بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - عبد الباسط ترجمان في لقاء خاص مع الشيخ فؤاد سعد

أجرى المقابلة عبد الباسط ترجمان / خاص بوابة صيدا

أصل العائلة: سعد أبو راضي المصري

جاء سعيد أبو راضي المصري مع حملة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا حاكم مصر.

وبعد انتهاء الحملة استوطن في صيدا واشترى بستاناً وعاش فيه ولم نعرف شيئاً عن زوجته، كل ما نعرفه أنه خلف ولداً سماه سليم، هو والد خمسة أولاد بنت وأربعة شباب.

تزوج سليم جد عائلة سعد المصري من فتاة من آل كاعين من قرية الغازية، واشترى بستاناً على الطريق الساحلي العام.

أولاد سليم: الزهراء، ومصطفى والد نائب صيدا الأستاذ معروف سعد، وسعدو والد سهيل سعد، ومحي الدين والد معروف ورشيد الذي سافر إلى  أمريكا وعاش فيها مع عائلته وتوفي فيها، وحسن والد صاحب هذه السيرة.

في أواخر سنة 1952م، سافر معروف سعد إلى مصر لتهنئة الرئيس جمال عبد الناصر، وبدأ يبحث عن عائلته في مصر، واستطاع أن يتعرف على ثلاثة أماكن مهمة في القاهرة يقيم فيها أبناء أبو راضي، ألا وهي الدقي والزمالك والزيتون.

عندما توجهتُ إلى مصر في أوائل سنة 1953م طلب مني معروف أن أبحث عن جذور العائلة.

ذهبت بصحبة الدكتور سامي النوال ابن كاتب عدل صيدا إلى الأماكن التي حددها لي معروف سعد، ولكن تبين لي أن الرئيس محمد نجيب كان يسكن في فيلا في منطقة الزيتون فلم نستطع الاقتراب أو التعرف على أحد فيها.

ثم توجهنا إلى منطقة الدقي واستطعنا أن نتعرف على منزل راضي أبو سيف راضي الذي كان يُقيم مقابل منزل رئيس وزراء مصر عفيف النحاس باشا، ولكن لم نستطع مقابلته لوجوده خارج مصر.

ثم توجهنا إلى منطقة الزمالك وتعرفنا إلى منزل عبد الحليم أبو سيف راضي، فقابلنا شاب من العائلة، ولم يكترث بنا، وأخبرنا بأن صاحب البيت ليس موجوداً.

هذه خلاصة الاتصالات، مما جعلني أتوقف عن متابعة مهمة التعرف، لاعتقادي أن هذه الأسرة ذات منصب اجتماعي كبير وكأنهم لا يهمهم التعرف على من سواهم.

صاحب السيرة

ولدتُ في صيدا من أبوين لبنانيين، حسن سليم سعد الدين المصري وزينب كاظم.

الوالد سني المذهب والوالدة شيعية المذهب، ولم أسمع أو أرى أي تعصب منهما، كانا يعيشان كمسلمين لا يفرقان بين مذهب والآخر، وهذا ما تربيت عليه ولا زلت كذلك.

كان والدي يعمل في البستان الذي ورثه عن والده سليم، وكان يعمل ليل نهار حتى يؤمن قوت عائلته المكونة من سبعة عشر ولداً، توفي منهم عشرة أولاد وهم صغار، وبقي منهم سبعة خمسة ذكور وفتاتين.

توفي أخي الكبير سليم عند دخول الإنكليز إلى لبنان سنة 1942م، وبقينا في حياتهما ستة، ثم توفي الوالد عام 1982م، ولحقت به الوالدة سنة 1984م، ثم توفيت الشقيقتان الواحدة بعد الأخرى وبقي الشباب فؤاد وشفيق وحليم وصلاح.

عاش صاحب السيرة في البستان متحرراً من كل قيد، عند بلوغه الخامسة من عمره أعده والده للذهاب إلى المدرسة التي كانت تبعد عن البيت أكثر من 2000م ( 2 كلم) وكان والده يأخذه إلى المدرسة على حمار ثم يعود إلى البيت على الحمار.

