بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - لُغَةُ الضَّادِ فِي يَوْمِهَا العَالَمِيِّ / بقلم الدكتور محمد فؤاد ضاهر

الدكتور محمد فؤاد ضاهر/ بوابة صيدا

شهدت رياض الأطفال والمدارس والجامعات ومُختلِف الحواضن التربوية والتعليمية هذا الأسبوع احتفاءً عظيمًا بلغتنا هُوِيَّتنا، لمصادفة اليوم العالَميِّ للغة العربية في الثامن عشر من الشهر الجاري.

وبهذه المناسبة الكريمة نؤكِّد أهميَّةَ اللغة العربية وضرورةَ أن نعاهد أنفسنا وأن نتابع أجيالنا الصَّاعدة في تعلُّمها بل إتقانها؛ فهي لغة الوحي إذ بها نزل القرآن الكريم وبها دُوِّن الحديث النبوي الشريف، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ العالَمينَ  * نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنذِرينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ * وَإِنَّهُ لَفي زُبُرِ الأَوَّلينَ} [الشعراء: ١٩٢-١٩٦]. والعربية لغة المراسلات الرسمية والقوانين الدَّوْليَّة لدى المحاكم الشرعية والمدنية والجزائية، وبها كُتبت دساتير الدول العربية، كي تُحفظ هذه القومية وهذا الدين.

إنَّ لغتَنا لغةٌ عالَميَّة حيَّة، قادرة على مواكبة التطوُّر والتكنلوجيا، فالعربية لغةُ العلم والهندسة والطِّبِّ... ولو عدنا إلى مَعاجمنا المطبوعة لوجدناها تحتوي على أكثر من ثمانين ألف جذر عربي، كلُّ مادَّة يُشتَقُّ منها عشر ألفاظ، لذلك يمكنني أن أقول - وبلا أدنى شك وارتياب-: العربية أوسع لغات العالَم، قال الإمام المطَّلبيُّ محمد بن إدريس الشافعيُّ: "ولسانُ العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غير نبيٍّ، ولكن لا يذهب منه شيء على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه".

فهي عن حقٍّ وحقيقة بحر محيط، ورحم اللهُ العلاَّمةَ الفِيروزَاباديَّ وهو أعجميٌّ إذ صنَّف للعرب والمسلمين كتابًا يحفظ عليهم فيه لغتَهم أسماه: "القاموس المحيط".

من هنا، وبهذه المناسبة الكريمة، مناسبة الوعظ والإرشاد، ووضع النقاط على الحروف، ومن على منبر الجمعة الشاهد والمشهود، أدعو إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي، من تلاميذ وطلاب ومثقَّفين، في مختلف المراحل العمرية والتعلُّمية، أن يتعرَّفوا إلى لغتهم الأمِّ، وأن يتذوَّقوا هذه اللغة الإعجازية، ثمَّ يعتزُّوا بها ليشعروا بصدق الانتماء، وأن يتحدَّثوا الفصحى ويتكلَّموا العربية رشيقةً سليمةً.

فلا داعي لاعتماد الحروف اللاتينية في المحادثات على نوافذ التواصل الاجتماعية، أو ما يُعرَف بالأرابيز، فهذا تهجين للغة؛ الهُوِيَّة والانتماء والوطن لمن لا وطن له.

يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلَّموا العربية؛ فإنَّها من دِينكم". وكتب إلى عامله على العراق أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "تفقَّهوا في السُّنَّة، وتفقَّهوا في العربيَّة، وأَعْرِبُوا القرآن؛ فإنَّه عربيٌّ".

يتجلَّى لنا من توجيه أمير المؤمنين أمران: الدعوة إلى فِقه العربية، والدعوة إلى فِقه الشريعة. لأنَّ الدِّين فيه فقه أقوال وأعمال؛ ففقه العربية هو الطريق إلى فقه الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريق إلى فقه الأعمال.

بكلِّ موضوعيَّة وتجرُّد أقول: لا يَستغني عن العربية أحدٌ قط، حتى إنَّ أمريكا -بعظمتها وتقدُّمها في الحقول المعرفية والحداثة والمعلوماتية والتكنلوجيا- تداركت موقفها وشرعت تكتب أرشيفها بالعربية. فليت شِعري، متى تستفيق مؤسَّساتُنا وتبادر برامجُنا وتتدارك مناهجُنا التربوية والتعليمية هذه القضية الحسَّاسة، فيلتزمون اللغةَ العربية، وتتبنَّاها وسائل إعلامنا وتعود إلى سابق عهدها وتعتمد الفصحى في تقديم برامجها كما كانت من ذي قبل، فللإعلام أعظمُ دور وأخطره في توعية المجتمع وتثقيف الناس وتوجيههم الوجهة الصحيحة.

ونأمل ونرجو وندعو أن لا يكون للعربية يومٌ في العام، بل أن تكون طيلةُ أيَّام العام أيَّامًا عربية فصيحة، نقدِّم فيها أسمى ما يتمنَّى آباؤنا وأمَّهاتنا، أساتذتنا وعلماؤنا، موجِّهونا ورعاتنا. نحتاج أن نعلِّم أبناءنا اللغة العربية سليقةً سليمةً لتستقيم ألسنتُهم، ويحلو منطقهم، وتصطلح بها أخلاقهم، ونفهم عن الله كلامه، ونعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مراده.

وأرجوك رجاء حارًّا كي تخرج من هذه الخطبة وأنت مليء، أن ترجع إلى نحو قول الله تعالى: {وَالسَّماءَ بَنَينها بِأَييدٍ وَإِنّا لَموسِعونَ} [الذاريات: ٤٧]، ثم تنظر نظرتين:

الأولى: نظرة إعجازية حول الإشارات الكونية في الآيات القرآنية، واسمع إلى الدكتور زغلول النجار وغيره من الكبار الموثوق بهم يشرحون المقصود من قوله تعالى: {وَإِنّا لَموسِعونَ}.

والنظرة الثانية: أن تتأمَّل الأسرار البيانية واللطائف العربية في الرسم العثماني للمفردات القرآنية لماذا رُسمت كلمة ﴿بِأَييدٍ﴾ بياءين اثنين؟ واعلم أنَّك لو لم تخرج إلاَّ بدافع الفضول والتطلُّع والمعرفة، بأن تقودك ثقافتك وحبُّ العربية لتبحث عن هذه الآية فقط؛ لكان ذلك أداءً طيِّبًا لجزء من حقِّ العربية علينا.

عشتم وعاشت العربية لغة الدين والوطن والقيم والأخلاق مصدرًا للإلهام ومنبرًا للسلام ومنبعًا للمحبة والوئام.




من أرشيف الموقع

حدث في 11 كانون الثاني / يناير

حدث في 11 كانون الثاني / يناير

حدث في 19 كانون الثاني / يناير

حدث في 19 كانون الثاني / يناير

طالب طالب سعديه

طالب طالب سعديه