بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة(ج2) : الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

المبحث: الخامس: أقوال المذاهب في المدة التي يحكم فيها بموت المفقود:

المذهب الحنفي:

1- قال الغنيمي: " (فإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته), لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر منها، قال في التصحيح: قال الإمام الإسبيجاني: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وذكر محمد في الأصل موت الأقران، وهو ظاهر المذهب، وهكذا في الهداية، قال في الذخيرة: ويشترط جميع الأقران، فما بقي واحد من أقرانه لا يحكم بموته، ثم إن بعض مشايخنا قالوا: يعتبر موت أقرانه من جميع البلدان، وقال بعضهم: أقرانه من أهل بلده؛ قال شيخ الإسلام جواهر زاده: وهذا القول أصح، قال الشيخ محمد بن حامد: قدره بتسعين سنة، وعليه الفتوى، وهكذا مشى الإمام برهان الأئمة المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة. اهـ". [اللباب في شرح الكتاب, الغنيمي الميداني, ج2, ص215].

والفتوى على قول مالك للضرورة, قال ابن عابدين: "(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ تَعْتَدُّ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَمَذْهَبُهُمَا كَمَذْهَبِنَا فِي التَّقْدِيرِ بِتِسْعِينَ سَنَةً، أَوْ الرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ إنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى حَالِهِ الْهَلَاكُ كَمَنْ فُقِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَوْ فِي مَرْكَبٍ قَدْ انْكَسَرَ أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ قَرِيبَةٍ فَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَهَذَا بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ يُقْسَمُ مَالُهُ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِسِيَاحَةٍ فَإِنَّهُ يُفَوَّضُ لِلْحَاكِمِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَفِي أُخْرَى يُقَدَّرُ بِتِسْعِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ كَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ الشِّحْنَةِ، لَكِنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى النَّاظِمِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْحَنَفِيِّ إلَى ذَلِكَ أَيْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا فَحَذْفُهُ أَوْلَى. وَقَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: لَيْسَ بِأَوْلَى، لِقَوْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ: لَوْ أَفْتَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مَا أَظُنُّ اهـ". [رد المحتار على الدر المختار, ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي, بيروت لبنان, دار الفكر, الطبعة: الثانية، 1412هـ- 1992م, ج4, ص295].

2- وقال ابن عابدين: "وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مَا جَاءَ إلَّا مِنْ اخْتِلَافِ الرَّأْيِ فِي أَنَّ الْغَالِبَ هَذَا فِي الطُّولِ أَوْ مُطْلَقًا اهـ (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الزَّيْلَعِيُّ تَفْوِيضَهُ لِلْإِمَامِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَأَيُّ وَقْتٍ رَأَى الْمَصْلَحَةَ حَكَمَ بِمَوْتِهِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الْيَنَابِيعِ: قِيلَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: جَعَلَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ. اهـ. [رد المحتار, ابن عابدين, ج4, ص297].

"وَفِي التَّبْيِينِ هُوَ الْمُخْتَارُ (وَقِيلَ تِسْعُونَ سَنَةً) مِنْ وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْحَيَاةَ بَعْدَهَا نَادِرَةٌ فِي زَمَانِنَا وَلَا عِبْرَةَ لِلنَّادِرِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى". [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر, شيخي, ج1, ص713].

"وَعَنْ الْإِمَامِ ثَلَاثُونَ سَنَةً". [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر, شيخي زاده, ج1, ص713].

مذهب المالكية:

1- "رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا يَعْمُرُونَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةٍ عَنْ مَالِكٍ ثَمَانِينَ سَنَةً وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ تِسْعِينَ سَنَةً وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُعَمِّرُ أَعْمَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ التَّعْمِيرُ فِي الْمَفْقُودِ مِنْ السَّبْعِينَ إلَى الْمِائَةِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْمِائَةُ كَثِيرٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ السَّبْعِينَ هِيَ نِهَايَةُ الْعُمْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ النَّادِرُ". [المنتقى شرح الموطإ, الباجي, ج6, ص166].

2- فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِينَ. [منح الجليل شرح مختصر خليل, عليش, ج4, ص318].