وبعد بلوغه الثامنة كان يذهب ماشياً على قدميه مع أولاد الجيران واستمر على هذه الحال حتى كاد أن ينهي دراسته الابتدائية ولكن وقعت الحرب عام 1939م.

بما أن الوضع الاقتصادي اشتد سوءً فقد أخذ صاحب السيرة يعمل بائعاً للفواكه لجنود الاحتلال، ثم عمل في إحدى المحطات التي أنشأها الإنكليز بين السهول التي كانت على أطراف الغازية من الناحية الشمالية بالقرب من المستشفى الكبير في عين الحلوة، والذي أصبح اليوم مأوى للاجئين الفلسطينين المسمى اليوم بمخيم عين الحلوة.

بدأت أعمل مع الطهاة الإنكليز، إلا أن وقعت مقلاة اللحم على قدمي فأحرقتها، مما اقتضى إدخالي المستشفى الوحيد في منطقة البرغوت في صيدا، وبقيت أكثر من شهر وأنا أُعالج من الحروق، وكان الإنكليز يزورونني كثيراً.

بعد شفائي عدتُ إلى المدرسة وبدأتُ أجد وأجتهد حتى أعوض السنتين اللتين قضيتهما خارج المدرسة.

أتممتُ المرحلة الإبتدائية ثم التكميلية، ثم تابعتُ في كلية المقاصد الإسلامية في صيدا، وهي المدرسة الوحيدة التي تستقبل الطلبة بعد المرحلة التكميلية في الجنوب.

وبما أن الوضع الإقتصادي كان سيئاً، لذلك عُينتُ وكيلاً للمعلم في قرية الزرارية، وذلك قبل إنهاء برنامج البكالوريا اللبنانية.

وبما أنني كنتُ أحب مهنة التعليم، كنتُ لا أتقيد بساعات الدوام، بل كنتُ أبذل أقصى ما عندي من طاقة لتعليم الطلاب، وكانوا ذكوراً وإناثاً فوق سن الثانية عشر ولذلك كنتُ أعلمهم برنامج وزارة التربية مع أمور اجتماعية وتربوية واقتصادية، حيث كان الطلاب يساعدون أهلهم في أوقات الفراغ في جني الحطب والبقول التي كانت في الحقول والروابي والجبال، كذلك كانت القرية بدائية، يأتي الطلاب إلى المدرسة وقد امتلأت أحذيتهم وثيابهم بالأوحال.

بدأت أتعاون مع شباب القرية والطلاب والطالبات بترصيف الشوارع الرئيسية الموصلة إلى المدرسة، وقد كان لهذا العمل أثره البليغ عند القرويين.

وبما أن القرية بلا ماء ولا كهرباء، فكانوا يستعملون السراج المضاء بزيت الزيتون، ويأتون بالماء على الدواب حملاً على الرؤوس من الينابيع القريبة من القرية، وكان الطلاب والطالبات الكبار يشاركون بمساعدة أهلهم لجلب الماء والحطب وأنواع البقول.

هذا العمل الذي لم يسبقني إليه أحد ساعدني عندما تركتُ  القرية، وأخذتُ من مسؤولي القرية وخاصة مختار القرية تقارير عن ما قمتُ به في القرية، وكان لهذه التقارير الفضل الأول في اختياري مبعوثاً من قبل وزارة التربية الوطنية إلى مركز التربية التابع لهيئة اليونيسكو في مصر.

