خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
صفحات من التاريخ

بوابة صيدا - بالذكرى 35 لقتله إسرائيليين ما زال سؤال المصريين بلا إجابة.. من قتل سليمان خاطر؟

إعلانات

(دعاء عبد اللطيف ـ الجزيرة)

على حدود الوطن، كان الجندي المصري سليمان خاطر حاضرا بسلاحه.. لم يكن غازيا، ولم يتسلل قرب مضاربهم أو يحوم وراء التخوم، ولم يمد يدا لثمار الكروم، ولم يطأ ما يقولون إنها أرضهم، هو فقط أراد ألا يكون مسخا من ضمن المسوخ؛ لكن "كل شيء تحطم في لحظة عابرة" كما قال الشاعر أمل دنقل في قصيدته الشهيرة "لا تصالح".

مع غروب شمس 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 1985، حلت اللحظة العابرة التي سيسود بعدها الظلام، عندما أفرغ الرقيب سليمان خاطر رصاص بندقيته صوب مجموعة من الإسرائيلين حاولوا تخطي نقطة حراسته في منطقة رأس برقة (جنوب سيناء).

اعتقد الجندي ذو 24 ربيعا وقتئذ أن المعاهدات تبرم بين ندين، وأن من يتجاوز عليه أن يتحمل الثمن، لذلك سلّم نفسه للسلطات مقرا ومؤمنا بما فعله، وما كان يدري أن الرصاص سيأتيه من الخلف في زمن السلام.

وبعد عام و3 أشهر نشرت الصحف خبر انتحار سليمان بمشفى السجن الحربي، وسط شكوك واسعة حول الطريقة التي انتهت بها قصته.

ورغم مرور 35 عاما ظلت قصة سليمان خاطر عالقة في الوجدان المصري مع سؤال ليست له إجابة قاطعة "من قتل خاطر؟".. هل قتله وهم الندية أم جسارة الوطنية؟ وهل أودى بحياته رصاص السلطة أم العدو أم رفاقه الذين فضوا التظاهرات المطالبة بالإفراج عنه ليقتله الصمت الذي كبل ألسنة المصريين لعقود طويلة؟

من هو خاطر؟

داخل بيت ريفي بسيط بقرية أكياد في محافظة الشرقية، ولد سليمان محمد عبد الحميد خاطر عام 1961؛ أي أن بداية تفتحه على العالم تزامنت مع هزيمة 1967، وهو في عمر 6 سنوات.

ولم يكن الطفل سليمان يدرك معنى كلمة الاستنزاف عندما كان في 9 من عمره؛ لكنه رأى دماء 30 طفلا من تلاميذ مدرسة قرية بحر البقر -المجاورة لقريته- التي قصفها الطيران الإسرائيلي، في أبريل/نيسان عام 1970 خلال ما عرف في ذلك الوقت بـ"حرب الاستنزاف".

كبر الولد وكبرت معه معانٍ أخلاقية كثيرة من ضمنها التضحية والولاء، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بالخدمة العسكرية الإجبارية، وجاء تجنيده في وزارة الداخلية ضمن قوات الأمن المركزي.

وفي الأيام الأخيرة لتجنيده، وأثناء قيامه بنوبة حراسته المعتادة في منطقة رأس برقة (جنوب سيناء) في النقطة "46" فوجئ سليمان بمجموعة من الإسرائيليين يحاولون تسلق الهضبة، التي تقع عليها نقطة حراسته، والتي يصل ارتفاعها لنحو 15 مترا.

حذرهم بالإنجليزية من التقدم داخل المنطقة العسكرية المحظورة، وكرر صياحه 3 مرات غير أنهم واصلوا سيرهم، فأطلق طلقات رصاص تحذيرية إلى السماء لكنها لم تجد استجابة، ما جعله يصوب سلاحه ناحيتهم ليقتل 5 ويصيب 7 آخرين.

قالت إسرائيل، ووافقتها السلطة المصرية، إن من بين القتلى أطفال، وإنهم كانوا سائحين، بينما أكد خاطر في التحقيقات وخلال حوار صحفي أنه لم ير أي أطفال، وأن أصغرهم كان يقاربه في الطول، إلى جانب ذلك فرأس برقة ليست منطقة ذات طبيعة سياحية كي يقصدها السائحون.

محاكمة الولاء للوطن

نفذ سليمان الأوامر العسكرية بمنع أي شخص من الاقتراب من النقطة العسكرية، التي يتولى حراستها، وعلى ذلك سلم نفسه طواعية إلى السلطات بعد قتله للإسرائيليين المعتدين غير أنه فوجىء بصدور قرار جمهوري بتحويله إلى محاكمة عسكرية.

ورغم أنه كان مجندا تابعا لقوات الشرطة ما يعني أن محاكمته يجب أن تكون مدنية وفقا لنص الدستور، غير أنه حوكم عسكريا، وصدر ضده حكم بالسجن 25 عاما، في 28 ديسمبر/كانون الأول 1985.

