بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج1): الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فإنه لا يخفى على أحد ما يحصل في بلادنا العربية من حروب، هذه الحروب سببت في فقدان كثير من الناس والرجال خاصة, مما جعل كثيراً من النساء يسألن عن مصيرهن, ويبحثن عن موقف الشرع الشريف لحالهن, فهل يحق لهن طلب التفريق بينهن وبين أزوجهن بسبب الظروف الصعبة التي يمررن بها, فقد لا يجدن من ينفق عليهن أو يؤمن لهن حاجياتهن, وقد ذكر الفقهاء القدامى هذه المسألة في بطون كتبهم وأمهات مراجع أصحاب المذاهب, إلا أن المتغيرات حتمت علينا إعادة قراءة هذا الموضوع, ففي زمننا كثرت وسائل الاتصال, وكذا وجود السفارات, والعلاقات المتبادلة بين الدول من خلال السفارات, فهذا يعني أن المفقود في زماننا ليس كالمفقود في زمن العلماء القدامى رحمهم الله تعالى, ولما كثر السؤال حول هذا الموضوع رأيت أن من واجبي أن أبين رأي الشرع وأقوال العلماء في هذه المسألة مع مراعاة تغير الأزمان حتى نجد حلاً لهذه المشكلة التي كثر السائلون عليها. وبالله التوفيق.

الفصل الأول: أحكام المفقود المتعلقة بذاته.

المبحث الأول: تعريف المفقود لغة وشرعاً:

تعريف المفقود لغة:

1- قال الفيومي: " فَقَدْتُهُ فَقْدًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَفِقْدَانًا عَدِمْتُهُ فَهُوَ مَفْقُودٌ وَفَقِيدٌ وَافْتَقَدْتُهُ مِثْلُهُ وَتَفَقَّدْتُهُ طَلَبْتُهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ". [المصباح المنير في غريب الشرح الكبير, الفيومي, ج2, ص478].

2- وقال الجوهري: "فقد: فقدت الشئ أفقده فقداً وفقدانا وفقدانا. وكذلك الافتقاد. وتفقدته. أي طلبته عند غيبته. والفاقد: المرأة التى تفقد ولدها أو زوجها". [الصحاح, تاج اللغة وصحاح العربية, الجوهري, ج3, ص82].

تعريف الفقهاء شرعاً:

1- عرفه النسفي بقوله: "مَنْ غَابَ فَلَمْ يُوقَفْ عَلَى أَثَرِهِ وَلَمْ يُوصَلْ إلَى خَبَرِهِ". [طلبة الطلبة, النسفي, ص95].

2- وعرفه الجرجاني بقوله: "المفقود هو الغائب الذي لم يدر موضعه ولم يدر أحي هو أم ميت". [التعريفات, الجرجاني, ص288].

3- وفي معجم لغة الفقهاء: "الغائب الذي لا يعلم عنه شيء". [معجم لغة الفقهاء, ص419].

تعريفات أصحاب المذاهب الفقهية:

مذهب الحنفية:

1- قال السرخسي: "المفقود اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله ولكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله وأهله في طلبه يجدون ولخفاء أثر مستقره لا يجدون قد انقطع عليهم خبره واستتر عليهم أثره وبالجد ربما يصلون إلى المراد وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد". [المبسوط, السرخسي, ج11, ص60].

2- وقال الزيلعي: "غَائِبٌ لم يُدْرَ مَوْضِعُهُ وَحَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ, وَأَهْلُهُ في طَلَبِهِ يَجِدُّونَ وقد انْقَطَعَ عَنْهُمْ خَبَرُهُ وَخَفِيَ عليهم أَثَرُهُ". [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق, الزيلعي الحنفي, ج3, ص310, وانظر: البحر الرائق: ابن نجيم المصري, ج5, ص176].