والسبب في معرفة هذا المركز الدولي في مصر، أنني كنتُ مبعوثاً من قبل دائرة أوقاف صيدا إلى جامعة الأزهر في مصر، وهناك تعرفتُ على أهمية المركز في العمل الاجتماعي، فكنتُ في السنة الثانية في كلية أصول الدين في الأزهر وهي كلية الفلسفة، وكنتُ أبذل أقصى الجهد لأوفق بين الدراستين حتى لا أرسب، وقد وفقني الله بالنجاح من المركز الدولي حتى حصلتُ على دبلوم اخصائي في التربية الأساسية العالمية، وبعد انتهاء الدراسة أقام المركز للخريجين رحلات إلى أنحاء العالم العربي، فكان نصيبي مع نخبة من المبعوثين رحلة إلى السودان في عهد رئيس وزراء السودان إسماعيل زهري، وكانت رحلة شيقة من العمر.

انتقلنا من القاهرة إلى أسوان بالقطار، ومن أسوان في بحيرة ناصر إلى أم درمان في السودان في باخرة نيلية من الدرجة الأولى، وكانت الباخرة تسير بنا في البحيرة بين أشجار النخيل الشاهقة، التي كانت مغمورة بالمياه حتى أول سعفها، إنه منظر رائع حقاً للغاية.

والذي جعلنا نحكم على أن الباخرة من الدرجة الأولى أننا عندما دخلنا غرفة الطعام فوجئنا بعدد الصحون والمعالق والشوك التي لم يكن لأحد من المبعوثين معرفة في استعمال كل نوع منها في الطعام لذلك كنا نتساءل هذه الأنواع لنا أن نستعملها حتى لفتنا نظر الخدم، فساعدونا في استعمالها بعد وضع الطعام أمامنا حتى اضطر الخدم تخفيف الأدوات التي أمامنا.

بعد وصولنا إلى المرفأ في أم درمان ركبنا القطار من الدرجة الأولى لمدة يومين حتى وصلنا إلى الخرطوم وأعجب ما رأيته في أم درمان إمرأة أمامها " مقتاي " يزيد طولها على المتر وسمكها انش ونصف.

كانت المرأة تقطعها قطعاً صعيرة وتبيعها، ولا تستغرب أيها القارئ ذلك، فقد طعمتها فكانت طيبة جداً، من هذا الحدث العارض أدركت وعلمتُ أن أرض السودان بمائها وهوائها وشمسها من أخصب بلاد العرب.

والحقيقة كنا ضيوف الحكومة السودانية، بحيث كانت سيارات الدولة تنتقل بنا من مكان إلى آخر لتعرفنا بمعالم السودان وعندي من الصور التذكارية الكثير.

بعد رحلة السودان توجه ركب المبعوثين إلى العراق، وكان ذلك في عهد رئيس وزراء العراق نور السعيد والملك فيصل الأول، ولم تكن رحلة العراق أقل جمالاً من رحلة السودان، حيث تنقلنا براً من لبنان إلى سوريا وسارت بنا القافلة في صحراء سوريا والعراق، وكان لجمال الصحراء الممتدة على أبعاد من كل الاتجاهات رؤية الجمال والأغنام  والماعز التي كانت تتحرك على الوهاد بين واحات خضراء و واحات قفراء ذات ألوان وألوان مما يثير الإعجاب، حيث لا نرى مدناً ولا قرى، ولكن تلال ووهاد على مد البصر أجمل ما فيها المناطق المخضرة بين الرمال الحارقة وقطعان الأنعام التي كانت تملأ هذه المناطق الخضراء وكان العجب من أين جاءت هذه القطعان فلم نكن نشاهد الأماكن التي جاءت منها، ويعني ذلك أن هذه القطعان تأتي إلى هذه الواحات في أوقات يعلم أصحابها بوجود هذه الخضرة فتأتيها من مسافات بعيدة  فترتع وتأكل وتبقى فيها حتى تكاد تنضب الخضرة فيها فتعود من حيث أتت.

