بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - تحقيق المقال في حكم إمامة المرأة بالرجال (ج2): بقلم: الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

الفصل الثاني

المبحث الأول: أقوال المجيزين وأدلتهم

لقد ذهب بعض العلماء الى جواز إمامة المرأة بالرجال في الصلاة، وكان قولهم خروجًا عن اتفاق جمهور العلماء حيث منعوا إمامتها بالرجال في الصلاة مطلقًا.

وممن ذهب الى هذا الرأي الأئمة: أبو ثور والطبري ومحي الدين بن عربي الظاهري وداوود الظاهري والمزني من الشافعية.

قال القرطبي: "وشذَّ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق". [بداية المجتهد 1/280].

وجاء في المجموع ما نصه: "وقال أبو ثور والمزني وابن جرير: تصح صلاة الرجال وراءها. حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري". [المجموع شرح المهذب 5/338].

وقال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي: "فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء وبه أقول". [الفتوحات المكية 1/447].

ونقل الصنعاني عن المزني وأبي ثور جواز إمامة المرأة مطلقًا فقال: "وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة". [سبل السلام 272].

ونقل الشوكاني عن المزني وأبي ثور والطبري إمامتها في التراويح إذا لم يكن هناك قارىء غيرها،  فقال: "وأجاز المزني وأبو ثور والطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن". [نيل الأوطار 598, وانظر البناية للعيني 2/329].

وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فأجاز إمامتها في النفل إذا لم يوجد قارئ وكانت قارئة. [انظر مجموع فتاوى ابن تيمية 23/248 – 249].

وسيأتي نص الحنابلة فيما يلي.

أما داود الظاهري فقد نقل الشيخ الغماري في كتابه حسن الأسوة عنه أنه يجيز إمامة المرأة بالرجال، وأن صلاتهم وراءها صحيحة.

أدلة المجيزين:

لقد اعتمد المجيزون لإمامة المرأة بالحديث الأصل في الباب وهو حديث أم ورقة، وقد ذكره عدد من الفقهاء واعتمدوه دليلاً على الجواز وهذا الحديث قد رواه عدد من المحدثين وهذا نصه:

عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت نوفل: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرًا قالت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك امرّض مرضاكم لعل الله يرزقني شهادة قال: قري في بيتك، فإن الله عز وجل يرزقك الشهادة. قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت تقرأ القرآن، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنًا لها. قال: وكانت دبّرت غلامًا وجارية، فقاما إليها بالليل فغمّاها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمر رضي الله عنه فقام في الناس فقال: مَنْ كان عنده من هذين علم أو من رآهما فليجىء بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة".

وفي رواية أخرى: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا". [رواه أبو داود, كتاب الصلاة, باب إمامة المرأة (ح 591 - 592) 107].

وجاء في رواية الحاكم: "وتؤم أهل دارها في الفرائض". [رواه الحاكم في المستدرك, كتاب الصلاة, (ح 730) 1/303].

ورواه الدارقطني بلفظ: "أذن لها أن تؤم أهل دارها". [سنن الدارقطني, باب صلاة النساء جماعة وموقف إمامهن 1/403].

ورواه ابن خزيمة بلفظ "وأذن لها أن يؤذن لها، وأن تؤم أهل دارها في الفريضة، وكانت قد جمعت القرآن" [صحيح ابن خزيمة, باب إمامة المرأة بالنساء في الفريضة (ح 1676) 3/403].

فالحديث قد تكلم العلماء في سنده. قال المنذري في تلخيص السنن: الوليد بن جميع وعبد الرحمن بن خلاد لا يعرف حالهما، قلت - القائل محمد آبادي-: ذكرهما ابن حبان في الثقات، قال العيني في شرح الهداية: فالحديث صحيح، وأما الوليد فإن مسلمًا أخرج له، وكفى هذا في عدالته وثقته. [انظر التعليق المغني على سنن الدارقطني 1/404. وقال الحاكم في المستدرك: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع, وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مستندًا غير هذا, وقال الذهبي: أحتج بالوليد. انظر المستدرك، (ح 730)].