مذهب المالكية:

1- قال ابن عرفه: "مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ". [الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية. شرح حدود ابن عرفة للرصاع, محمد بن قاسم الأنصاري، أبو عبد الله التونسي المالكي, لبنان, المكتبة العلمية, الطبعة: الأولى، 1350هـ, ص222].

2- وقال الصاوي: "من انقطع خبره مع إمكان الكشف عنه فيخرج الأسير لأنه لم ينقطع خبره والمحبوس الذي لا يستطاع الكشف عنه". [بلغة السالك لأقرب المسالك, الصاوي, ج2, ص452].

مذهب الشافعية:

1- وفي حاشية الجمل: "الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَجُهِلَ حَالُهُ فِي سَفَرٍ، أَوْ حَضَرٍ فِي قِتَالٍ، أَوْ عِنْدَ انْكِسَارِ سَفِينَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا وَلَهُ مَالٌ، وَفِي مَعْنَاهُ الْأَسِيرُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَوْتِهِ قُسِمَ مِيرَاثُهُ". [فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل, العجيلي, ج4, ص28].

2- وعرفه الشربيني: "وَمَنْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ تُرِكَ مَالُهُ". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج, الخطيب الشربيني الشافعي, ص48].

مذهب الحنابلة:

1- قال البهوتي: "مَنْ لَا تُعْلَمُ لَهُ حَيَاةٌ وَلَا مَوْتٌ لِانْقِطَاعِ خَبَرِهِ". [شرح منتهى الارادات, البهوتي, ج2, ص542].

2- مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ, فَلَمْ تَعْلَمْ حَيَاتَهُ وَلَا مَوْتَهُ". [مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى, الرحيباني, ج5, ص568].

مذهب الظاهرية:

"يُتَلَوَّمُ لِطَلَبِهِ فَلَا يُوجَدُ لَهُ خَبَرٌ". [المحلى بالآثار, ابن حزم, ج9, ص321].

التعريف المختار:

والذي أختاره في تعريف المفقود: هو الغائب الذي لم يُدْر: أحي هو فيتوقع قدومه، أم ميت أودع القبر، كالذي يفقد من بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يفقد في مفازة أي مهلكة، أو يفقد بسبب حرب أو غرق مركبة ونحوه. [انظر: الفقه الإسلامي وأدلته, وهبي الزحيلي, ج9, ص7187].

نخلص الى القول أن العلماء اتفقوا على أمور واختلفوا في أخرى في تعريف المفقود:

1- فاتفقوا على أن من جهلت حياته وموته عدا الأسير فهو المفقود.

2- واختلفوا: في الأسير والسجين هل يدخلان في تعريف المفقود أم لا؟

فالأسير يعد مفقوداً بشرط أن يتحقق فيه ما اشترط في المفقود, بأن ينقطع خبره, وأن لا يعلم حاله.

المبحث الثاني: أقسام المفقود:

1- الْمَفْقُودُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.

2- أَوْ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ.

3- أَوْ فِي زَمَنِ الْوَبَاءِ.

4- أَوْ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ.

5- أَوْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.

[حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, ابن عرفة الدسوقي المالكي, ج2, ص479].

المبحث الثالث: سلطة الحكم بموت المفقود:

1- الرَّفْعُ لِلْقَاضِي.

2- وَالْوَلِيِّ أَيْ حَاكِمِ السِّيَاسَةِ

3- وجَابِي الزَّكَاةِ

4- وإلا فلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ صَالِحِي بَلَدِهَا.

[انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, ج2, ص479, وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع, الكاساني, ج6, ص169].

المبحث الرابع: المدة التي يحكم بعدها بموت المفقود:

القول الأول: تَمَّ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ هَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الْأَعْمَارَ فِي زَمَانِنَا قَلَّمَا تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، بَلْ لَا يُسْمَعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُقَدَّرُ بِهَا تَقْدِيرًا بِالْأَكْثَرِ.