وعندما وصلنا إلى بغداد استقبلتنا البعثة الرسمية التي أوكلت الحكومة العراقية أمرها إلينا، فأخذتنا إلى فندق بابل على نهر دجلة، وحقاً كان مكاناً جميلاً، يشرف على النهر ومدينة بغداد، ثم بدأت اللجنة الرسمية العراقية بتنفيذ البرنامج العام الذي وضعته لزيارة البعثة الدولية، فزرنا أكثر المعالم الدينية في العراق وخاصة منطقة كربلاء العامرة بمقامات الأولياء من أهل البيت ثم الآثار التاريخية وبعض المدارس الاجتماعية في أنحاء العراق.

وكان أعمق الأثر في نفوسنا اهتمام العائلات العراقية بينا سواء في بغداد وضواحيها، أو ريف العراق حيث كانت العائلات تستضيفنا على موائدها التي كانت تحاول أن تقدم لنا أصناف الطعام العراقي وتستقبلنا بمحبة وإعجاب لأننا عرباً من عدة دول عربية، لبنان سوريا مصر والسودان وليبيا.

وكان لهذا الاستقبال والحفاوة البالغة إن دل على شيء إنما يدل على أن الشعب العراقي كان تواقاً لوحدة الأمة العربية التي فرقها الاستعمار، فالشعوب العربية كانت على الفطرة التي لم يستطع الاستعمار أن يغرس في قلوبها روح الفُرقة المنتشرة الآن في عالمنا العربي.

فأهم ما حصلتُ عليه في رحلتي السودان والعراق حب الشعبين للشعوب العربية، وأملها في الوحدة العربية، التي استطاع الاستعمار تمزيقها حدوداً وقوميات ضيقة بحيث يستطيع المستعمر استغلالها واستغلال ثرواتها.

فهلا أدركت الشعوب العربية الآن أن سبب  هوانها وضعفها واستغلالها من قِبل المستعمر هي هذه الفرقة وهذا التمزيق لهذا الشعب العربي من المحيط إلى المحيط، وقد ساعد على ذلك السادة والكبراء الذين استطاع المستعمر أن يحكم البلاد بهم.

هذه خلاصة نتيجة رحلتي العراق والسودان في سنة 1956م، وهانحن في سنة 2009م و 2010م (وقت إجراء المقابلة) نلمس هذا الوضع الشاذ الذي تعيشه أمتنا العربية التي فقدت الغيرة والنخوة، واستسلم قادتها للمستعمر الذي استطاع أن يضع اسفين الفرقة بين دولها وشعوبها، هذا الاسفين الذي بدأ يمزق أرض فلسطين الآن، بحيث بدأت الدولة الإسرائيلية الباغية تسيطر على أرض فلسطين ومقدساتها على مرأى ومسمع من الأنظمة العربية والإسلامية، التي أصبحت تحيط بفلسطين لا لتنزع هذا الإسفين من جسدها بل لتحافظ عليه وتتركه ليحقق الهدف الذي وضِع لأجله حتى أصبحت الشعوب العربية الضعيفة والتي استعبدها حكامها تقول ماذا سنقول لربنا يوم نلقاه " ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً "

هذا الذي وصلت إليه من رحلتي السودان والعراق، وجعلني أفكر كثيراً فيما يجب أن أقوم به في البلد العربي الذي أعيش فيه، عنيتُ لبنان وخاصة بلدي التي ولدتُ وأعيش فيها عنيت صيدا عاصمة جنوب لبنان.

وأول ما قمتُ به بعد عودتي إلى لبنان من الرحلتين انتدبت من وزارة التربية الوطنية إلى مصلحة الشؤون العامة التي تكونت في لبنان عام 1960م، وكان على رأسها رجل الأعمال الكبير أميل البستاني والتي سُميت مصلحة التعمير، عُيّنتُ مرشداً اجتماعياً في  منطقة الجنوب كلها لحل مشاكل الناس التي نتجت عن الزلزال، وكان عملي إرشادياً توجيهياً وتقديم التقارير لرئيس المصلحة ليأمر بمساعدة المتضررين من الزلزال، وذلك بإعطائهم الحديد والترابة لبناء مساكنهم، وكان يأمرنا رئيس المصلحة بمساعدة كل مواطن لا يملك بيتاً في الجنوب، وكانت مصلحة التعمير تساعد هؤلاء الناس ليشعر كل مواطن أن له بيتاً في هذا الوطن وبذلك يتمسك المواطن بأرضه ووطنه وهذه الفكرة، والعمل لتحقيقها كانت من فضائل السيد أميل البستاني في لبنان، وحبذا لو اقتدى به زعماء لبنان اليوم، لأن بناء الوطن الحقيقي يقوم على مثل هذه الفكرة وهذا العمل.