المبحث الثاني

أقوال المانعين وأدلتهم:

اتفقت كلمة جمهور العلماء من الأئمة الأربعة - سوى رواية عند أحمد في جواز إمامتها بالتراويح لحاجة - والفقهاء السبعة على أنه لا تجوز إمامة المرأة بالرجال، وأن صلاة الرجال خلفها غير صحيحة. بل ذهب بعضهم الى عدم جواز إمامتها مطلقًا لا بالرجال ولا بالنساء، لا بالفريضة ولا بالنافلة.

قال القرطبي في بداية المجتهد: "فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال". [بداية المجتهد 1/280].

وجاء في المجموع ما نصه: "قال المصنف -الشيرازي- ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة". [المجموع شرح المهذب 5/338].

وجاء في موضع آخر ما نصه: "فإن صلى خلفها, ولم يعلم, ثم علم، لزمه الإعادة، لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة, فلم يعذر في صلاته خلفها". [المجموع شرح المهذب 5/338].

قال النووي في المجموع: "وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل, هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف -رحمهم الله- وحكاه عنهم البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين, وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود". [المجموع شرح المهذب 5/338].

قلت: وهو مذهب الهادوية. [انظر سبل السلام 272. والعترة. انظر نيل الأوطار 598].

وقال الشيخ أبو حامد: "مذهب الفقهاء كافة أنه لا تصح صلاة الرجال وراءها إلا أبا ثور والله أعلم". (المجموع 5/338].

وعند الحسن البصري ومالك أن المرأة لا تؤم أحدًا لا في فرض ولا في نفل, كذا ذكره العيني في البناية. [تحفة النبلاء 24].

والى القول بعدم جواز إمامتها مطلقًا ذهب عمر بن عبد العزيز. [الطبراني في الأوسط، نقلاً عن موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز 547].

وإليكم نقول الأئمة الأربعة في مسألة إمامتها بالرجال:

مذهب الحنفية:

1- قال المرغيناني في الهداية 1/61: "ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة أو صبي أما المرأة فلقوله صلى الله عليه وسلم: أخروهن من حيث أخرهن الله . فلا يجوز تقديمها".

2- وقال السرخسي في كتاب المبسوط 1/180-181: "إن قدم المحدث امرأة فصلاته وصلاتها وصلاة القوم كلهم فاسدة. لأن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال, قال عليه الصلاة والسلام: أخروهن من حيث أخرهن الله, فاشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له إعراض منه عن الصلاة فتفسد صلاته وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم, لأن الإمامة لم تتحول منه الى غيره".

3- وقال ابن نجيم في النهر الفائق شرح كنز الدقائق 1/251: "وفسد اقتداء رجل بامرأة بالإجماع, قيد بالاقتداء: لأن صلاة الإمام تامة على كل حال, وبالرجل: لأن اقتداء المرأة بمثلها ولو خنثى مشكلاً صحيح".

4- وقال ابن عابدين في رد المحتار 1/378: "ولا يصح اقتداء رجل بامرأة, المراد بالمرأة الأنثى الشامل للبالغة وغيرها".

5- وقال العيني في شرحه على الهداية: "يظهر من هذا كله أنه أمر بتأخيرها, وهو نهي عن الصلاة خلفها والى جانبها أيضًا, والنهي يقتضي الفساد, وهي واجبة بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}. [البناية شرح الهداية 2/329].

مذهب المالكية:

لقد ذهب المالكية الى عدم جواز إمامة المرأة مطلقـًا لا بالرجال ولا بالنساء, ولا في الفرض ولا في النفل.

1- قال مالك: "لا تؤم المرأة". [المدونة الكبرى رواية سحنون 1/207] قلت: المراد لا تؤم المرأة مطلقًا.

2- وجاء في منح الجليل شرح مختصر سيدي خليل 1/358 - 359 ما نصه: "وبطلت الصلاة بسبب اقتداء فيها أي بإمام أو الإمام الذي بان أي تبين وظهر فيها أو بعدها امرأة ولو لامرأة".

3- وقال صاحب كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني: "لا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالاً ولا نساءً, فإن ائتم بها أحد أعاد أبدًا على المذهب, فالذكورة شرط في صحة الإمامة". [حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القرواني 1/263].

4- وجاء في تبيين المسالك ما نصه: يُشترط في الإمام أن يكون ذكرًا فلا تصح إمامة المرأة ولو للنساء". [تبيين المسالك لتدريب السالك الى مذهب مالك  1/458].

