بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - أنواع المهن والحرف في مدينة صيدا / بقلم الدكتور طالب محمود قره أحمد

بقلم الدكتور طالب محمود قره أحمد / أستاذ مساعد بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية

لعل المقصود بالمهن والحِرَف هو تلك الصناعات القائمة على تكنولوجيات تقليدية تطورت ببطء على أسس الممارسة العملية والملاحظة الناقدة للسبب والنتيجة خلال الاستخدام المستمر لفترات زمنية طويلة. وما يحوزه أي مجتمع من تلك الصناعات هو في الأغلب ميراث الأجيال السابقة والحصيلة الحافظة لإبداعها الذاتي ولخبراتها الطويلة في مجال التفاعل مع البيئة المحيطة. وتضم الصناعات التقليدية مدىً واسعاً من الأنشطة الصناعية تشمل الغزل والنسيج وأشغال الإبرة والتريكو ونسيج السجاد وتفصيل وصناعة الملابس وصناعة الحصر والنجّارة والحدادة والفخّار وبعض الصناعات الجلدية والمعدنية وكذلك بناء المساكن، وصولاً لصناعة الدواء مما يدخل في مجال التطبيب الشعبي.

هذه الصناعات لم تزل قائمة في قطاعات واسعة وفي المجتمعات الريفية، بل وفي المدن الصغيرة والأحياء القديمة من المدن الكبيرة، ومنها صيدا، في أرجاء العالم الإسلامي، كمكون عضوي للحياة نفسها: في المنازل وفي الساحات وفي الأفنية المجاورة والحدائق والورش والمصانع الصغيرة يمارسها أبناء المجتمعات المحلية في ظل أطر تنظيمية محلية متنوعة: الأسرة الصغيرة والعائلات الكبيرة بالإضافة إلى كافة صُوَرْ العلاقات المتداخلة والقائمة بين الصنّاع الحرفيين وبين التجّار والمقاولين وأصحاب الورش والمصانع. هذه الصناعات تمثل أداة مناسبة لإشباع الكثير من ملامح الشخصية الحضارية للمجتمع المحلي. هذه الصناعات بما تمثله من أهمية من الزاوية الاجتماعية – الاقتصادية، أو الزاوية الحضارية في صيرورة دائمة: فالبعض منها يذوي ويموت، والبعض الآخر يتدهور وينحط من حيث تعبيريته الحضارية، والبعض الآخر يتحول إلى الماكينة تدريجاً بهدف زيادة الإنتاجية أو إلى إنتاج منتجات جديدة يتزايد الطلب عليها مع التحول السائد في أسلوب الحياة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

ومن هنا فإن الهدف من وضع تصنيف للصناعات التقليدية هو تكوين رؤية تفصيلية لخصائص هذا القطاع بمختلف تراكيبه وأنماطه يمكن أن ينطلق منها خبراء التخطيط والتنمية في اتخاذ القرار بشأن ما يجب عمله إزاء هذا القطاع الحيوي: سواء من منظور اقتصادي أو اجتماعي – حضاري أو بيئي أو حتى سياسي. وتختلف التصنيفات وتتعدد وفقاً للمعايير المستخدمة في التصنيف والتي لا بد أن تشمل كل ما يحتاجه الإنسان بدايةً من ملبسه مروراً بالمأكل والمشرب والزينة والمسكن وصولاً إلى المهن والحرف كأسباب في الرزق، وما تستتبعه من مواد أولية داخلية ومستوردة لذلك، وانسجاماً مع تسلسل الحاجة البشرية وفق أولويات منطقية، سنطرق باب صناعات الأنسجة والملبوسات.