خلال التحقيقات قال الجندي المصري "أنا راجل واقف في خدمتي، وأؤدي واجبي، وفي أجهزة ومعدات ما يصحش حد يشوفها، والجبل من أصله ممنوع أي حد يطلع عليه سواء مصري أو أجنبي، دي منطقة ممنوعة وممنوع أي حد يتواجد فيها، وده أمر وإلا يبقى خلاص نسيب الحدود فاضية، وكل اللي تورينا جسمها نعديها".

ونقلت صحف المعارضة مقولة نسبتها لخاطر داخل قاعة المحكمة "أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه، إنه قضاء الله وقدره؛ لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدي آثارا سيئة على زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم".

ثم عندما صدر الحكم بسجنه قال "إن هذا الحكم، هو حكم ضد مصر؛ لأني جندي مصري أدى واجبه".

انتحار أم تصفية

كان الشارع ملتهبا بالتظاهرات الداعمة لخاطر والرافضة لإدانته أو محاكمته من الأساس، وتصدت لها قوات الأمن، في حين انطلقت الصحف الرسمية وشبه الرسمية في الدفاع عن موقف النظام.

وتمادت تلك الصحف بأن نشرت ما قيل إنه تقرير عن الحالة النفسية لخاطر، حيث اتهمته بالجنون، وذكرت "كان الظلام يحول مخاوفه إلى أشكال أسطورية خرافية مرعبة تجعله يقفز من الفراش في فزع، وكان الظلام يجعله يتصور أن الأشباح تعيش في قاع الترعة، وأنها تخبط الماء بقوة في الليل وهي في طريقها إليه".

ويبدو أن محاولة إثبات جنون الجندي المصري لم تكن رغبة في تبرئته لاحقا؛ بل لتجريد فعلته من القيم الوطنية وتهيئة الرأي العام للنهاية. فبعد 10 أيام فقط من الحكم عليه بالمؤبد أعلنت وسائل الإعلام خبر انتحار الجندي سليمان خاطر في 7 يناير/كانون الثاني 1986.

وقال بيان رسمي إن خاطر استخدم غطاء من النايلون مخصصا للسرير كي يشنق نفسه، بينما أكدت مجلة المصور الرسمية أن الانتحار تم بملاءة قماشية، فيما ذكر تقرير الطب الشرعي أن الانتحار تم بقطعة قماش من النوعية التي تستعملها قوات الصاعقة.

وقال شقيق خاطر إن أسرته طالبت بإعادة تشريح الجثة عبر لجنة مستقلة؛ لكن السلطات رفضت، مؤكدا أنه لاحظ آثار تعذيب على الجثة قبل دفنها.

واستبعدت أسرة الجندي الراحل أن يكون ابنها انتحر بسبب التزام ديني أو عدم اتزان نفسي؛ لأنه كان يعتقد أن السلطة ستفرج عنه بعد فترة قصيرة، كما أنه طلب قبل يوم واحد من وفاته كتبا في مجال القانون استعدادا لاستكمال دراسته الجامعية، حيث إنه كان طالبا بكلية الحقوق "نظام الانتساب".

لكن المجند علي إبراهيم يجعل من الانتحار فرضية قائمة عبر شهادته خلال التحقيقات، حيث قال إن زميله أغشي عليه بعدما أطلق الرصاص على الإسرائيليين، وعندما أفاق حاول الانتحار؛ لكنه تراجع عندما قلت له حرام.

مبارك والموساد

أما سيناريو مسؤولية الرئيس المخلوع حسني مبارك عن مقتل خاطر، فاستبعدها مستشاره، مصطفى الفقي، الذي أكد أنه كان من نقل خبر وفاة المجند العشريني إلى مبارك.

وأكد الفقي أن مبارك تفاجأ بالخبر، وأبدى انزعاجه، واستطرد "أراد أن يقايض به اليهود، فيفرج عن أسير يهودي مقابل حياة سليمان خاطر، وهذا يحسب لمبارك، ويدل على أنه لم يقتله".

وفي المقابل وعبر برنامج تلفزيوني أشار الفقي إلى احتمالية تورط الموساد الإسرائيلي، بقوله "إسرائيل دائما ما تحاول النيل من أي شخص لطخت يداه بدماء اليهود؛ لأنها تؤمن بأنه لا يجب أن يعيش من قتل يهوديا".

وحاول مبارك نفسه تبرئة يديه من دم خاطر أمام الرأي العام عبر حوار نشر بمجلة المصور، في 18 يناير/كانون الثاني 1986، حيث قال "كنت أتمنى حكم البراءة لسليمان خاطر، كما كان يتمناها الآخرون؛ ولكن الذي حدث أن سليمان خاطر قتل أطفالا ونساء، والمحكمة أصدرت الحكم، ولم نتدخل من قريب أو بعيد".

وأردف "لم تكن هناك ضغوط من أي جهة، ونحن لا نقبل ضغوطا من أي جهة".

 


للراغبين في الإعلان في موقع بوابة صيدا يرجى التواصل على الرقم 03928409


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة