بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - عبد الباسط ترجمان في لقاء خاص مع الدكتور عدنان النوام

عبد الباسط ترجمان / خاص موقع بوابة صيدا

بعبارة " الله معك حكيم " نحن خرطوش فردك يا حكيم " كان يخرج المريض من عيادته، فمن قلب صيدا، ومن رحم معاناة أهلها، خرج الدكتور عدنان النوام، خرج ليداوي مرضاها، ويضمد ألم وأنين سكانها، فكان طبيبها المميز، وحكيمها المفضل، فمَن مِن أهلها لا يعرفه، ومن مِنْ أهلها لا يذكره بخير ويدعو له، فالطب قيم ورسالة يجب أن يؤديها من أقسم اليمين.

عامل الجميع دون تمييز، فلا شأن له بالسياسة والسياسيين، ومع هذا كانت له مواقف لا يتراجع عنها، أهلته لتولي عدة مناصب كان وما زال يستحقها.

المولد والنشأة

ولد عدنان محمد النوام في مدينة صيدا، في حي البعاصيري " طلعة حارة صيدا " عام 1926م دخل مدرسة الرشدية الكائنة في البوابا الفوقا، ثم انتقل بعدها لمتابعة دراسته في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في ضهر المير إلى أن تخرج من صف البكالوريا القسم الأول.

كان يذهب إلى المدرسة ماشياً على قدميه... والده لم يكن غنياً، كان تاجراً ميسور الحال، رزقه الله أربعة أبناء.

في المرحلة المتوسطة كان يداوم في المدرسة حتى الساعة الثامنة ليلاً ثم انتقل بعد ذلك إلى مقاصد بيروت ليتابع البكالوريا القسم الثاني (فرع الفلسفة) .

حسم الخيار

بعد أن حاز على الشهادة في مقاصد بيروت وضِعَ أمام خيارين، إما أن يكون طبيباً، أو أستاذاً في مادة التاريخ والجغرافيا، وكان الأول على المدرسة في مادة التاريخ والجغرافيا، وكان هذا يغريه ويشجعه على التخصص في هاتين المادتين، ولكن: " فكرتُ في الأمر ملياً، ما الهدف الذي أبغيه، أن أكون أستاذاً فقط، لا.. لا.. ليس هذا هدفي... بل كان طموحي أن أكون مميزاً في بلدي، وأن أخدمها قدر استطاعتي، فانتقلتُ للخيار الآخر ألا وهو الطب، وساعدني على ذلك أنه لم يكن في مدينة صيدا أطباء في سني، فبيني وبين الأطباء الذين سبقوني حوالي خمسة عشر سنة، وبيني وبين الأطباء الذين لحقوا بي حوالي اثنى عشر سنة، فكان هذا محفزاً لي على اختيار الطب والتخصص به ".

في مصر

في عام 1945م توجه إلى مصر لإكمال دراسته فيها، إذ كانت أوروبا ما زالت في حربٍ مع اليابان.

كان في مصر كليتين للطب، القصر العيني، وجامعة الاسكندرية، وكانوا يفضلون المصري على غيره، وبعد مماحكات كثيرة، وواسطات تدخلت بها الدكتورة زهية قدورة عميدة كلية الأداب في الجامعة اللبنانية في بيروت، وكان لها علاقات مميزة بالأوساط العلمية والأدبية وكبار المسؤولين في مصر... قبلتني الكلية.

ومما أذكره يومها أن الدكتورة زهية التقت عميد الكلية الدكتور مصطفى سرور، ودار بينهما جدال طويل، واستطعتُ سماع الحوار الذي دار بينهما، ومما قالته الدكتورة للدكتور مصطفى: " أنتم هنا كفار " في بلده ( أي لبنان) ممنوع عليه أن يتعلم، إما أن يذهب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت أو الجامعة اليسوعية وهو لا يستطيع ولا يُقبل، لأنه من بلد ممنوع عليه أن يتعلم فيه... فأين تريدون منه أن يذهب ؟؟؟ فجاء إلى مصر... وكانت الدكتورة لديها جرأة فريدة، وتستطيع إقناع محاورها، فما كان من عميد الكلية إلا أن يقول لها " خلاص يا ستي على راسي خلاص حنقبلو " فخرجت وبشرتني بذلك ".

في هذه الأثناء ولسد حاجيات متابعتي الدراسية باع والدي بستاناً كان يملكه " قرب مدرسة البهاء حالياً " لصبحي الألطي وكذلك باع ثلاثة منازل.

العودة إلى صيدا

درس في القصر العيني سبع سنوات، وسنة ونصف تخصص، وعاد بعد ذلك إلى مدينة صيدا وذلك في عام 1954م.

