بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الرجل ذو العين الزجاج واليد الكاوتشوك (توفيق ستر الله)

عبد الباسط ترجمان / خاص بوابة صيدا

أصل العائلة

كان والد توفيق يصنع الحلويات، غريبة، معمول، كعكبان ... ويبيعهم في الأسواق، وفي يوم ترك مدينة عكا وتوجه إلى ضيعة تسمى الكابري، وما أن وطأتها قدماه حتى ارتاح وهدأت نفسه، فأحب الاستقرار فيها.

ولكن أين ينام، فهو لا يعرف أحداً من سكانها، وقف حائراً، ولكن الله سبحانه وتعالى لا ينسى أحداً، فيسر له الأمور، فتعرف على رجل من أهل الضيعة، استضافه عنده في منزله وأعطاه غرفة منفردة، فالرجل متزوج وقد رزقه الله بفتاة، وكان هذا الرجل تقياً صالحاً، وكان ينتسب إلى الطريقة الشاذلية الصوفية.

لماذا لا تصلي

دخل وقت الصلاة، ولكن أحمد والد توفيق لم يصل، فسأله هذا الرجل ألا تصلي؟ فقال: لا، فبات طوال ليلته يدعوه ويرغبه في الصلاة حتى استجاب، فخرج إلى نبع العسل في هذه الضيعة، وهو نبع معروف في فلسطين، توضأ وبدأ بالصلاة.

العودة إلى عكا

أشرقت شمس اليوم التالي، فتوجه إلى مدينة عكا، وعاد مساءً وهو يحمل معدات عمله، وبدأ بصناعة أطيب أنواع الحلويات ليلاً، ثم يبيعهم في النهار في القرى والضيع القريبة، فكان يُطلق عليه أحمد الحلواني.

اللقب غلب على اسم العائلة

بعد هدايته، بدأ الحاج أحمد يذكر الله كثيراً، فكان إذا جلس قال يا ستر الله، وإذا قام قال يا ستر الله، إذا مشى قال يا ستر الله .... وهكذا حتى أطلق عليه الناس لقب ستر الله، جاء ستر الله، ذهب ستر الله، وبهذا اختفى اسم العائلة الأصلي وعرف فيما بعد بأحمد ستر الله الحلواني.

زواج أحمد

عندما رأى هذا الرجل الصالح ضيفه أحمد الحلواني (ستر الله) يعمل ويكافح، عرض عليه الزواج من ابنته الوحيدة زهرة، وافق على الفور، وسكن معه في المنزل. ورزق منها بخمسة أبناء أربعة ذكور وهم محمود وعلي وعبد الرازق وتوفيق وفتاة واحدة.

سافر ابناه علي وعبد الرزاق إلى البرازيل، وتوجه محمود مع الجيش العثماني للقتال في اليمن، وبقي توفيق في الكابري.

توفيق أحمد الحلواني " ستر الله "

أحب توفيق فتاة في ضيعة الكابري، والفتاة من منطقة شحيم في لبنان، أحبها كثيراً، طلب من والدته أن تخطبها له، رفضت خوفاً من ابنها الكبير محمود، ومع إصرار توفيق وتهديد والدته بالسفر إلى البرازيل أو أن تخطب له هذه الفتاة، رضخت له وتمت الخطوبة.

عاد شقيقه ناجي محمود وناجي لقب للضابط العثماني، وعلم بما فعل شقيقه توفيق، فصفعه على وجهه وأمره أن يفسخ خطوبته منها، فما كان منه إلا أن فعل ذلك مكرهاً.

وكان محمود كبير العائلة وكان وقوراً، وكان يحمل عصاً وجاهة، وكان محترماً ... وكان مصاحباً لشيخ الطائفة الشاذلية الهادي اليشطري.

طبيب

تضايق توفيق كثيراً من فعل أخيه، فجلس بين أكياس الخيش يمزقها بمسلة (إبرة كبيرة) كانت في يده، وقدر الله سبحانه وتعالى أن تفلت المسلة من يده وتدخل في عينه، ذهبوا به إلى مستشفى عكا، لم يستطيعوا فعل شيء له، نقلوه إلى مستشفى القديس يوحنا للعيون أو مستشفى البقعة، في القدس وتم الشفاء.

بعد شفائه بدأ العمل في المستشفى، فكان يقدم الطعام للمرضى، ثم بدأ يساعد النيرس، ثم بدأ يدخل مع الأطباء إلى غرف العمليات، ثم بدأ الأطباء بالاعتماد عليه في تنقيط الدواء في العيون، وهكذا اكتسب خبرة، وكان بمجرد النظر في عين المريض يُشخص المرض، ويصف له الدواء الشافي بإذن الله.

بعد سيطرة اليهود على فلسطين وخروج مئات الآلاف من الفلسطينيين، خرج الحاج توفيق مع الذين خرجوا، وحط رحاله في لبنان وفي مدينة صيدا بالتحديد، وبما أن له خبرة في الطب استطاع الدكتور سليم الخوري أن يوظفه في مستشفى المية ومية، وسكن في ضيعة المية والمية، واستمر في عمله حتى بلغ السن القانوني، وكان الدكتور الخوري فلسطيني حاصلاً على الجنسية اللبنانية.

زواج توفيق

أراد توفيق الزواج، فوكل شقيقه محمود بالبحث عن فتاة تناسبه، فهو كبير العائلة، وبما أن له رفاقاً كثيرين من أصحاب الطريقة الشاذلية بدأ يسألهم عن فتاة لها مواصفات معينة، فأخبروه أن لدى نجيب المُلا ثلاث فتيات بلغن سن الزواج.

صاحب العين الزجاج

جلس محمود مع نجيب الملا وطلب يد ابنته لأخيه توفيق، وافق نجيب على الخطوبة، ولكن الفتاة تقدم شاب من أهل عكا لخطبتها ورفضه والدها، فقامت والدة هذا الشاب بالتشنيع على توفيق، وسرد الإشاعات، من أن لغماً قد انفجر به، فانطفأت عينه ووضع عين زجاج، وأن يده قُطعت وركب يد كاتوتشوك. وعند سماع والدة الفتاة هذا الكلام بدأت تلطم على وجهها، كيف تزوج ابنتها لمن كان هذا حاله، ولكنها لا تستطيع الاعتراض لأن زوجها قد أعطى كلمة ولا يمكن أن يتراجع عنها.

وجاء يوم الزفاف، ومن عادة أهل تلك المدينة أن يزفوا العريس ويدخلوه على عروسته أثناء وجودها بين الفتيات، وكان توفيق لا يعرف أم زوجته (حماته) فهو لم يرها من قبل، ولا يعرف حتى زوجته التي سيدخل بها، سأل عن حماته، دلوه عليها، اقترب منها وخلع الجاكيت التي كان يلبسها، وشمر عن يده واقترب منها وهو " يبحلق " بعينيه بها، ويحرك يديه بقوة، فعلمت حماته أن ما قيل عنه هو كذب وافتراء فرفعت صوتها بالزغاريد فرحاً بزوج ابنتها.

وفاة الزوجة

أنجب توفيق من رمزية خمسة أبناء، ثلاثة ذكور وفتاتين، ولكن فرحة توفيق لم تستمر طويلاً، بعد ثماني سنوات من الزواج أصيبت زوجته رمزية الملا بالمرارة، فأدخلها زوجها المستشفى، ولكن الألم كان يزداد في كل يوم، وبما أن توفيق له خبرة بالطب علم أن زوجته لن تعيش إلا أياماً قليلة، فأرسل إلى أخيها محمود في عكا يخبره بحالة أخته، وأنه سيرسلها إليه فهو لا يستطيع أن يعتني بها بسبب عمله.

انتقلت رمزية مع أبنائها الخمسة إلى عكا، وما هي إلا أياماً معدودة حتى اشتد الألم عليها، فبدأت والدتها تبكي، ودخل أبناؤها فرأوا جدتهم تبكي ووالدتهم تصرخ من الألم، فقبلوا يد أمهم، ثم ما لبثت أن توفاها الله سبحانه وتعالى.

الزواج مرة أخرى

بعد وفاة رمزية كان لا بد لتوفيق من الزواج، فالرجل لا يستطيع المكوث دون زوجة، فتزوج الحاجة حكمت البخاري، فحضنت أبناء رمزية وأنجبت منه أحد عشر ولداً، وكان أولاد رمزية لا ينادونها إلا بالحاجة الوالدة.

طرفة

جاءت عجوز تسأل عن الحاج توفيق، دلوها عليه، سألته: أنت توفيق ستر الله؟ قال: نعم. قالت: أنا فلانة من الكابري، والدتك رحمها الله استلفت مني قبل موتها "مجدية" عملة تركية، وأنا محتاجة إليها.

نظر إليها طويلاً ثم سألها: من أي عائلة أنتِ؟ أخبرته، عاود النظر إليها طويلاً ثم أخرج من يده عشر ليرات وقال لها تفضلي، فأخذت المال وانصرفت.

الكف والقشاط

كان الحاج توفيق حنوناً لدرجة كبيرة، ومع هذا كان شديداً، وكان الكف والقشاط لمن أذنب، فالذنب الصغير بالكف، والذنب الكبير بالقشاط، ثم بعد خمس دقائق من انتهاء الضرب يبدأ يراضي ولده المضروب، ويعطيه المال كي يشتري الشوكولا.

الوفاة

في عام 1968م، نزل ملك الموت وقبض روح الحاج توفيق أحمد الحلواني، ومنذ أربع سنوات لحقت به زوجته الحاجة حكمت البخاري.

( أجريت المقابلة مع ولده أحمد توفيق ستر الله في منزله)




من أرشيف الموقع