ولما كانت مدينة صيدا – موضوع البحث مدينة ساحلية كان لا يمكن للزراعات – مصدر بعض المواد الأولية – أن تتوفر فيها. فأشجار التوت كانت زراعة رائجة في إقليمي التفاح والخروب فضلاً عن معظم مناطق الجبل، في حين كانت صيدا تابعة إدارياً لولاية عكا في العهد العثماني. هذا إضافة إلى أن القطن والكتّان لا يُزرعان في لبنان أصلاً لعدم توافق المناخ مع هذه الزراعة. وبناءً على ذلك، وبما أن الصيداويين ركبوا البحر في وقت مبكر، كان لا بد أن يتجه بحّاروها إلى فلسطين ومصر كما سبقت الإشارة لاستيراد هاتين المادتين، ودليلنا على ذلك أن إحدى مناطق الميناء في صيدا قد اشتهرت باسم بحر الكتّان. وقد استمرت هذه التسمية فترة ليست بالقصيرة من الزمن. إضافة إلى أن أبناء لبنان القديم كانوا يؤمّون المدينة لبيع منتجاتهم الزراعية، ومنها "الحرير".

نذكر هنا أن الصيداويين أيضاً كانوا يقصدون تلك المناطق – الإقليمين – للبيع والشراء. كما أنهم استوردوا الصوف من مناطق البقاع وسوريا عبر الخطوط البرية مستعملين بذلك الخيول والبغال والعربات. وبهذا توفّرت المواد الأولية للنسيج في المدينة وبدأ عمل الحاكة الذين كانوا ينسجون الخيوط على النول. وقد اشتهر منهم: عيسى الحكواتي الذي كان ينسج خيوط الحرير، والكثير من النساء اللواتي كنّ يغزلن الصوف، كنساء آل البعاصيري.

لمّا توفر القماش مستورداً ومحلياً، كانت مهنة الخياطة خطوة مكملة للحياكة والنسج. وأول من اشتهر بهذه المهنة كل من ايزابيل عودة في حارة اليهود، والسيد نوال جمّال اللذان كانا يعلمانها بالإضافة إلى أنهما امتهناها. ثم برزت الخيّاطة سعاد سندسي التي كانت تخيط لوجهاء المدينة كآل البزري، وعادل عسيران وغيرهم.

وقد عمل بها أيضاً بعض اليهود أمثال بوليتي وأخيه اللذين ساعدهما الخيّاط الفلسطيني الجنسية هارون عرّابي بعد نكبة العام 1948، ولا يزال يعمل بهذه المهنة حتى الآن.

وفي باب الحديث على الخياطة لا بد من ذكر الزي الصيداوي وأشهر خياطيه، فقد لبس الصيداويون السروال والقمباز والخمباز، كما وضعوا على رؤوسهم الطرابيش التي عمل بصناعتها الحلاَّقون بشكل شبه حصري أمثال: عمر أبو زينب، ومحله في شارع السنترال القديم وحلاّقون آخرون من آل نسب، النقيب، الدادا، والجبيلي. وقد اشتهر في خياطة السراويل، بل أول من عمل بهذه الخياطة الخياط صبحي البساط، وقد علّم كلاًّ من محمد الحكواتي وعاطف أبو زيد الذي ما لبث أن أقام محلاً يزاول فيه هذه المهنة قرب جامع البحر. هذا وقد اشتهر هؤلاء وغيرهم أيضاً بخياطة القمباز والخمباز والصاكو وهو جاكيت بنصف حجم المعطف تقريباً.

ومن خيَّاطي صيدا القدامى حسن قبرصلي الذي يقول أنه كان يخيط القمصان والبيجامات، ويكويها، وكان ينجز في كل أسبوع 40 قميصاً، وكان يخصص يوم الخميس لكيّها. وعن الزبائن يقول أنهم كانوا كثراً، ومن وجهاء البلد، أمثال: معروف سعد، سامي بك الحسيني، أبو رفيق الحريري، قائمقام المحافظة إميل خوري والدكتور أديب خليفة. ويتابع القول: أنه كان يخيط قميص "الكافردين"، والـ "ب، د، أ" و 5500 كانابو، وهو لبس الملوك، وكان يستورد قماشه من السعودية، ويبله بالمياه، قبل أن يخيطه، ومن ثم يكويه، فيقصر من أربعة أذرع إلى أربعة إلاّ ربع.

وكان الخيَّاط عادة يطالب بجودة التفصيل ودقته، لذلك ركَّز بعض الخيَّاطين على البنطلون، دون الجاكيت، بسبب دقة صناعتها وصعوبة ذلك، كما ركَّز البعض على القميص أو على البيجاما، كما أن البعض اشتهر بالبذلات الرجالية، وهكذا.

وكان الدفع حسب الموديل والشغل، فمن كان يطلب أن تكون الدرزة نصف تنبيت (أي شغل يد، فني، يحرص فيه الخيَّاط على عدم ظهور الدرزة وبمعنى آخر أن تكون الدرزة مخفية أو الغرزة مستورة، وحتى لا يخرب الجيب، فيقوم الخياط بحركة "البرمان" على بداية ونهاية الجيب (وهي حركة مهمة لزيادة القوة في الخياطة)، فعليه أن يدفع أكثر. والبطانة أيضاً كانت تُختار حسب الطلب والدفع، فهي "لقط" لمن يدفع أكثر، ودرز للعادي، كما أن نوعيتها تختلف حسب "مصريات" الزبون.

وإذا كان القماش المراد خياطته غالياً، فإن الخياط كان لا يفصِّله إلاّ إذا دفع الزبون نصف القيمة المتفق عليها كأجر سلفاً، أما مسألة تسليم الجاكيت، أو الكبوت، أو البذلة، أو البنطلون، بالوزن – إذا كان القماش غالياً – فلم تكن موجودة في صيدا، حيث كان ينبغي على الخيَّاط ألاّ يفصل لأي زبون ثوباً له قيمة، قبل أن يقدره، وإذا كان ثوباً له قيمة كا لحرير والديباج، فلا يأخذه إلا بالوزن، فإذا خاطه ردّه إلى صاحبه بالوزن، بعد إنجاز عمله، وربما كان ذلك احتياطاً من تعرّض الزبون للغش، واستبدال الخيَّاط الثوب النفيس بآخر رخيص.

ومن الأمور التي كان من الواجب على الخيَّاط الماهر ممارستها، أن يكون الخيط في يده قصيرا، الإبرة صغيرة، كي يساعد ذلك الخيَّاط على حركته، أما إبرة تركيب الزر فتكون أكبر وأطول، أما كشتبان الخيَّاط فيكون مفتوحاً من الأمام بعكس كشتبان النساء، فهو مقفل من الأمام، وكذلك الأمر بالنسبة للخيط الذي تستعمله النساء، فمن الضروري أن يكون قصيراً، وإلاّ فلا تعتبر صاحبته خياطة بكل معنى الكلمة، تمشياً مع المثل القائل: "ما قصرت خيطها إلا كل خياطة وما طولت خيطها إلا كل ...

أما أزياء النساء من فساتين وغيرها، فقد عملت بها ايزابيل عودة بالإضافة إلى السيد نوال جمّال، وعلّماها لكل من عربية كيلو وسعاد سندسي التي كانت تخيط لوجهاء المدينة كما أسلفنا.

وطبيعي أن يرافق التطريز مهنة الخياطة، فقد كان حاجة موسمية على وجه العموم، إذ أنه راج مع بدلات العرائس. وقد كان التطريز على الطارة: وهي عبارة عن إطارين خشبيين توضع قطعة القماش على أحدهما ويوضع الإطار الثاني فوقها فتُشد، ومن ثم يبدأ التطريز. وقد كانت هذه المهنة بيتية، وتختص بها النساء، وقد شكَّلت لهن مورد رزق مهم، ويظهر للمتتبع لتاريخ صيدا، أن من كان يقوم بهذه المهنة هم الرجال، إذ يقال لمن يقوم بها "مطرز" وهو من يقوم برسم الأشكال الزخرفية على أثواب القماش، حسب رغبة الزبون، وبعدها يقوم بتطريز خيوط من الذهب والحرير الملوّن، على الرسومات التي على القماش. وقد اشتهر آل الزين في صيدا القديمة بهذه المهنة، فقد كانوا يطرِّزون العروق لفساتين العرائس، والفساتين عموماً ويدهنونها ويثبتونها على الفستان.

كما اشتغلت الصيداويات مناديل "الأويا" وكان قسم كبير منها يُصدّر إلى أوروبا وأميركا، وصبغت الصيداويات الزنانير، كما طبعن الأقمشة في مشاغل البيوت، حيث يطبع على القماش الأوروبي السادة، رسوم وأشكال تناسب أذواق السكان المحليين.

وبعد أن تطورت مهنة التطريز باتجاهها إلى استعمال الماكينة عملت بها والدة الحاج سعد الدين الحبّال، وغيرها الكثير.

هذا ولا بد لنا أن نذكر في هذا المجال أن الحياكة بادت تماماً كحرفة، وذلك لأنها لم تعد تفي بالحاجة العامة للمدينة، خصوصاً بعد ظهور بعض المصانع التي استطاعت أن تُغرق السوق اللبنانية بشكل عام، وبكلفة قد تكون مضاهية لكلفة الحياكة البدائية. وكانت خيوط الحرير تستخرج من الشرانق في معامل تعرف بـ "الكارخانة"، ولا يزال بناء إحداها موجوداً في منطقة "القناية" في صيدا، وقد احتلت خيوط الحرير الصيداوية مكانتها المهمة بين مدن الساحل، وكانت كميات كبيرة منها تصدّر إلى أوروبا.

والأقمشة المنسوجة من الحرير هي "الالاجا"، وهي ملوّنة أو مخطّطة أو لمّاعة. وتذكر المصادر أنه انضوى تحت حرفة نسيج الحرير في صيدا عدة اختصاصات أصبحت اسماً لعائلات كثيرة في صيدا أو مختلف بلاد الشام. مثل الحريري، القزي، الحلال، الفتال، العقاد، الحايك، الدقاق، الصباغ. ولأهمية هذه الصناعة في صيدا، فقد شاركت في معرض الحرير بالحديقة الحميدية في بيروت سنة 1902، وأحرز أحمد الخطيب الصيداوي الميدالية البرونزية وخمس ليرات عثمانية. وكان الاخوة أبيلا أول من أنشأ معملاً في صيدا سنة 1859م لنسج أثواب الحرير الشبيهة بالآلاجا الدمشقية، وزوَّدوه بأحدث الآلات من أوروبا، بحيث كان الأول من نوعه في المنطقة، لكنهم أغلقوه سنة 1864م، لعدم قدرتهم على منافسة المنسوجات الأوروبية المستوردة.

وفي فترات لاحقة اشتهرت صيدا بتصدير شرانق الحرير ونسيجه، وساعد على إنتاجه أشجار التوت الكثيرة في سهل صيدا والتلال المجاورة، ومما جعلها تحتل المرتبة الثانية في الإنتاج بعد طرابلس، واستطاعت لفترة طويلة أن تزود معامل دمشق وحلب، أكبر مركزين صناعيين في بلاد الشام آنذاك بالحرير والقطن.

وكنتيجة طبيعية للحياكة والخياطة كان لا بد من ظهور البزازين "بائعي القماش" الذين نشروا محالهم في أرجاء المدينة القديمة، وعلى وجه التحديد في سوق البازركان. ومعنى "بازركان" دكان البزازة، وهذا يقودنا إلى أن أسواق المدينة (ضمن بوابتيها) غالباً ما كانت تُسمى بنوع العمل الذي يمارسه أهلها. ويدخل هذا في باب تنظيم المدينة كما ذكر سابقاً. ومن الذين كانوا يمتهنون البزازة على سبيل المثال: آل الفاخوري، وآل كيِّلوا، والجبيلي، وغيرهم. وقد أثبتت ذلك المقابلات الميدانية. وكانت هذه المحال على صغر حجمها ذات شهرة كبيرة باعتبارها مجمعاً لهم، مما يسهل على المستهلك الوصول إلى ما يريد من جهة، ويزيد من شهرة هذا المجال من جهة أخرى.

وبخروج الصيداويين من البوابتين باتجاه البساتين المحيطة بدأت المدينة تفقد تنظيمها السابق إذ انتشرت المحال التجارية على اختلافها، ولعل أشهرها محلات الأقمشة والألبسة الجاهزة بشكل شبه عشوائي في ما يمكن أن نسميه "صيدا الكبرى" إن جاز التعبير.