وبعد انتهاء عمل مصلحة التعمير التي أوكلت إلى السيد أميل البستاني عدتُ إلى عملي في وزارة التربية الوطنية.

وبدأت أُدرس مادتي التربية الوطنية والأخلاق في جميع صفوف التكميلية، وكنتُ بهذا العمل أحقق الهدف الذي كنتُ أتمناه لبناء المواطن اللبناني الذي يجب أن يقوم عليه الوطن.

وبما أنني كنتُ أشعر بنشاط كبير لتحقيق ما أصبوا إليه، لذلك كان نشاطي كبيراً خارج وظيفتي المدرسية، فكنتُ واعظاً في مساجد صيدا وغيرها، وكنتُ أعمل في الشؤون الاجتماعية المتنوعة حتى اختارني مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد علايا للعمل في الأوقاف الإسلامية.

كانت وظيفة اللجنة ادارة شؤون المصلحة الوقفية، وكان على رأس دائرة الأوقاف رجلا من آل حشيشو، وكان يتصرف في إدارة شؤون الوقف كما يرى هو، ولذلك كان العمل معه صعباً للغاية، وخاصة من أراد إصلاح الفساد المستشري في المؤسسات الإسلامية، من أوقاف ومحاكم شرعية وإفتاء ..

وبما أن الوضع اللبناني كان في وضع لا يُحسد عليه وكان هناك احزاب ومنظمات وانتفاضات والدولة اللبنانية لا تملك القوة في إدارة شؤونها، لذلك استعنتُ بالتنظيم الشعبي الناصري الذي أسسه ابن عمي معروف سعد، وكان أخي نائبه والمدرب العسكري لهذا التنظيم، استطعتُ بهذا النفر القليل أن أحاصر دائرة الأوقاف الإسلامية في صيدا وإخراج جميع الموظفين وأقفال أبوابها لمدة يومين مما خلق مشكلة سياسية واجتماعية مما حدا بزعماء صيدا أن يتنادوا إلى اجتماع في دائرة الأوقاف على رأسهم نائب صيدا معروف سعد ومفتي صيدا الشيخ بهاء الدين الزين، والقاضي الكبير شفيق لطفي، ورئيس الهيئة العامة للمقاصد الإسلامية في صيدا الدكتور رياض شهاب ومندوب الأزهر الشيخ عبد السلام موسى حسن وغيرهم كثير ....  

وكان سؤالهم: ما سبب قيامك بهذا العمل يا شيخ فؤاد؟

قلتُ: إن رئيس الدائرة كان يحول بين اللجنة المشرفة على الأوقاف والتي عينها مفتي الجمهورية اللبنانية ويتصرف دون الرجوع إليها لأنه يعتبر نفسه مدعوماً من رئيس وزراء لبنان السيد سامي الصلح.

فرد المرحوم معروف إذاً أنا على استعداد لدعم قراراتكم وإلزام رئيس الدائرة بها، فكان ردي سريع لا أستطيع أن أطمئن لما تقول لأنك رجل سياسي تريد أن ترضي من حولك، ورئيس الدائرة ممن حولك.

فسكت المرحوم معروف ولم يرد عليَّ مما جعل شفيق لطفي كبير قضاة صيدا المدنيين والدكتور رياض شهاب ومبعوث الأزهر عبد السلام موسى حسن أن يقولوا لي " إذاً نحن الثلاثة سنقوم بهذا الواجب "

فقلتُ: اللهم اشهد أني نزعتُ المسؤولية عني وحملتكم إياها وهكذا انتهت هذه الحادثة الفريدة من نوعها، وعادت الأعمال في الدائرة لسابق عهدها ولم يحصل التغيير المرجو والمأمول لأنه تبين لي أن المشكلة الأساسية هي في المجلس الشرعي الإسلامي السني الذي يضم رؤوساء وزراء لبنان وكبار القضاة والشخصيات الإسلامية التي أناط القانون شؤون المسلمين السنة إليهم، ولذلك قررتُ أن أترشح عن صيدا  كعضوا في هذا المجلس، و أن أحقق ما يمكن من إصلاحات اتطلع إليها، وكان أعضاء المجلس يُختارون من قبل شخصيات تمثل المؤسسات الإسلامية في مناطق لبنان، وترشحتُ أنا والدكتور محمد المجذوب الذي أصبح عميد كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وكان الفوز من نصيبي وكان ذلك في عهد المفتي الشيخ حسن خالد رحمه الله.

وفي المجلس الشرعي الذي كان أعضاؤه الدائمين رئيس وزراء لبنان والرؤوساء السابقين وكبار قضاة لبنان المدنيين والشرعيين.

وأذكر أن نائب رئيس المجلس الإسلامي الشرعي السني الحالي (وقت إجراء المقابلة في عام 2010) كان عضواً معنا، وكانت اجتماعات المجلس ليست روتونياً اسبوعياً بل كانت لأمور يراها مفتي الجمهورية.

وبعد مضي ثلاث سنوات في المجلس لم ألمس شيئاً من الإصلاح الذي كنتُ أتوق له لأنني لم ألمس ما كنتُ أتخيله وأتصوره من غيرة المجلس الشرعي على مصلحة الطائفة السنية في لبنان، واضرب على ذلك مثلاً واحداً " ماذا تنتظر من المسؤولين في المجلس الشرعي من خير للطائفة التي تمثلها وتدير شؤونها مجموعة من كبار الشخصيات التي لا تؤدي الفريضة الإلهية الأولى في الإسلام ألا وهي الصلاة.  

كنا إذا أذن لصلاة المغرب ونحن مجتمعون لا يقوم للصلاة مع المقتي الشيخ حسن خالد في دار الفتوى حيث نكون مجتمعين، لا يقوم معه إلا عدداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة والباقون جلوس ينتظرون انتهاء المصلين.

ماذا تنتظر من خير من مجلس هذا شأنه لذلك لم استمر بعد السنة الثالثة من الحضور إلى المجلس.

هذا الوضع الشاذ لهذا المجلس وما جاء بعده هو سبب ما وصلت إليه الطائفة السنية في لبنان، كانت الطائفة السنية هي الطائفة الثانية في ترتيب الطوائف في لبنان، وأصبحت اليوم في المنزلة الرابعة ولم يعد لها الوزن السياسي والاجتماعي رغم محاولة المرحوم رفيق الحريري وسعد الحريري إعادة الطائفة إلى ما كانت عليه.

هكذا تبين لي أن الإصلاح في المؤسسات الإسلامية سواء الأوقاف أو المجلس الشرعي أو المحاكم الشرعية ودور الإفتاء لا يمكن تحقيقه لعدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب وبما أني لا أيأس ولا أقنط، استطعتُ أن أقنع مدير معهد الفرير في الرميلة بمساعدة المربية الكسندرا انطاكي، تعليم الدين الإسلامي، وكان محظوراً على المسلمين التعليم الديني الإسلامي في المعاهد الأجنبية، وأخذ المدير الفرنسي على عاتقه كما قال لي، وبدأت في التدريس في مراحل التعليم الأربعة، الحضانة والابتدائي والتكميلي والثانوي، وبقيت ثمانية عشر سنة إلى أن وقعت الثورة في لبنان سنة 1975م، حيث توقفت الدراسة واحتلن بعض التنظيمات المعهد وأقفل.

