بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - لقاء مع  الأستاذ المربي وديع ملحم الغريب يفتح قلبه ويتحدث لموقع بوابة صيدا

علي أرقه دان / خاص موقع بوابة صيدا

أراد المطران باسيل الصفوري عام 1863م أن يحفر بلاطات تمثال السيدة مريم العذراء في مغدوشة، ولهذه الحاجة أراد أن يذهب إلى بيروت ليأتي بأفضل حفار، فقيل له " عندك أحسا حفار بالجنوب وبدك تروح ع بيروت " فأشاروا عندها إلى ملحم الغريب، الذي لا يخلو دار عبادة من كنيسة أو جامع في صيدا _ الشمعون مثلاً (المسجد الذي هدم وإقيم على أنقاضه مبنى الأوقاف الإسلامية ومسجد الصديق) _ من نقشته، والجدير ذكره أنه كان قد نذر نذراً بأن أول ثلاثة أيام من كل عمل تابع للأوقاف يقوم به مجانا وبعدها كل شيء بحساب.

هذا بعض ما حدثنا به وديع ملحم الغريب المدير المتقاعد لمدرسة مغدوشة الإبتدائية الرسمية، والذي ولد عام 1946 في مغدوشة، المكرم من السيدة بهية الحريري تقديرا لعطاءاته في المجال التعليمي، والذي بدأه باختيار من أهله إذ أنه فاز بإمتحانات دار المعلمين، وكلية الطيران بالجيش، ولكن النتائج صدرت في اليوم عينه، في 7 أيلول 1965، فاختار الوالد حينها مهنة التعليم، لأن الجيش إشارة إلى _ البارودة _ والبارودة تعني الحرب والموت حسب تعبير الراوي، والبيت بيت مسالم لذا كان دار المعلمين.

ولكن كيف كانت البداية ؟

الطفولة والدراسة

طفولة تمازجت بين الكشافة، العمل، الدراسة.

الكشافة التي صقلت الساعد، وروته حب الوطن، بعد أن برزت فيه صفات القيادة، والتي أهلته ليبرز بين أقرانه.

أما العمل الذي تنوع بين محل لبيع الفلافل، وآخر للحلاقة، وأخيرا عاملا في قهوة، وجميع هذه المهن علمته إحترام الوقت وقيمة المال.

يذكر أن مدخوله في عمله الأخير كان مرتفعا مقارنة مع الوضع الإقتصادي السائد حينها، أي في العام 1958، إذ أنه كان يبلغ 25 ليرة ( يوم كان الناس لا يعرفون الليرة).

أما حياته الدراسية فقد بدأت في مدرسة مغدوشة الإبتدائية، ومن ثم إلى المتوسطة، ولكن ضيق الحال أجبره على ترك الثانوية في صف البكالوريا أولى، وتوجه إلى تعلم المحاسبة في معهد التحدي، الواقع أمام قصر العدل القديم في صيدا حينها كان المربي الفاضل سعد الدين الحبال مديرا له، و ذلك كان في العام 1963.

الحياة التعليمية والزواج

بدأ منذ العام 1960 وحتى العام 1965 بإعطاء الدروس الخصوصية للطلاب.

في العام 1965 مارس مهنة التدريس بعد صدور نتائجه المؤهلة لذلك في دار المعلمين، فكانت مدرسة العباسية بداية تلك الرحلة، حيث لمس من خلال احتكاكه بأهل البلدة طيبة ونخوة أهل الجنوب وما زال يذكر سوق العباسية المشهور، ولكنه ما ان انتهت السنة حتى انتقل في العام 1966 إلى مدرسة العدوسية و التي اختار منها طالبة لتكون زوجة له، وقد استمر في مدرسة العدوسية لغاية 8 شباط 1978.

في العام 1980 إنتقل إلى مدرسة عنقون كمدرس لمادة الرياضيات لغاية عام 1982.