 وقال ابنُ رَزِينٍ: يَحْتَمِلُ عندِي أنْ يُنْتَظَرَ به أرْبعُ سِنِين؛ لقَضاءِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عنه، بذلك. [انظر: حاشية الدسوقي, ج2, ص483].

3- وفي الفقد بين المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر. [مختصر خليل في فقه إمام دار الهجرة, خليل بن إسحاق, ص158].

مذهب الشافعية:

1- " وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حَكَمَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [مغني المحتاج, الشربيني, ج6, ص308]. وفي روضة الطالبين: "وَإِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ مَوْتُهُ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، ثُمَّ تَعْتَدُّ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، ثُمَّ تَنْكِحُ". [روضة الطالبين وعمدة المفتين, النووي, ج8, ص400].

2- وفي مغني المحتاج: "وَمَنْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ وَلَهُ مَالٌ وَأُرِيدَ الْإِرْثُ مِنْهُ تُرِكَ مَالُهُ وَلَا يُقْسَمُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُعْلَمُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَفْقُودَ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا. تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ لَا تَتَقَدَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ مُقَدَّرَةٌ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ بِثَمَانِينَ، وَقِيلَ بِتِسْعِينَ، وَقِيلَ بِمِائَةٍ، وَقِيلَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهَا الْعُمْرُ الطَّبِيعِيُّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَكْفِي مُضِيُّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِمَوْتِهِ". [مغني المحتاج, الشربيني, ج4, ص48].

مذهب الحنابلة:

1- وفي الإنصاف: "وإذا انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة كالتجارة ونحوها انتظرته تمام تسعين سنة من يوم ولد, هذا المذهب نص عليه، و صححه في المذهب وغيره.. وعنه ينتظر أبداً. فعليها يجتهد الحاكم فيه كغيبة ابن تسعين ذكره في الترغيب... وإن كان ظاهرها السلامة ولم يثبت موته بقيت زوجته ما رأى الحاكم ثم تعتد للوفاة.. وعنه تنتظر زمنا لا يعيش مثله غالباً اختاره أبو بكر وغيره. وقال ابن عقيل تنتظر مائة وعشرين سنة من يوم ولد. وقال ابن رزين يحتمل عندي أن ينتظر به أربع سنين لقضاء عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بذلك". [الإنصاف للمرداوي, ج7, ص250. وانظر: كشاف القناع عن متن الإقناع, البهوتي, ص465].

2- وفي المغني: "وَلَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ، قُسِّمَ مَالُهُ، وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .. مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ هَلَاكَهُ، كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ سِيَاحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتُهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ مِثْلَهَا، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ .. لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ. وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُنْتَظَرُ بِهِ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ. وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ وَالسِّتِّينَ). أَوْ كَمَا قَالَ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَأَشْبَهَ التِّسْعِينَ". [المغني, ابن قدامة المقدسي, ج6, ص389].

المبحث السادس: الحكم بموت المفقود بانتهاء المدة:

إذا مضى الأجل المحدد لعودة المفقود حتى يحكم بموته دون أن يعود, ولم يظهر له خبر, فهل يعد المفقود ميتاً بانتهائه أم أن موته يتوقف على حكم قضائي؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: إن مضي المدة لا تكفي للحكم عليه بالموت, بل لا بد من حكم القاضي, قال ابن عابدين: " (قَوْلُهُ: بِقَضَاءٍ إلَخْ) هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِي الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فَتُعْتَدُّ عُرْسُهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ نَجْمُ الْأَئِمَّةِ الْقَاضِي عَبْدُ الرَّحِيمِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. اهـ. وَمَا قَالَهُ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ مُوَافِقٌ لِلْمُتُونِ سَائِحَانِيٌّ. قُلْت: لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ الثَّانِي. ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ الْوَاقِعَاتِ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ هَذَا أَيْ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ تَفْوِيضِ مَوْتِهِ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بِقَضَاءٍ". [رد المحتار, ابن عابدين, ج4, ص297].