وبما أن التدريس الديني في المعاهد الدينية المسيحية كان محظوراً  ولكن بعد مضي خمس سنوات من التعليم الدؤوب يبدوا أن المسؤولين في مدارس الفرير في لبنان انفتحوا بدليل أني طُلبتُ للتدريس في مدارس الفرير في المنطقة الشرقية، ولكني لم استطع، لعدم وجود فراغ في أوقات عملي المكتظة.

وكان يدرس المسيحية الأب سليم غزال وكنتُ متعاوناً  معه في العمل، وكثيراً ما يجتمع الطلاب المسلمين والمسيحيين تارة أدرسهم وتارة يدرسهم الأب سليم، وكثيراً ما كان بعض تلامذة المعهد من المسيحيين يواظبون على حضور درسي في الفرير.

هذه الحركة الاجتماعية لا شك انها كانت مفيدة جداً في تنمية العيش المشترك الذي يجب أن يُتعهد في جميع المناطق  اللبنانية لما فيه من خير للمواطن اللبناني.

وهكذا كنتُ في معهد دار العناية في الصالحية، حيثُ بقيتُ أكثر من ثمانية عشر سنة أدرس فيه، وتخرج منه أعداد كثيرة من مناطق الجنوب مسلمين ومسيحيين، وكثيراً ما كنتُ محاضراً في مدرستي راهبات صيدا وعبرا وكذلك في سجن القاصرين المسجونين، وكلية المقاصد الإسلامية في صيدا ومدرسة الاتحاد وجمعية المؤاساة كل ذلك تطوعاً .

وبما أن العمل التطوعي يكشف نوعية الناس لذلك اقول "المعاهد العديدة التي درّستُ فيها مجاناً لم يصدر عن إداراتها من عرف قيمة العطاء المجاني إلا المدرسة التي كان يديرها فرنسي عنيتُ معهد الفرير حيث أراد أن يقدم لي العون في تعليم أولادي دون مقابل، وكان في كل مناسبة يزورني ويقدم لي بعض الهدايا الثمينة.

حادثة أليمة:  

حدث حريق في فرن في مدينة صيدا، فاحترق ثلاثة عمال فيه، وبقوا لأكثر من شهرين في المستشفى الحكومي، وعندما زرتهم كان الدود يخرج من بعض الأماكن المحترقة من أجسامهم، فسألتُ المسؤولين عن سبب إهمالهم ؟ فكان الجواب ليس عندنا ميزانية لمداواة الحروق في أجسامهم، فتألمتُ كثيراً.

وعندما قرر المحافظ هنري لحود صرف مبلغ سبعين ألف ليرة من صندوق البلدية لإقامة مهرجان غنائي لصباح في مرفأ صيدا، وكان هذا المبلغ في ذلك الوقت يمكن أن يؤمن للرجال الثلاثة ما يداويهم.

لذلك آثرت حملة عنيفة على المحافظ لأنه لم يقم بالواجب الإنساني الذي يجب أن يقوم به وخاصة أن مال البلدية مالاً عاماً لبلدية صيدا.

وكان لهذه الحملة أن أثارت المحافظ واشتكاني بواسطة سكرتيره الخاص سامي شعيب إلى قريبي معروف سعد الذي تصور غضب المحافظ ونتائجه، فما كان من المرحوم معروف إلا أن تبرأ مني ومن كل من يهاجم المحافظ على صفحات الجرايد.

ولكن روادي في مسجد الصديق ثاروا على قريبي معروف مما جعل معروف رحمة الله عليه يعتذر في المسجد أمام المصلين وبين أسباب إقدامه على ما أقدم عليه.

هذه الحادثة إن دلت على شيء فإنها تدل على أن المسؤولين عن الناس لا يؤدون واجبهم الذي يجب أن يؤدوه تجاه الرعية.

وكذلك هذه الحادثة أظهرت تراجع النائب معروف سعد عن الخطأ والاعتذار أمام الناس لأنه يؤمن أن الرجوع عن الخطأ فضيلة.