5- وجاء في الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني: "ولا يصح أن تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة, لا رجالاً ولا نساء, لخبر: [لن يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة] وسواء عدمت أو وجدت". [الفواكه الدواني للنفراوي 1/238 – 239].

مذهب الشافعية:

1- قال النووي في المجموع: "واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري". [المجموع شرح المهذب 5/338].

وقال أيضًا: "ثم إذا صلت المرأة بالرجل أو الرجال فإنها تبطل صلاة الرجال, وأما صلاتها وصلاة مَنْ وراءها من النساء صحيحة في جميع الصلوات إلا إذا صلت بهم الجمعة فإن فيها وجهين". [المجموع شرح المهذب 5/338].

2- وقال الشافعي: "وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة, وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة, لأن الله عز وجل جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهن عن أن يكن أولياء وغير ذلك ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبدًا". [المجموع 5/339].

3- وقال الخطيب الشربيني: "ولا تصح قدوة ذكر رجل أو صبي مميز ولا خنثى بأنثى أو صبية مميزة ولا خنثى مشكل, لأن الأنثى ناقصة عن الرجل...". [مغني المحتاج الى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 1/365].

4- وقال الشرقاوي في حاشيته على تحفة الطلاب: "وثالثها: من لا تصح إمامته إلا لدونه وهو الخنثى فتصح إمامته للأنثى لا لرجل لنقصه عنه" ثم قال: "ورابعها: مَنْ لا تصح إمامته إلا لمثله وهو الأنثى. [حاشية الشرقاوي 1/246].

5- وقال الحصني في كفاية الأخيار: "لا يصح اقتداء الرجل بالمرأة" ثم قال: "ولأن المرأة عورة وفي إمامتها بالرجال فتنة". [كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار 1/261].

مذهب الحنابلة:

ذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المشهور عنه الى جواز إمامتها بالرجال في النافلة لحاجة ولكنها تتأخر عنهم, وذهب البعض الآخر الى عدم جواز إمامتها.

1- قال ابن قدامة: "المرأة يجوز أن تؤم النساء لما تقدم, ولا يجوز أن تؤم رجلاً ولا خنثى مشكلاً في فرض ولا صلاة نفل, لقوله عليه الصلاة والسلام: [لا تؤمن امرأة رجلاً] ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز لها أن تؤمهم كالمجنون" [الكافي 120]، وقال أيضًا: "وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء". [المغني ومعه الشرح الكبير 2/33].

2- وجاء في حاشية الروض المربع: "ولا تصح صلاة رجل وخنثى خلف امرأة". [حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع 2/312].

3- وجاء في العدة شرح العمدة ما نصه :" ولا تصح إمامة المرأة بالرجال". [العدة شرح العمدة 96].

4- قال ابن تيمية :" جوّز أحمد على المشهور عنه أن تؤم المرأة الرجال لحاجة مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلي بهم التراويح كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها , وجعل لها مؤذنـًا , وتتأخر خلفهم , وإن كانوا مأمومين للحاجة وهو حجة لمن يجوّز تقدم المأموم لحاجة هذا مع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : [ لا تؤمن امرأة رجلاً ] وإن المنع قول عامة العلماء". [مجموع فتاوى ابن تيمية 23/248 – 249].

5- وقال ابن الجوزي ما نصه :" وتصح إمامة المرأة للرجال في موضع واحد وهي في صلاة التراويح , وإذا كانت المرأة تحفظ القرآن والرجال لا يحفظون إلا أنها تقف وراءهم فيتقدمونها في الموقف وتتقدمهم في الأفعال". [أحكام النساء 21].

أدلة المانعين:

استدل المانعون من إمامتها بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وغير ذلك من الأدلة, فإنه من المعلوم أنه "لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز إمامة المرأة بالرجل أو الرجال شيء, ولا وقع في عصر الصحابة والتابعين من ذلك شيء, وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوفهن بعد صفوف الرجال, وذلك لأنهن عورات وائتمام الرجل بالمرأة خلاف ما يفيده هذا, ولا يقال الأصل الصحة, لأنا نقول: قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من هذه الأمور وهذا من جملة الأمور بل هو أعلاها وأشرفها فعموم قوله صلى الله عليه وسلم: [لا يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة] كما في الصحيحين وغيرهما يفيد منعهن من أن يكون لهن منصب الإمامة في الصلاة للرجال". [السيل الجرار 1/25].