القول الثاني: لا يتوقف موت المفقود على صدور حكم قضائي, وهو أحد أقوال الحنفية كما سبق [رد المحتار, ابن عابدين, ج4, ص297]. فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا وَتَقَدُّرِهَا، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا بِوَفَاتِهِ أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ حُكْمٌ بِالْمَوْتِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ التَّقْدِيرِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهَا مُعَاوَدَةُ الْحَاكِمِ وَصَارَتْ دَاخِلَةً فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَإِذَا اقْتَضَتْ عِدَّتَهَا حَلَّتْ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ حُكْمًا بِالْمَوْتِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا حَتَّى يَحْكُمَ لَهَا الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَأْنَفَ حُكْمَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ". [الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني, الماوردي, ج11, ص318].

المبحث السابع: تاريخ الحكم بموت المفقود:

القول الأول: حدد لموت المفقود تاريخاً واحداً, هو ساعة صدور الحكم بموته, جاء في المغني: "(وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فَلَا يُورَثُ إلَّا بِيَقِينٍ. أَمَّا عِنْدَ الْبَيِّنَةِ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مَعَ الْحُكْمِ فَلِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ" [مغني المحتاج, الشربيني, ج4, ص48].

قال ابن نجيم: "(قَوْلُهُ وَتَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ وَوُرِثَ مِنْهُ حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ) أَيْ حِينَ حُكِمَ بِمَوْتِهِ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالظَّرْفُ قَيْدٌ لِلْحُكْمَيْنِ كَأَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ مُعَايَنَةً إذْ الْحُكْمِيُّ مُعْتَبَرٌ بِالْحَقِيقِيِّ". [البحر الرائق, ابن نجيم, ج5, ص178].

القول الثاني: هو ثبوت حكم الموت من حين فقده, قال المرداوي: "وَهَلْ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَعْدُومِ مِنْ حِينِ فَقْدِهِ، أَوْ لَا تَثْبُتُ إلَّا مِنْ حِينِ إبَاحَةِ أَزْوَاجِهِ، وَقِسْمَةِ مَالِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ". [الإنصاف, المرداوي, ج7, 339].

الفصل الثاني: أحكام المفقود المتعلقة بزوجته.

المبحث الأول: بيان سبب اختلاف العلماء في تحديد مدة التربص:

قال ابن رشد: "وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ يُوجِبُ أَنْ لَا تَنْحَلَّ عِصْمَةٌ إِلَّا بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ تَشْبِيهُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا مِنْ غَيْبَتِهِ بِالْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ، فَيَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا يَكُونُ فِي هَذَيْنِ". [بداية المجتهد ونهاية المقتصد, ابن رشد, ج3, ص75].

المبحث الثاني: أدلة الفقهاء على تحديد مدة التفريق بين الزوجين:

سبق وبينا أن العلماء اختلفوا في تحديد المدة التي يحق للمرأة أن تثبت حق التفريق بينها وبين زوجها, ونستطيع أن نحصر الآراء في قولين:

القول الأول: لا يفرق بين المرأة وزوجها ولا ينحل عقد الزواج الا بثبوت موته أو طلاقه, أو يحكم القاضي بموته بعد مضي المدة المحددة لذلك, على الخلاف السابق.

استدل هؤلاء العلماء بالسنة والنبوية والآثار والمعقول:

أما السنة:

1- عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ). [السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي, البيهقي, ج7, ص445, والدارقطني, خ255, ج3. ص312].

وجه الدلالة: (قوله: حتى يأتيها البيان): وهذا يدل على وجوب بقائها في عصمته, وأن لا يفرق بينهما حتى يتبين موته أو طلاقه لها, ولو كان التفريق جائزاً بعد مضي مدة معينة لحدد ذلك في الحديث. [أحكام الغائب والمفقود في الفقه الإسلامي, عبد المنعم سقا, بيروت لبنان, دار النوادر, الطبعة: الثانية, 1432هـ-2011م, ص564].

والجواب على الحديث: أنه: "وَسُئِلَ أَبُو حَاتِم عَنهُ فَقَالَ مُنكر وَفِي إِسْنَاده سوار ابْن مُصعب عَن مُحَمَّد بن شُرَحْبِيل وهما مَتْرُوكَانِ". [الدراية في تخريج أحاديث الهداية, ابن حجر, ج2, ص143]. وقال ابن الملقن: "رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف بِمرَّة قَالَ أَبُو حَاتِم حَدِيث مُنكر وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ لَا يحْتَج بِهِ". [خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي, ابن الملقن, ج2, ص240].

وأما الآثار:

1- عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: "هِيَ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ، أَوْ طَلَاقٌ". [السنن الكبرى, البيهقي, ح12232 , ج6, ص158, مصنف عبد الرزاق, ح12330, ج7, ص90].

2- عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَلَوَّمُ وَتَصَبَّرُ. [السنن الكبرى, البيهقي, ح15972, ج7, ص444].

3- عن بن جريج قال بلغني أن بن مسعود وافق عليا على أنها تنتظره ابدا. [مصنف عبد الرزاق, ح 12333, ج7, ص90].

وأما القياس:

وَلِأَنَّهُ لَوْ غَابَتِ الزَّوْجَةُ حَتَّى خَفِيَ خَبَرُهَا لَمْ يُجْزِهَا أَنْ يُحْكَمَ بِمَوْتِهَا فِي إِبَاحَةِ أُخْتِهَا لِزَوْجِهَا، وَنِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا. [الحاوي الكبير, الماوردي, ج11, ص317].

المعقول:

إن النكاح بين المفقود وزوجته ثابت بيقين بدلالة استصحاب الحال, والغيبة لا توجب الفرقة, وإنما يوجبها وفاته, وموت المفقود أمر محتمل يعتريه الشك, واليقين لا يزول بالشك. [أحكام المفقود, السقا, ص566, انظر: بدائع الصنائع, الكاساني, ج6, ص196, والبحر الرائق, ابن نجيم, ج5, ص178].

القول الثاني: تتربص زوجة المفقود أربع سنين, ثم تعتد عدة الوفاة وتتزوج.

استدل أصحاب هذا القول: بالقرآن والآثار وإجماع والقياس والمعقول:

أما القرآن:

فقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}. [البقرة الآية231].

وجه الدلالة: وَفِي حَبْسِهَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إِضْرَارٌ وَعُدْوَانٌ. [الحاوي الكبير, الماوردي, ج11, ص316].

وأما الآثار:

1- عن ابن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً بعد ذلك ثم تزوج فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرأته. [مصنف عبد الرزاق, ح12317, ج9, ص85].

2- وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحل. قال مالك وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها, قال مالك: وذلك الأمر عندنا وإن أدركها زوجها قبل ان تتزوج فهو أحق بها قال مالك وأدركت الناس ينكرون الذي قال بعض الناس على عمر بن الخطاب انه قال يخير زوجها الأول إذا جاء في صداقها أو في امرأته".

3- وعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَذَاكَرَا امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ فَقَالاَ تَرَبَّصُ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ. [الموطأ, مالك بن أنس, ح1195, ج2, ص575].

ظهر من هذه الآثار أن زوجة المفقود تنتظر أربع سنين ثم تعتد وتتزوج غيره ما دامت تريذ حل عقد الزواج.

وأما الإجماع:

لما حكم أمير المؤمنين عمر وبعض الصحابة رضي الله عنهم بأن زوجة المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد, وذلك بمحضر من الصحابة وموافقة ضمنية منهم حيث لم ينكر أحد عليهم, قال ابن قدامة: "وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي الْمَفْقُودِ، مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ، وَتَرْكِهِمْ إنْكَارَهُ". [المغني, ابن قدامة, ص8, ص131].

وأما القياس:

القياس على العنة - فَهُوَ من لَا يَصِلُ إلَى النِّسَاءِ مع قِيَامِ الْآلَةِ لِمَرَضٍ بِهِ. [انظر: البحر الرائق, ابن نجيم, ج3, ص133]

والإيلاء- وَفِي الشَّرْعِ: الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، وَقِيلَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُكْسِبِ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ. [الاختيار لتعليل المختار, ابن مودود, م, ج3, ص151]

والإعسار للنفقة, قال القاضي عبد الوهاب: "ولأنه لما كان الخيار ثابتاً لها في الفرقة مع العنّة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة، كان في مسألتنا الجامعة لفقد كل ذلك أولى". [الإشراف على نكت مسائل الخلاف, القاضي عبد الوهاب, ج1, ص361].

إقرأ ايضاً: التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج1)

إقرأ ايضاً: التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج3)




من أرشيف الموقع

إني على الموعد

إني على الموعد

حدث في 22 نيسان / ابريل

حدث في 22 نيسان / ابريل

إن الحجاب حجاب القلب

إن الحجاب حجاب القلب