وكذلك يجب على كل مواطن أن يذكر المسؤولين عن واجباتهم تجاه الرعية، وبذلك يساهم كل مواطن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يساهم كل مواطن في إصلاح مجتمعه، وما وصل الفساد عند الكبراء والسادة وأولي الأمر والرعاة إلا لعدم تحمل المواطن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

حوادث متفرقة

عند احتلال إسرائيل لبنان وعاث أنصارها الفساد في الأرض أقبل جماعة من جنود لحد والقوات اللبنانية التي سيطرت على شرق صيدا، أقدم ثلاثة مسلحين بقوة السلاح ووسائل الكسر والخلع، على محاولة سرقة السيارة الجديدة التي يقيم أصحابها في بناية خضر بديع  المواجهة للبنانية التي أسكن فيها.

وكنتُ دائماً أقرأ وأكتب على الشرفة المواجهة، لما رأيتُ الجماعة بدأوا عملهم خرجت بنت الحريري التي كانت تقيم بالشقة المقابلة للسيارة صرخوا بها " ادخلي " فخافت، أدركتُ حينئذ مهمة المسؤولية في ردع هؤلاء فأطفأتُ النور عندي وصرختُ بصوت عال اتركوا السيارة وإلا سأطلق النار عليكم، وكنتُ أحضرتُ سلاح الصيد الذي عندي ويبدوا أنهم خافوا فانسحبوا عشرين متراً وتحصنوا في زاوية البناية الجنوبية وبدأو بإطلاق النار عليَّ فأصابوا الشقة التي أنا فيها وأصابوا الشقة التي يقيم فيها نائب رئيس غرفة التجارة كنانة البساط وكان الجيران استيقظوا على صوت الرصاص فما كان من إلا أن أطلقتُ طلقاً نارياً وصرختُ في زوجتي ناوليني القنبلة وما أن سمعوا بالقنبلة حتى فروا هاربين من حيث أتوا.

والحادثة الثانية/ بينما كنتُ أسير في شارع الأوقاف بصحبة المحامي محمد الجوهري تعارك بالكلام " شوفير " مصطفى سعد وكان شجاعاً مع عنصر من دورية لحد والقوات اللبنانية بسبب إيقاف السيارة مقابل مكتبة كامل عسيران في شارع الأوقاف، وعندما شهر الجندي سلاحه في وجه السائق وكاد يطلق النار عليه قفزتُ لا شعورياً وأمسكتُ ببندقية الجندي ورفعتها في الهواء وابعدتها عن صدر السائق، وخرجت الطلقات في الهواء، وصرخ الناس " شيخ فؤاد شيخ فؤاد نحن معك " فما كان من الجنود إلا أن تابعوا طريقهم ومر الحادث بسلام.

ويبدو أن صراخ الناس من حولي " ياشيخ فؤاد يا شيخ فؤاد " ألقى الخوف في قلوبهم، ولم يتابعوا تحديهم للمواطنين، هذه أمور ليست مستغربة لأن الله هو الذي يبعث الخوف في قلوب المعتدين عندما يرون جرأة الناس وتعاونهم على نصرة المظلوم، وما اعتدى معتدٍ على مظلوم إلا لعدم وجود من ينصر المظلوم على الظالم وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً (ظالماً تمنع ظلمه)".

وهنا توقف الشيخ فؤاد عن الكلام، على امل المتابعة لاحقاً، إلا أنه رفض بعد ذلك مواصلة المقابلة، طالباً منا نشر ما قاله فقط..

(أجريت المقابلة في تشرين الأول 2010)




من أرشيف الموقع

سراب سراب

سراب سراب

حدث في 23 كانون الثاني / يناير

حدث في 23 كانون الثاني / يناير

تأثير الفايسبوك على الفتيات

تأثير الفايسبوك على الفتيات

إطلالة على مجتمع .. البخيل

إطلالة على مجتمع .. البخيل