أولاً: الأدلة من الكتاب:

1- {الرجال قوامون على النساء}. [النساء الآية 34].

قال القرطبي: "فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو وليس ذلك في النساء" [تفسير القرطبي 5/147].

قلت: فإن الله قدم الرجال على النساء وجعل القوامة له ومن هذا التقدم أن يتقدم عليها في الأمور الدينية من باب أولى, فمَنْ قدم امرأة فقد أعطاها القوامة عليه فيكون بذلك قد خالف النص القرآني.

2- {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. [محمد الآية 32].

وجه الاستدلال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب] [صحيح مسلم, كتاب الصلاة, باب قدر ما يستر المصلي (ح511)].

 يظهر من هذا كله أنه أمر بتأخيرهن وهو نهي عن الصلاة خلفها والى جانبها أيضًا لأن بتقديمها فساد الصلاة وفي تأخيرها صيانة للصلاة عن الفساد وهي واجبة بنص الآية الكريمة ". [انظر البناية في شرح الهداية 2/329، والمحلى 3/136].

3- {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}. [النساء الآية 32].

قلت: وجه الاستدلال: أي لا يتمنى النساء ما خص الله به الرجال من الإمامة والقوامة والإمارة والقضاء وغير ذلك... وكذا لا يتمنى الرجال ما خص الله به المرأة من خصال تتناسب مع طبيعتها.

ثانيًا: الأدلة من السنة الشريفة:

1- [ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن]. [البخاري, كتاب الزكاة, باب الزكاة على الأقارب. ومسلم, كتاب الإيمان, باب زيادة الإيمان]...

وجه الاستدلال: "أن الإمامة يشترط فيها الكمال في الدين والعقل وهو مفقود من المرأة بنص الحديث, والرجل أكمل عقلاً ودينًا". [انظر حسن الأسوة 21].

2- [لا تَؤمن امرأة رجلاً]. [رواه ابن ماجه, كتاب الصلاة والسنة فيها, باب فرض الجمعة (ح 1081)].

ففي الحديث دلالة واضحة على أن المرأة لا تؤم الرجل. [نيل الأوطار 598].

 ووجه الاستدلال أن المرأة عورة فربما تشوش الأمر على الرجل فيكون سببًا لفساد صلاته, وصيانتها واجبة لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ولأنها ليست من أهل الكمال فأشبهت الصبي, ومن المعلوم أن في إمامتها بالرجال فتنة". [انظر كفاية الأخيار 1/261, والعدة شرح العمدة 96].

3- [أخروهن من حيث أخرهن الله]. [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه والطبراني].

وجه الاستدلال: "أن كلمة حيث عبارة عن المكان, ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة فالمأمور بالتأخير الرجال, فإذا حاذت الرجل امرأة فسدت صلاته دون صلاتها لأنه ترك ما هو مخاطب به" [عمدة القاري شرح صحيح البخاري 5/261, وانظر البناية 2/328].

و"قيل يجوز أن تكون حيث للتعليل يعني كما أخرهن الله تعالى في الشهادة والإرث والسلطنة وسائر الولايات". [البناية 2/328].

4- [ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ]. [مسلم, كتاب المساجد ومواضع الصلاة , باب مَنْ أحق بالإمامة].

وجه الاستدلال: قال القاضي عياض: "هذا الحديث حجة في أن المرأة لا تؤم, لأن لفظ "القوم" يختص بالذكورة بدليل قوله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء} ففصل بين النساء والقوم". [تبيين المسالك لتدريب السالك الى مذهب مالك 458 – 459].

5- [لن يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة]. [البخاري, كتاب الفتن, باب الفتنة التي تموج موج البحر].

قال الصنعاني: "وفيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئًا من الأحكام العامة بين المسلمين" [سبل السلام 882].

وقال أيضًا: "وإمامة الصلاة أعظم الأمور والحديث إخبار عن عدم فلاح مَنْ ولي أمرهم امرأة, وهم منهيون عن جلب عدم الفلاح لأنفسهم بل مأمورون باكتساب ما يكون سببًا للفلاح". [سبل السلام 882].

6- [خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها, وخير صفوف النساء آخرها وشرها أوّلها]. [صحيح مسلم, كتاب الصلاة, باب تسوية الصفوف وإقامتها، (ح 440)].

