بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - وفيق مصطفى الراعي

محمد دهشة

يقبض وفيق مصطفى الراعي (80 عاما) آخر رعيل الكوي في صيدا على مكواه القديمة كمن يقبض على الجمر، منذ سبعة عقود وهو يمارس مهنة تنظيف وكي الثياب في رحلة عمل لم تنتهي بعد.. تنقل فيها بين لبنان والكويت وبين احياء صيدا القديمة الى ان استقر منذ اربعين عاما في محله المتواضع في محلة البوابة الفوقا.. قبالة قلعة صيدا البرية ليبقى شاهدا على مهنة تكاد تنقرض بمفهومها القديم امام المصابغ ومحال التنظيف والكوي الفاخرة.

داخل محل " أبو حسن" الذي اطلق عليه اسم "الاهرام" ما زالت الات الكوي القديمة شاهدا على العصر الغابر قبل ان تتطور المهنة كما مختلف وجوه الحياة ولكن حافظت على قدمها كتراث تدل على تاريخ المهنة وخبرة محترفها معا، فيه الدراع الذي يتم عليه كي العديد من الثياب على الغاز، بعد أن كان على " البريموس" أو "البابور " و" الكاز " ويسمى " الأخرس " بالإضافة إلى مكواة قديمة مؤلفة من المعدن وصب الرمل لم تكن موجودة في لبنان بل استقدمها من مصر و" البريس" الذي من خلاله يتم كي أنواع مختلفة من الملابس وذلك حسب قماش كل منها.

ويقول الراعي " لقد تعلمت المهنة منذ نعومة أظافري، كان عمري عشر سنوات، وما زلت احترفها منذ سبعة عقود بعدما تعلمتها على يدي معلمي المرحوم نور الصباغ، كويت الملابس على مكواة الفحم وبقيت عنده 19 عاما، قبل ان اسافر إلى الكويت مكافحا وعاملا من أجل كسب الرزق الحلال، فعملت في شركة "الكات البستاني" في الأحمدي والشويخ مدة 9 سنوات وبعدها عدت إلى لبنان.

واضاف "عدت وفتحت محلا لكي الملابس في حي "المصلبية" داخل أحياء صيدا القديمة، ومن ثم إنتقلت إلى هذا المحل في البوابة الفوقا، وما زلت فيه الى اليوم اسعى وراء قوت اليوم بعدما تزوجت وأنجبت ثلاثة اولاد وفيق (على إسمي) ويعمل في التكييف والتبريد، محمد طالب وعلي عامل مياوم، حتى الان لم أعلم أي منهم هذه المهنة لانها لم تعد " تفتح بيوت" او تسد رمق العيش كما كانت في السابق.

ذكريات.. ودعابة

ويستعيد الراعي ذكرياته الخوالي، فيقول " لا يمكننا أن ننكر مكواة الفحم، تلك الآلة التراثية القديمة، إذ كانت تكوى بها الملابس عبر رفع الغطاء المتصل بالمقبض بوضع الجمر في داخلها وتغطيتها، تختبر درجة حرارة المكواة بتمريرها فوق قطعة من القماش المبلل حتى لا تحترق الملابس، أما إذا بردت فيتم زيادة كمية من الفحم، يعني كي الملابس كان حكاية تستغرق وقتا أضعاف الوقت الحالي وتحتاج الى خبرة " قبل ان يضيف " لكل نوع من القماش طريقة اعتمد عليها للحفاظ على رونقه، فمثلا الأنسجة الصوفية، فالصوف وبر دقيق يحترق بالحرارة الشديدة، لذلك، فإنه يكوى بمكواة هادئة جدا قبل أن يجف، وعلى الوجه إذا كان فاتح اللون أو أبيض وعلى الظهر إذا كان قاتما أو أسودا، أما إذا كان جافا فالأفضل أن توضع فوقه قطعة من "الشاش" مبللة بالماء، ويضغط عليه جيدا حتى يأخذ النسيج شكله المطلوب، وإذا ظهر أي لمعة من أثر المكواة توضع عليها قطعة من الشاش المبلل، ويمرر عليها بالمكواة بسرعة قبل أن يجف القماش، فتزول آثار اللمعة، أما إذا كان غرز النسيج من النوع البارز فيكوى بوضع منشفة عليه".

وبروح الدعابة، يؤكد الراعي الذي يحتفظ داخل محله بالكثير من الصور والذكريات " الكثير من الثياب راحت ضحايا من لا يجيد الكي المتقن" قبل ان يردف " ان غالبية الأقمشة القديمة كانت من القطن والخامات الطبيعية ولم يدخل فيها السلك (سريع الاحتراق) المنتشر الآن، وكان يوضع في الجزء العلوي منها فحم محترق، فتنتقل الحرارة من الفحم الحار إلى الجزء المعدني، فيسهل عملية تمليس الثياب.

أدوات.. وخبرة

وتمتد رحلة ادوات العمل من مكواة الفحم الى المكواة الكهربائية التي اخترعت بعد وقت قصير على يد الأميركي سيلي وكان حجمها كبيرا وثقيلة الوزن، لكن مع تطور الصناعات أصبح وزنها خفيفا، وظهرت منها أشكالا وأنواعا عديدة، وما لبثت المكواة البخارية أن اخترعت بعد أقل من نصف قرن.

ويقول الراعي الفرق بين الاثنين ان المكواة الكهربائية يصل التيار الكهربائي إلى سلك موجود فوق أرض المكواة المعدني، فتنتقل الحرارة من السلك إلى الأرض (والسلك مغطى بمادة عازلة كي تمنع الاحتراق والتكهرب، أما المكواة البخارية، فهي تعمل أيضاً بنفس مبدأ المكواة الكهربائية، ولكن يوجد في أرضيتها فتحات يصل إليها الماء المضاف إلى المكواة من خزان المياه الموجودة داخل المكواة، عندما يلامس الماء الأرضية الساخنة يتحول إلى بخار ماء، وهذا يقوم بتسهيل عملية الكي وإسراعها.

حكمة الحياة

ولا تقتصر مهنة المعلم " أبو حسن" على كي الملابس فقط، بل على تفصيل الملابس، ورتيها والخياطة بشكل عام وصبغها أيضا وقبل كل شيء تنظيفها ويتقاضى اليوم على القطعة ثلاثة الاف ليرة لبنانية فقط، وبين إنتظار زبون وآخر اي في أوقات فراغه وبشكل متقطع من النهار يشرب نرجيلته تحت شجرة يستظل بفيئها، ليخلص الى حكمته " لكل مهنة سر.. وكل إنسان يأخد رزقه " في اشارة واضحة الى بقائه صامدا في وجه الاقفال والانقراض امام تطور المصابغ الحديثة ومحال التنظيف.




من أرشيف الموقع

الفيديراليّة على نارٍ هادئة

الفيديراليّة على نارٍ هادئة

كيّلو.. محمد نضر (بحر العيد)  قديما

كيّلو.. محمد نضر (بحر العيد) قديما

الدكتور رياض محمد شهاب

الدكتور رياض محمد شهاب

سوق البياطرة

سوق البياطرة

توفيق أحمد البساط..

توفيق أحمد البساط..