم الأيام!! لم أعرف ماذا أضع في حقائبي وقد اقترب موعد سفري، تعبت من التفكير ومن فلسفة الضجة التي تخالجني... فأنا ومنذ حددتُ تاريخ السفر في حالة وداع، اجول في شوارع صيدا دون الرغبة بالرجوع إلى منزلي فأنا لم أكن يوما قادرةً على فراقها لذا أتأمل تفاصيلها، أبنيتها بحرّها و ناسها و أسرح في هذه الدنيا الغريبة في ضواحي روحي وفي أقدارنا التي تتغيّر بلمح البصر، اليوم أبلغ ثمانية وثلاثين عاماً في ربوعها سنوات كانت كفيلة بتحويل مدينتي صيدا إلى أمي الثانية لذا لا أريد توديعها كما لا أريد توديع أمي...

تختلط عليّ الصور فأجدني في ملعب المدرسة مع "زينة "، يداي في جيوب مريولي الأزرق، نتجول ونتنشق رائحة شجر الصنوبر المبعثرة في المكان، نتخيل المستقبل نحلم بصوتٍ مرتفع نتكلم عن فرنسا ذلك الحلم البعيد ونضحك ضحكاً متواصلاً، يلمع ضوءٌ أمامي أعجز عن فتح عينّي يرعبني بوق سيارة تنتظر ورائي وقد ملّت من توقفي المفاجيء... أعود إلى مساري مكملة طريقي إلى منزلي، أرى أشجار الزيتون على جانبي الطريق ألتفت إليها فتختفي تحت الطرقات الإسفلتية وأدركُ أنني لم أرَ سوى شكل الطريق القديم إلى بيتنا، أبي وأمي ينتظراني كالعادة يتأهبان حين يسمعان رنين مفتاحي في الباب، أتحاشى نظراتهما، ألقي التحية وأمضي مسرعةً إلى غرفتي، أنادي أختي" منى" سراً وانا أوهم نفسي بأنها معي في غرفتنا التي شهدت على لحظات عمرنا سوياً، أتخيلها مستلقيةً أمامي على السرير تسخر مني وانا أوضب شنطي فهي الخبيرة في هذه الأمور  بعد ثمانية عشر سنة من الغربة تعرفني جيداً كما تعرف أنني أتمنى أخذ غرفتي معي كلما أسافر، هي التي وضبّت لي اول شنطة سفر حين لم نكن نعلم بأنني سأصبح مغتربةً مثلها وبأن والدينا سيبقيان وحيدين بعد أن تسرقنا الغربة منهما .

ألملم أغراضي و لا أعرف كيف سأنقل عمراً بأكمله معي، لم أغيير رأي بفكرة الإغتراب و ما زلت متمسكة بقناعاتي لكن قلبي غلبني وشريك روحي بإنتظاري وأنا أنثى عاشقة للبدايات فكل بداية بالنسبة إلي هي بمثابة رواية جديدة تعادل حياة بأكملها ونعمة أخرى يكرمني ربي بها لذلك أعتبر سفري روايتي الطويلة الجديدة .

أحاول التركيز و أبرم عبثاً في المنزل ثم أعود إلى كنبتي لأستمع إلى الموسيقى التي أحبَها، ما يخفف عني وطأة السفر كثرة وسائل الإتصالات لكن هذه الوسائل لن يمكنها نقلي لأشرب القهوة ليلا كعادتي كلما اشتقتُ لـ "ديانا"، صديقتي الحميمة و مرآتي التي أتكلم معها كأنني أتكلم مع نفسي، لن تحضر لي "فرح ومي و أيا ومهيبة و مروة " على ظهر غيمة كلما انتابتني وعكة إحباط و لن تساعدني على حضن إبني"كريم" وشمّ رائحته كلما شعرت بوجعٍ في قلبي! فهنا أمارس أمومتي التي سُلبت مني بغصّة وهناك سيكون لدي ما أقنع نفسي به و ألقي عليه سبب بعدي عن "وحيدي"، وحدها الغربة التي سألومها و لا أدري إن كنتُ سأعود لأشكرها بعد ذلك فربما ستكون السبب في مساعدتي على صنع مستقبل أفضل له، أتخبط بين هنا وهناك فأهاتف إبني كلّ يوم، أمرّ لأراه لأقبّله لأشبع منه و لأغذي روحي برؤية شبيهي يصبح رجلاً صغيراً قادراً على تقبّل كل المتغيرات التي تحصل في حياته على أملٍ أهمسه دائما له كلما حضنته: "لا تحزن حبيبي فالقادم أجمل، إن الله معنا".

سأرضخ لجاذبية السماء وللمسات القدر فذاكرتي مخبئي، أحتفظ بدموعي للفرح الذي ينتظرني أهديء أخي"سليمان " الذي يتصل بي كل يوم قلقاً عليّ أعبّر له عن مدى سعادتي وعن تفاؤلي بحياتي القادمة لكنني ضعفتُ أمام دموع عمتي "بدرية"! انسلخ جزءاً مني حين ودعتها، عدت إلى الوراء حين حضنتها تذكرت كلماتها هي و"هنادي"، هما من أعاداني لعالم القراءة حين كنتُ في قمة انكساري هما مَن آمانا بي حين كنت أتلاشى في ظل الأيام، انسحبتُ من لحظة وداع مؤلمة مع عمتي التي أمضت عمرها وهي تمدني بالأمل وتعزز لي ثقتي بنفسي فهي من أهم الأشخاص الذين لهم فضل عليّ في نجاحي فوجودها بجانبي في كل المحن ساعدني على محو كل أحزاني، فقد تعلمت منها كيف أناضل كيف أصمد وكيف أتمسك بالحياة... لستُ حزينة لكن يعزّ علي فراق مَن أحبهم يعزّ عليّ أن أفرح بعيداً عنهم وهم من شاركوني أوجاعي وأحزاني بحبّهم لي من احتضنونني عندما ضاقت بي الدنيا لكنني سأحمل هذا الحب في وجداني كما سأحمل أيقونة عمري "كريم " سأغلفهم بحنان أبي الأبدي ودعوات أمي لي بالسعادة  التي لم تنقطع يوماً... سأسافر و انا على يقينٍ بأن لي مكان هنا محفور في قلوب مَن أحبهم ومن سيستقبلونني مدى العمر بالفرحة ذاتها مَن بسببهم أسافر سعيدة.

أحمل حقائبي و أمضي متوكّلة، أنظر إلى سماء وطني لأودعها فمن رحمها ولد حلمي الجميل، وجه حسام "رحمه الله " ينظر إليّ  أسمع صدى جملته القديمة يعود إليّ من كهوف الذاكرة: "سوسو ما تطولي اشتقنا "، لا تنتظرني يا حسام لا تنتظرني " أنا مطولة ..."

إلى مَن أحبهم اهدوني اشواقكم

قبلاتي ...




من أرشيف الموقع

ولتستبين سبيل المجرمين (2)

ولتستبين سبيل المجرمين (2)

صحتك وجمالك بعد سن الأربعين

صحتك وجمالك بعد سن الأربعين

عدتَ إلى أصلك

عدتَ إلى أصلك