في ذلك الوقت كان الخليج محط أنظار الكثيرين، فأرسل مع بعض رفاقه رسائل للعمل هناك، وبعد شهرين جاءت الموافقة، وأبلغوه أن راتبه يتخطى أربعة ألاف ليرة، ولكنه آثر البقاء في المدينة لخدمة أهله.

فتح عيادة يستقبل بها المرضى (العيادة التي أجرينا فيها المقابلة في شارع الأوقاف) وبدأ الناس يتقاطرون عليها، حتى أصبح يستقبل في اليوم الواحد مئة وعشرون مريضاً، وذلك في عام 1954م، " وكان معظم الذين يأتون فقراء معدومين، فكثير منهم عندما ينتهي من معاينته أو معاينة من يأتي معه يشير إليه بيده قائلاً: " الله معك حكيم " " نحن بأمرك يا حكيم " نحن خرطوشة فردك " ... يقول الدكتور عدنان: فأعلم أنهم لا يستطيعون دفع المعاينة ... "

في المستشفى الحكومي

في عام 1957م عُين رئيساً لفروع الأمراض الداخلية في المستشفى الحكومي قرب خان الفرنج، ( أو ما كان يُعرف بمستشفى الراهبات) وذلك بعد أن سلك الدكتور نزيه البزري طريق السياسة، فعُين مكانه، ثم انتقل بعد ذلك إلى المستشفى الحكومي الجديد في عين الحلوة عام 1960م.

ثم عين طبيباً لبلدية صيدا، وذلك عام 1962م، وبقي في هذين المنصبين حتى تقاعده في عام 1990م.

صيدا تحت احتلال الفرنسي

يقول الدكتور عدنان: " كنتُ ابن عشر سنوات حين قامت المظاهرات في مدينة صيدا عام 1936م منددة بالاحتلال الفرنسي للبنان، والبريطاني لفلسطين المحتلة، واقتحم الزعيم الوطني " معروف سعد " القشلة فأطلقوا النار عليه فأصابوه في كتفه، وقتل عدد من أبناء هذه المدينة في هذه المظاهرة.

وكان معروف سعد ومجموعة من أبناء هذه المدينة، يقطعون الطريق على السلع التي تمر من صيدا إلى القوات البريطانية في فلسطين، فكانت صيدا في مقدمة المدن التي تنتفض ضد أي محتل.

المقاصد والمظاهرات

كانت مدرسة المقاصد تشارك في جميع الانتفاضات والمظاهرات، بل كانت السباقة دائماً في التظاهر، وحين يتظاهر أساتذة وطلاب المقاصد يلحق بهم المئات والألوف من أبناء مدينة صيدا، وعندما ضاقت سلطات الاحتلال الفرنسي بهم ذرعاً قررت اعتقال مدير المدرسة الأستاذ " قبولي الذوق " وطوق جنود الاحتلال الفرنسي المدرسة، فما كان من طلاب المدرسة إلا تجميع الصخور والاحجار والنخيل والصعود إلى سطح المدرسة استعداداً للدفاع عن المدرسة والمدير، وعندما رأى جنود الاحتلال استبسال الطلاب قرروا الانسحاب.

وفي يوم خرج طلاب المقاصد في مظاهرة ضد الاحتلال الفرنسي وكان على رأس المظاهرة الشيخ محمد سليم جلال الدين (لم يكن مفتياً بعد) توجه عدد من الطلاب إلى مدرسة الأمريكان (البوابا الفوقا) طالبين منهم الخروج للتظاهر معهم ضد الاحتلال، وما أن وصلوا إلى مدرسة الأمركيان حتى طوقت القوات الفرنسية المدرسة، تريد اعتقال الطلاب، فهب أبناء صيدا وخرجت التظاهرات فما كان من جنود الاحتلال الفرنسي إلا الانسحاب.

لبنان في عهد الاستقلال

صيدا عبر التاريخ لاتقبل بالاحتلال، فكانت المظاهرات التي تقوم في صيدا وغيرها من المدن اللبنانية تقلق القوات الفرنسية، وكانت التظاهرات قد أنشأت قيادات وطنية تسعى لإخراج المحتل من أرض لبنان، وكان على رأس هؤلاء الرئيس بشارة الخوري، والرئيس رياض الصلح وعادل عسيران وهما من مدينة صيدا.

عندما اشتدت المعارضة لفرنسا في لبنان قامت القوات الفرنسية باعتقال بعض القادة الوطنيين، وسجنتهم في راشيا، فما كان من بقية السياسيين الوطنيين إلا الاجتماع في بشامون وإعلان استقلال لبنان، وفي هذه الاثناء قامت المظاهرات على كل الأراضي اللبنانية تطالب بخروج المحتل والإفراج عن الزعماء السياسيين.

خرج الطلاب في مدينة صيدا وتوجهوا نحو سرايا الحكومة في ساحة النجمة، والتقى القادمون بالموجودين وكان أبناء صيدا قد تجهزوا لمناصرة الطلاب، وكان الجيش الفرنسي قد أنشأ الحواجز ونشر الدبابات لمنع وصول المتظاهرين إلى السرايا، وما أن رأهم ضابط السرايا الفرنسي حتى أمر بإطلاق النار على المتظاهرين، فانهمر الرصاص فسقط عدد من القتلى " أذكر منهم سعيد البزري وعدد من الجرحى منهم بشير الشريف، والتلميذة حكمت الصباغ، وأوفى زنتوت، وفتاة من آل النعماني، وفتاة من آل عبدو، والشيخ زين اليمن الدندشلي وعبد اللطيف بيضون، وشاب من آل زنتوت ... " واستمرت المظاهرات حتى رضخت قوات الاحتلال الفرنسي لمطالب المتظاهرين وجاءت التعليمات من فرنسا بإطلاق سراح المعتقلين وإعلان استقلال لبنان.

فخرجت المظاهرات تحيي الزعماء، وكان مما قالوه في مدينة صيدا

يا أم عادل افتحي البوابا *** إجا عادل زعيم الشبابا

يقصدون الرئيس عادل عسيران.

رياض الصلح تلميذ المقاصد

جد الرئيس رياض الصلح أحمد باشا الصلح، تبوأ الكثير من المناصب في زمن الدولة العثمانية حتى وصل إلى لقب "باشا" وأنجب رضا بك الصلح ومنح بك الصلح، رضا بك أنجب رياض، ومنح بك أنجب تقي الدين (رئيس الحكومة اللبنانية) وقاسم.

سكن رياض في بيروت، تعلم في مدرسة المقاصد في صيدا، في عام 1949م، وأثناء توزيع الشهادات على طلاب مقاصد صيدا، وإلقائه كلمة أشار الرئيس رياض الصلح إلى إحدى الغرف، قائلاً: " أنا تعلمت في هذه الغرفة ".

موقف مشرف

كان أبناء صيدا كغيرهم من الشعوب يخدمون في الجيش العثماني، وكان بعض أبناء صيدا قد وصلوا إلى رتب ضابط " نم زاد " بعد هزيمة العثمانيين ودخول القوات الفرنسية إلى لبنان، خيرت جنود الدولة العثمانية بين الدخول إلى القوى الأمنية التي أنشأتها أو الذهاب إلى بيوتهم، فقرر " زكي طالب ومحمد زكي البساط " البقاء في الجيش الفرنسي، بينما رفض " عبد الله الخليلي، ومحمد المغربي، داود الديماسي، محمد بِربِر ... " الخدمة في الجيش الفرنسي، وسجلوا موقفاً مشرفاً يعتز به كل صيداوي، ثم التحقوا بمدرسة المقاصد، وأصبحوا من خيرة أساتذتها، وقد ساهموا في إنشاء جيل يحب الدفاع عن وطنه وأرضه.

ثورة عام 58

كانت المنطقة يتجاذبها مشروعان: المشروع الناصري الذي يدعو للوحدة العربية، ويمثله جمال عبد الناصر، والمشروع الأمريكي الممثل بحلف بغداد، ولبنان منذ إنشائه ساحة صراع المشاريع الكبرى، وكان الرئيس كميل شمعون يسير في المشروع الأمريكي، فخرجت المظاهرات منددة به ومطالبة باستقالته، وقد حيّد قائد الجيش فؤاد شهاب الجيش من دخول صراع النفوذ بين الأطراف السياسية، ودخل الجيش إلى ثكناته دون أن يطلق رصاصة واحدة، واستمرت المظاهرات حتى انتهاء ولاية الرئيس كميل شمعون.

معروف سعد والمنظمات الفلسطينية

بقول الدكتور عدنان: كان الأستاذ معروف سعد من أوائل الداعمين للقضية الفلسطينية والمقاتلين الفلسطينيين، وقد شارك في محاربة الاحتلال البريطاني في فلسطين، وكان يجند الشباب الصيداوي للذهاب إلى فلسطين لقتال البريطانيين، ولقتال اليهود بعد احتلالهم لفلسطين.

بعد السماح للمنظمات الفلسطينية بقتال اليهود من جنوب لبنان، كان معروف سعد من أوائل الداعمين لهذا القرار، ولكن بعض المنظمات كانت تتوجس منه، وتتهمه بالتعامل مع المكتب الثاني (مخابرات الجيش) وفي يوم دخل معروف سعد للإجتماع ببعض الفصائل الفلسطينية، عرّج على الدكتور عدنان النوام وطلب منه الدخول معه إلى المخيم، أثناء الاجتماع علت الأصوات، وبدأت الاتهامات توجه لمعروف سعد، وتجاوزت بعض المنظمات كل الخطوط الحمراء.... وكان معروف يقول لهم: " أنا مواقفي واضحة ولا أخفي شيئاً... قاتلتُ في فلسطين قبل أن تولدوا... " انتهى الاجتماع والقلوب محتقنة على معروف سعد، ثم مالبث أن قتل غدراً.

الاعتقال

أثناء الاحتلال الإسرائيلي لمدينة صيدا، تم اعتقال الدكتور عدنان عند دوار الأمريكان، ثم اقتادوه إلى منطقة الراهبات حيث بدأوا باستجوابه.

وقد وجهت له تهمة التستر على مقاتلين قتلوا ضابطاً إسرائيلياً ونقلوه إلى مستشفى الحكومي، وكان الدكتور عدنان رئيس الفروع الداخلية فيها، وبدأوا معه أسلوب التهديد والوعيد، والترهيب والترغيب، ولما لم يستطيعوا أخذ أي معلومة منه أطلقوا سراحه.

طرائف مع المرضى

جاء رجل إلى عيادة الدكتور عدنان، وبعد فحصه تبين أن معه البواسير، فأعطاه مرهماً وقال له " تدهن المرهم هكذا وأشار على يده بشكل دائري " بعد خمسة عشرة يوماً عاد الرجل وقال له يا دكتور " اهترت إيدي " فنظر إليه الدكتور وقال له: شو عملت ؟

فقال له: دهنت عليها المرهم.

شو عدنان شو عملت

أثناء ترأسه جميعة المقاصد جلس مع الرئيس الراحل رفيق الحريري، فسأله الرئيس الحريري: " شو عدنان، شو عملت، كانت تجي إمي لعندك وكان الناس لآخر السلُم ... دبرت حالك ؟"

فرد عليه الدكتور عدنان: " عدنان ما تغيير بعدو زي ما هو "

صيدا قديماً

صيدا قديماً كان فيها قيم، وأهلها يتمتعون بالعقل والمنطق، فما كان أحد يستطيع أن يتطاول على الكبير، كان هناك حكماء في هذه المدينة، يصلحون بين أبنائها حتى لا تصل الأمور إلى المحاكم، وكانت صيدا مدينة فقيرة، ولكن العرب كانوا يعتزون بها وبمواقفها المشرفة، أين صيدا اليوم من الماضي، القيم انعدمت، وكل واحد لا يفكر إلا في نفسه.... فشتان بين الحاضر والماضي....

أهم إنجازات الدكتور عدنان النوام

ساهم في تأسيس نادي الأسود في صيدا عام 1954م.

أسس المركز الطبي في جمعية المؤاساة عام 1956م.

رأس الفروع الداخلية في المستشفى الحكومي في صيدا من عام 1957م ـ 1990م.

عين طبيباً شرعياً عام 1962م وما زال حتى اليوم.

عين طبيباً لبلدية صيدا من عام 1969م ـ 1990م.

رئيس المستوصف المركزي الحكومي في صيدا 1957م ـ 1990م.

انتخب أميناً عاماً لجمعية خريجي المقاصد الإسلامية في صيدا 1961م ـ 1963م.

انتخب رئيساً للمجلس الإداري لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا 1979 ـ 1985م.

رئيس إدارة شركة مياه صيدا ( أثناء الحرب الأهلية).

رئيس الرابطة الثقافية منذ أكير من خمس وعشرين سنة.

انتخب رئيساً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا 1985م ـ 1991م.

في الختام

في ختام اللقاء وجه نصيحة لأبناء صيدا قائلاً: اتحدوا ... واتفقوا ...

ثم قال: اللهم اهدِ قومي ...

أجريت المقابلة يوم السبت 16 تموز 2011 (الموافق 15 شعبان 1432هـ)

توفاه الله فجر يوم الخميس 28 آذار 2019 الموافق 21 رجب 1440هـ 




من أرشيف الموقع

حدث في 5 تموز / يوليو

حدث في 5 تموز / يوليو

العاطفة المستبصرة

العاطفة المستبصرة

توفيق أحمد البساط..

توفيق أحمد البساط..

حدث في 30 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 30 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 18 أيلول / سبتمبر

حدث في 18 أيلول / سبتمبر