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل خير صفوف النساء آخرها صيانة لهن من الفتنة وقطعًا لذريعة الافتتان بهن من جميع الوجوه, فكيف يجوز لها التقدم لإمامة الرجال في المحافل العامة, لقد علم بالضرورة من دين الإسلام أن سنة النساء في الصلاة التأخير عن الرجال. قال أشرف التهانوي: "وجه دلالته... أن إمامتها تستلزم تقدمها على الصفوف, وقد منع في الحديث كما ترى فتكون إمامتها ممنوعة". [إعلاء السنن 4/234].

7- [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ]. [البخاري, كتاب الصلح, باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. ومسلم كتاب الأقضية, باب الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور].

أي مردود على صاحبه لا يقبل منه, وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محدثات الأمور, فقال عليه الصلاة والسلام: [إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة] [مسند أحمد]. فالعبادات كما قرر عامة الفقهاء توقيفية وهذا بخلاف أمور المعاملات وشؤون الحياة, فالقاعدة الإسلامية هي: "الاتباع في أمر الدين, والابتداع في شؤون الدنيا". [مقال للشيخ يوسف القرضاوي بعنوان: "إمامة المرأة للرجال"، نشر على موقع إسلام أون لاين. نت. بتاريخ 16 آذار 2005، (بتصرف)].

8- [صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها]. [أبو داود, كتاب الصلاة].

قلت: وجه الاستدلال: أن أفضلية صلاة المرأة يكون في بيتها لأن أمرها مبني على الستر وفي إمامتها بالرجال مخالفة لنص الحديث الشريف.

9- [هلكت الرجال حين أطاعت النساء]. [مسند أحمد. والحاكم وقال صحيح الإسناد].

وجه الاستدلال: قال أشرف التهانوي: "دلالته ظاهرة حيث عدّ إطاعة النساء هلاكة للرجال, فكانت ممنوعة, ولا يخفى أن إمامتها للرجال تستلزم كونها مطاعة لهم". [إعلاء السنن، 4/234].

10- [المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان]. [الترمذي في كتاب الرضاع, باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات (ح 1173) 2/230، وقال حديث حسن غريب].

وجه الاستدلال: قال أشرف التهانوي: "دلّ الحديث على كون المرأة عورة, ولا يخفى أن تقدمها أمام الرجال ينافي ذلك, ولا يذهب عليك أن جميع ما ذكرنا من الدلائل لا تدل بصراحتها على بطلان صلاة الرجال خلف النساء, ولكن المجتهدين استنبطوا بذوقهم فساد صلاة الرجال خلفهن". [إعلاء السنن، 4/234].

قلت: هذا بالإضافة الى الأحاديث التي وردت بغض البصر.

ثالثًا: الإجماع:

لقد نقل الإجماع على عدم جواز إمامة المرأة بالرجال عدد من العلماء الأجلاء منهم:

1- ابن عبد البرّ في الاستذكار فقال ما نصه: "وأجمع العلماء على أن الرجال لا يؤمهم النساء". [الاستذكار 2/79].

2- وأشار ابن الهمام في فتح القدير في بحث المحاذة الى أن الإجماع على عدم جواز إمامة المرأة للرجل". [تحفة النبلاء 24].

3- ونقل أشرف التهانوي الإجماع عن رحمة الأمة, فقال: "لا تصح إمامة المرأة بالرجال في الفرائض بالاتفاق". [إعلاء السنن 4/235].

4- ونقل ابن حزم اتفاق العلماء على منعها من إمامة الرجال, فقال: "ولا يجوز أن تؤم المرأة الرجل ولا الرجال , وهذا مما لا خلاف فيه"، ثم قال: "يثبت بطلان إمامة المرأة للرجل والرجال يقينًا". [المحلى 2/167].

رابعًا: القياس:

قاس المانعون لإمامة المرأة في الصلاة على الإمامة الكبرى فكما أنه لا يجوز لها أن تكون خليفة تقوم بشؤون الأمة وتتولى تسيير أمورها كذلك لا يجوز أن تكون إمامة بالرجال في الصلاة, ومعلوم أن المرأة لا يجوز لها أن تكون خليفة على الرجال في أمر دنيوي فمن باب أولى لا يجوز لها أن تقوم على الرجال في أمر ديني, وعندما ذكر الماوردي صفات الإمام المعتبرة قال: "أن يكون رجلاً". [الأحكام السلطانية 129].