في العام 1982 تولى النظارة في عودة محمودة إلى مدرسته الأولى _ مغدوشة الإبتدائية، وصولا إلى عام 1985، حيث تمت ترقيته نظرا لكفاءته مديراً للمدرسة من عام 1985 حتى سن التقاعد في العام 2010.

حياة تعليمية غنية بالمواقف، حاول قدر المستطاع ألا يكون جزء من النظام القائم على المحسوبية، مفتشا عاملا جادا في تأمين مصلحة الناشئة، وتوفير الظروف الملائمة للتنشئة.

أراد التغيير بالتجديد، أي بإعطاء المعلمين الشباب المواكبين للوسائل التعليمية الحديثة، عوضا عن المعلمين الذين أكل عليهم الدهر وشرب، يؤمن بتوليفة متكاملة، وكل ذلك في سبيل تنشئة متميزة.

ذكريات من الحقل التعليمي

يحتفظ الأستاذ وديع بصورة أحد تلاميذه في مدرسة العباسية، وليس بأي تلميذ، التلميذ الذي صعد إليه أحد الأستاذة يركض من طاولة إلى طاولة لشقاوته، ولكن أستاذنا تصادق مع هذا التلميذ، وحوله بإذن الله إلى الأفضل بطريقة حكيمة معتدلة، بطريقة العارف بذهنية وعلم نفس الناشئة.

أحد المسؤولين في وزارة التربية اراد فرض أحد المعلمين عليه، ولم يكن ليرضخ لذلك، فاتفق معه بأن يعينه، مقابل أن ينقلوا أحد المعلمين الغير كفوئين لديه إلى مدرسة أخرى، فتم نقل الأستاذ الفاشل، ولكنه لم يعين الأستاذ المفروض من وزارة التربية غير أبه بالعواقب.

زارت رئيسة التفتيش التابعة لوزارة التربية مدرسته، بتزامن مع حصة تعليمية لكيفية صنع الكيك نظريا، فأشارت المفتشة بأنه لما لا يصنعها تطبيقيا؟

وافق المدير على ذلك ولكن العقبة عدم وجود (فرن الغاز) فما كان منه إلا أن اتصل بأحد مستودعات بيع التجهيزات المنزلية، واشترط عليهم جلب فرن الغاز خلال ربع ساعة بعد مساومة على السعر، أفض ذلك الفعل إلى سلعة ممتازة بنصف السعر، فتم الأمر بتنويه من الرئيس: " يا ريت عندي عشرة مثل وديع ".

أرسل إلى مديرية التربية بأنه يريد الحصول على حاسوب في المدرسة، للوصول إلى الأداء السريع في الأعمال الإدارية، فما كان جوابهم إلا أنه: كيف تريد الحصول على هكذا جهاز وجميع وحدات الدولة لا تقتني ذلك الجهاز؟!!!

ولكن بعد إلحاح وافقت المديرية ولكن بسعر محدد، لا يف ِ بالحاسوب الذي يريد ذو المواصفات المتطورة، فاتفق مع المصدر على أن يكتب عرضا للأسعار مطابقا للمناقصة، على أن يدفع الفرق في المستقبل القريب، وبذلك تم الأمر، أتى بالحاسوب المتطور، وأعطى الرجل حقه كما وعده، من صندوق المدرسة.

ذكريات حرب: الوضع مأساوي

في عام 1975 كانت بداية الحرب الأهلية، والأستاذ وديع ما انفك يذهب إلى العدوسية للتدريس في مدرستها، ويعود في المساء إلى مغدوشة ليكون بين أهله، وكان يدفع كل يوم 35 قرشاً من مفرق العدوسية إلى مغدوشة، فكما يقول " المهم أوصل ع مغدوشة ".

يذكر أن مغدوشة كانت بعيدة كل البعد عن الحرب في البداية ولكن حين بدأ خطف وقتل شبابها عوضا عن قصفها في العام 1986 أجبرت على الدخول في الحرب، ويؤكد أن من يقول عن مغدوشة " محزبة _ ذات نزعة طائفية " يكون كذابا لا يقصد إلا فتنة، فحينها كان القومييون 6 _ 7 أشخاص، والشيوعيون شخصان أو ثلاثة، أما القوات (اللبنانية) فإنهم يتراوحون بين عشرة إلى خمس عشرة شخصا، أي أنها بلدة ذات تنوع فكري، و يرجئ ذلك إلى أن قسم كبير من مواطنيها هم من العسكريين والأساتذة.

في أواخر عام 1986 علم بقدوم سيارة لأخذه، ولذلك نزل طريقاً وعراً في الوادي مع زوجته وأولاده وأخيه وزوجة أخيه وأولادهما، حتى وصلوا إلى الغازية بتأمين من أحد مسلحي حزب الله الذين كانوا وقتها يشكلون بما يعرف ( فك _ إرتباط) بين مسلحي منظمة التحرير الفلسطينية ومسلحي حركة أمل، وعند وصولهم إلى الغازية إستأجروا سيارتين وتوجهوا إلى بلدة زوجته _ النجارية_ وما هي إلا بضع أيام وإذ بهذا المسلح يجلب سيارات العائلة إلى مسكنهم الجديد والتي تركوها في مغدوشة، وقد أخبره حين قدومه _ أي المسلح _ وقوع مشادة كلامية ورفع سلاح بين مجموعته وأخرين من (...) وكأن السيارات ثروة شخصية، ما لبث الحق أن عاد لأصحابه.

في حرب 2006 إستقبل النازحين في المدرسة وسهر على أربعمائة وستة وثمانون عائلة مهجرة (486) ولكنه لم يوزع من معونات الحرب شيئا، إذ أنه ترك ذلك للبلدية حتى لا يقال عنه (حرامي) ولا يزال يذكر الأب الذي أخرج إخراج قيد عائلي من ثلاث ورقات عندما أراد تسجيل عائلته.

الشبكة المدرسية

خطوة مهمة نحو تمكين المدارس والأساتذة في إطار علمي ونسق تنظيمي متطور، وكذلك دمج خبراتهم، إذ أن " المدارس ليست كلها بفاشلة " والهدف الأسمى تنشئة الناشئة على العيش المشترك وقبول الأخر.

ويستطرد الأستاذ وديع أن المدارس تعاني من قلة البرامج المتخصصة في تطوير الأساتذة، ويمزح قائلا " أصغر واحد معين بفي عام 1985م " وحتى إن وجدت تجد أن الأساتذة الذين يوصفون بأنهم خبرة في التعليم، غير قابلين للتأقلم، ولذلك يجب إعادة ترتيب دار المعلمين، فإن التعاقد لا يحل مشكلة، وتطعيم هيكلية الجسم التعليمي بدم جديد قابل للتطور ومجاراة التكنولوجيا الحديثة في التعليم.

أقوال و أراء

يؤمن بوحدة لبنان، وضرورة حسن الجوار، وقبول الأخر.

الرصيد الباقي للإنسان هو المحبة، ويدعو من أجل لذلك جميع الأطياف إلى التخلي عن فكرة " أريد لبنان الدولة ..... " والإستعاضة عنه بلبناننا، لبنان القاسم المشترك الذي يجمعنا، فكما يقول " تسمع الجميع ينادي بالدولة، ولكن دولة حسب مزاجه وتخيلاته".

يردد قول امين الجميل: أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم.

يجب على المدارس أن تعلم التربية الدينية " الأخلاق " وليس التعليم الديني.

شعاره: البناء.

هواياته: المطالعة وخاصة كتب علم نفس الأطفال، لعب الورق _ طاولة الزهر، الأعمال اليدوية.

كلمة أخيرة للموقع

أتمنى التوفيق والنجاح الدائم، وأشكرك على هذه المبادرة الطيبة " وكل ما الإنسان عندو نية طيبة الله بوفقو ".




من أرشيف الموقع