القول الثاني: يقدر بموت الأقران في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مِنْ النَّوَادِرِ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بَعْدَ مَوْتِ أَقْرَانِهِ فَلَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَوْتُ أَقْرَانِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ وَآخَرُونَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَوْتُ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، فَإِنَّ الْأَعْمَارَ قَدْ تَخْتَلِفُ طُولًا وَقِصَرًا بِحَسَبِ الْأَقْطَارِ بِحَسَبِ إجْرَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ.

القول الثالث: يقدر بمئة سنة المروي عَنْ أَبِي يُوسُفَ، فَذُكِرَ عَنْهُ وَجْهٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ مِنْهُ لَهُمْ. "وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِمِائَةِ سَنَةٍ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ الْمُقَدَّرَةُ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ وَتَثْبُتُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُدَّةِ كَمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ". [بدائع الصنائع, الكاساني, ج, ص197].

القول الرابع: وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ بِتِسْعِينَ.

القول الخامس: وَالْأَقْيَسُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ.

القول السادس: وَالْأَرْفَقُ أَنْ يُقَدَّرَ بِتِسْعِينَ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ أَنَّهَا تِسْعُونَ سَنَةً لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ زَمَانِنَا هَذَا.

القول السابع: وبستين سنة عند الْمُتَأَخِّرُينَ بَنَوْهُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ الْأَعْمَارِ. وَأَرْفَقُ مِنْ التسعين التَّقْدِيرُ بِسِتِّينَ.

القول الثامن: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْأَلْيَقُ بِطَرِيقِ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ.

القول التاسع: وَعِنْدِي الْأَحْسَنُ – ابن الهمام - سَبْعُونَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ) فَكَانَتْ الْمُنْتَهَى غَالِبًا.

القول العاشر: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، فَأَيُّ وَقْتٍ رَأَى الْمَصْلَحَةَ حَكَمَ بِمَوْتِهِ. [فتح القدير, ابن الهمام, ج6, ص149. وانظر: حاشية الدسوقي, ج2, ص482].

القول الحادي عشر: فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِينَ. [منح الجليل شرح مختصر خليل, عليش,ج4, ص318].

وقال ابنُ رَزِينٍ: يَحْتَمِلُ عندِي أنْ يُنْتَظَرَ به أرْبعُ سِنِين؛ لقَضاءِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عنه، بذلك. [منح الجليل شرح مختصر خليل, عليش, ج4, ص318].

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا، فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ؟ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، ثُمَّ تَحِلُّ. [الموطأ, مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني, ح2134].

عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَافَقَ عَلِيًّا عَلَى «أَنَّهَا تَنْتَظِرُهُ أَبَدًا". [مصنف عبد الرزاق, ج7, ص90].

القول الثاني عشر: بعد مضي عام, فِي الْفَقْدِ لِلزَّوْجِ فِي الْقِتَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ بَعْدَ سَنَةٍ كَائِنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ مِنْ السُّلْطَانِ فِي أَمْرِهِ وَالتَّفْتِيشِ عَنْهُ. [انظر: حاشية الدسوقي, ج2, ص483].

القول الثالث عشر: يُنْتَظَرُ أبدًا حتى تتَيقَّنَ موْتَه؛ لأنَّ الأَصْلَ حَياتُه. [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ( مع المقنع والشرح الكبير), المرداوي, ج18, ص225].

عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: "هِيَ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ، أَوْ طَلَاقٌ". [المصنف, عبد الرزاق, ج7, ص90].

القول الرابع عشر: وقيل ثمانون. [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر, شيخي زاده, عبد الرحمن بن محمد بن سليمان, يعرف بداماد أفندي, بيروت لبنان, دار إحياء التراث العربي, الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ, ج1, ص714].

القول الخامس عشر: "وَعَنْ الْإِمَامِ ثَلَاثُونَ سَنَةً". [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر, شيخي زاده, ج1, ص713].

للراغبين بقراءة الجزء الثاني: التفريق لفقدان الزوج - دراسة فقهية مقارنة (ج2)