خامسًا: سد الذّرائع:

"دليل سدّ الذرائع من الأدلة المعتبرة عند علماء الأصول فتجنبًا لأي فتنة جعل الشرع الإمامة والأذان والإقامة للرجال حتى يركز الرجل في صلاته فكره ووجدانه في توثيق صلته بربه, ولا يشطح به الخيال خارج الدائرة الإيمانية إذا تحركت غريزته البشرية التي لا دافع لها, وهذه الأحكام شرعية ثابتة بأحاديث صحيحة ومستقرة بإجماع المسلمين المتصل بعملهم خلال القرون الماضية وفي جميع المدارس والمذاهب, وليس مجرد عادات وتقاليد كما قيل". [انظر مقال الشيخ القرضاوي: "إمامة المرأة للرجال"، نشر على موقع اسلام أون لاين. نت].

سادسًا: القاعدة الفقهية:

القاعدة الفقهية: "الأصل في العبادات هو الحظر والمنع" فهذا معلوم لدى كافة العلماء إلا بما أذن به الشرع بنصوص صحيحة صريحة حتى لا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله, فليس للناس أن ينشؤوا عبادة أو يزيدوا فيها أو يدخلوا عليها صورًا وكيفيات من عند أنفسهم وبمجرد استحسان عقولهم, ومَنْ أدْخل في الدين أو زاد عليه ما ليس منه فهو مردود عليه, والإمامة من المسائل التعبدية حيث لا مجال للرأي والاجتهاد وإنما ينبغي التوقف فيها. [انظر مقال الشيخ القرضاوي: "إمامة المرأة للرجال"، نشر على موقع اسلام أون لاين. نت].

سابعًا: العقل:

إذا كانت المرأة تترك الصلاة مدة حيضها فكيف تصلح للإمامة؟! وإذا سلمنا جدلاً بصحة خلاف مَنْ خالف وأجاز إمامتها فما شأن صلاة الجمعة وخطبتها وليس في القرآن ولا في السنة دليل ولو ضعيف على جواز أن تخطب امرأة الجمعة وتصلي بالناس وكذا أذانها في مسجد جامع, ومن المسلمات التي لم يقع فيها خلاف عدم وجوب الجمعة على النساء وعدم وجوب الجماعة عليهن, ولم يثبت أن امرأة واحدة عبر التاريخ الإسلامي قد أقدمت على هذا الفعل أو طالبت به على مدى هذه العصور المتعاقبة من عمر الإسلام لا في عصر النبوة ولا في عصر الخلفاء الراشدين ولا في عصرالتابعين ولا فيما تلا ذلك من العصور حتى في بعض العصور التي حكمتهم امرأة مثل: شجرة الدر في مصر المملوكية.

الفصل الثالث:

المبحث الأول: مناقشة المجيزين والمانعين

أقول بعد هذا كله - أرى والله تعالى أعلم - أن النقل عن الأئمة المجيزين غير ثابت بل لم أجد -مع قصوري- من عزا الكلام الى مصدر ما وإنما نرى العلماء يقولون حُكي عن فلان أو شذ فلان, فعلى سبيل المثال لم يُذكر في كتب الشافعية أن المزني ممن خالف الشافعي في هذه المسألة. ولو رجعنا الى كل إمام نقل عنهم الجواز نجد أن النقل عنهم مضطرب بل قد نجد عدم صحة النقل أصلاً.

- أما المزني: فقد نقل القرطبي عنه الجواز مطلقًا كما سبق وذكرت.

ولكننا لو عدنا الى مختصر المزني نجده يقيد صحة الصلاة خلفها بحال لم يعلم بحالها. وها هو نص كلام المزني في المختصر: "والقياس أن كل مصل خلف جُنُب و امرأة ومجنون وكافر تجزئه صلاته إذا لم يعلم بحالهم, لأن كل مصل لنفسه لا نفسد عليه صلاته بفسادها على غيره". [مختصر المزني, باب اختلاف نية الإمام والمأموم 8/116].

- ونقل الصنعاني عن المزني وأبي ثور جواز إمامتها مطلقـًا ثم إن الشوكاني نقل عن المزني وأبي ثور والطبري إمامتها في التراويح إذا لم يكن هناك قارئ, فالصنعاني نقل الجواز مطلقًا والشوكاني نقل الجواز مقيدًا"..

- وأما داود الظاهري: فقد نقل الغماري في حسن الأسوة عنه الجواز, ولو عدنا الى المجموع نجد أن النووي نقل عنه المنع, فهو متفق مع الجمهور على ذلك. وهكذا نرى التعارض في النقل. والله تعالى أعلم.

- وأما الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي: فقد أجاز إمامتها كما في الفتوحات لكن من المعلوم أن الفتوحات المكية قد دُسَّ فيها الكثير, فالله تعالى أعلم إذا كان القول بالجواز ثابتًا عنه أم مدسوسًا عليه.

أما حديث أم ورقة فالردّ عليه من وجوه:

1- في سنده مقال لأنه من رواية الوليد بن جميع وعبد الرحمن بن خلاد, قال فيهما ابن القطان: لا يعرف حالهما.

2- وفيه مقال من حيث روايته إذ روي بلفظ "أهل دارها" ولهذا فيه احتمال دخول الرجال.

3- ويحتمل أن يكون هذا خاصًا بأم ورقة, حيث لم يرد خبرٌ أو أثرٌ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز لغيرها أن تؤم الرجال.

وبعد هذا كله نخلص الى القاعدة الأصولية التي تقول: "أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال". وبالله التوفيق.

مناقشة المانعين:

مما لا شك فيه أن بعض الأدلة التي استدل بها المانعون لا يصلح أن يكون دليلاً, فعلى سبيل المثال : استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" استدلال ضعيف لأن بعض النساء قد أعطاهن الله الكمال كما ورد في الحديث: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع" [البخاري] . وذكر منهن السيدة فاطمة رضي الله عنها, فرب قائل: هل تصلح السيدة فاطمة رضي الله عنها للإمامة؟! وذلك لأن الله قد أعطاها الكمال فهي تساوي الرجال بنص الحديث. أقول: وكذا دلالة بعض الآيات على المنع ضعيفة, وقد قال الشيخ أشرف التهانوي: "ولا يذهب عليك أن جميع ما ذكرنا من الدلائل لا تدل بصراحتها على بطلان صلاة الرجال خلف النساء, ولكن المجتهدين استنبطوا بذوقهم فساد صلاة الرجال خلفهن". [إعلاء السنن 4/234].

قلت: ولكن هناك أدلة احتج بها المانعون واضحة الدلالة على المنع وإن كان العلماء تكلموا على سندها ولكن بعضها يقوي البعض الآخر حتى تصلح دليلاً حيث إننا لم نجد أدلة للمجيزين تقف في وجه أدلة المانعين. كيف وقد اعتضد رأيهم بالإجماع وفهم العلماء للآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. ويكفي ذلك حجة على المجيزين.

المبحث الثاني: الترجيح:

نقول بعد هذا كله: إن ما ذهب إليه المانعون هو الأرجح لقوة أدلتهم من حيث مجموعها واتفاق المجتهدين على منع المرأة من الإمامة بالرجال, ولا عبرة بكلام المخالف فهي أقوال شاذة لا يصح الإفتاء بها, فكل مَنْ نقل الجواز أو رده بصيغة حكي أو شذ. ومن المعلوم أن الإفتاء بالقول المرجوح أو الضعيف لا يجوز. وإنما الفتوى تكون على القول الراجح من أقوال العلماء.

الخلاصة:

1- القول الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الى منع إمامتها بالنوافل.

2- انعقد الإجماع على عدم جواز إمامتها في الفرائض إلا ما كان من الطبري, وقد تعارض النقل عنه, وإن صح النقل فلا عبرة بقوله.




من أرشيف الموقع

مسجد صلاح الدين

مسجد صلاح الدين

أغلى ممثلة تلفزيونية في العالم

أغلى ممثلة تلفزيونية في العالم

حكم نكاح المُحَلِّل (2) [20]

حكم نكاح المُحَلِّل (2) [20]

الحلاق أديب مرضعة  صيدا القديمة

الحلاق أديب مرضعة صيدا القديمة

كذبت يامسيلمة

كذبت يامسيلمة

يوسف عبد القادر الأسير

يوسف عبد القادر الأسير