وبهذا الاتساع، اتسعت آفاق تجارة القماش في المدينة وأخذ البزازون يتاجرون بالإنتاج الأجنبي من ماركات عالمية تخطّت ما كانوا يعرفونه سابقاً. إلا أن هذا الاتساع لم يقضِ على تُراثية تلك المحال المتمثلة بتركيبتها القديمة، والتي لم تتجدد ولم تجارِ الزمن المتطور. وشاهدنا على ذلك بقاء تلك المحال على حالها ربما لأكثر من خمسين عاماً، فظلّت تحافظ على بضاعتها التقليدية والمخصصة للطبقات البسيطة. نذكر هنا أن أصحابها ربما رفضوا الاتجار بالماركات العالمية عمداً كونها قد تكون عائقاً أمام غالبية الزبائن من الطبقات الوسطى وما دون.

هذا وقد عرفت المدينة الرفّاء "الرَّتي" كحرفة اشتهر بالعمل بها كثيرون منهم آل الصباغ في صيدا القديمة، وكان والدهم مشهوراً بهذه المهنة على كونه مقعداً يتحرك من وإلى محله بعربة يجرها حمار. وكانت ابنتاه تساعدانه في حرفته التي كانت رائجة زمن الخمسينات والستينات ربما لحاجة المستهلكين إليها ولعدم توفر المال الكافي لشراء الثوب الجديد، مما يستدعي رفاء ثيابهم القديمة. وأستطيع القول أن هذه الحرفة قد بادت تماماً بوفاة الرفّاء الصباغ الذي سبق ذكره في الثمانينات، فبوفاته لم تعد ابنتاه تمارسانها. ولعل زوال الرفَّاء من صيدا كان أمراً طبيعياً ناتجاً عن انحسار فئة الفقراء في المدينة وعدم لجوئهم إليها من جهة أخرى، وربما لرواج سوق الألبسة المستعملة والتي قد تكون أسعارها موازية لما يطلبه الرفَّاء من أجر.

ولم تقتصر هذه الفئة من الصيداويين عملها على الرفَّاء بل – وفي الغالب ترافقت حرفتهم مع حرفة أخرى هي التقصير، فكانوا رفَّائين وقصَّارين في آن معاً. وكان للرفّائين والقصّارين محال منتشرة في أرجاء صيدا القديمة رغم تمركز معظمها في سوق البازركان. وقد عمّرت هذه المحال فترة طويلة، إلا أنها اتجهت نحو الزوال بمجرد بدء الاتساع الصيداوي خارج البوابتين، ولعل ذلك ناتج عن اتساع مهنة البزازة وشموليتها، إذ أصبح لدى كل تاجر من يقوم بالتقصير داخل محله، من موظفين أو مساعدين، وغالباً ما يكون المساعد هو زوج هذا التاجر. بالإضافة إلى أن هذا الأمر يبعث على راحة الزبون لجهة سرعة تلبية طلباته دون تعب يُذكر.

وبالعودة إلى ما سبقت الإشارة إليه من استيراد القطن والكتّان، نذكر ظهور حرفة القطّانين التي كان قوامها عملية ندف القطن وفرزه وتبويبه حسب جودته، ثم إعداده للاستعمال المنزلي من خلال تنجيده كأثاث للمنازل. وكانت هذه الحرفة بدائية ولا تزال. فقد كانت آلة القطّان شبيهة بالقوس لندف القطن ثم استعمل القضيب النحَّاسي أو الحديدي لندف الصوف تمهيداً لتنظيفه قبل الاستعمال، أو لنزع ما يتلبّد منه بسبب الاستعمال، وبذلك يتجدد. وغالباً ما كان صبية، هذه الحرفة يتوجهون إلى المنازل للقيام بهذا العمل فيها. ومن الناحية الفنية نذكر أن هذه الحرفة كانت تستدعي اختيار القطن الطويل التيلة، وهو أجود أنواع القطن، وصوف الجز الذي هو أفضل أنواعها، فهو يساعد على إنتاج الفُرْش المتينة.

ولعل ما ساعد على ازدهار هذه المهنة اعتماد البيوتات الصيداوية تنجيد اللحف والمخادع والوسادات والطنافس وغيرها مما يحتاجه المنزل، سيما تجهيز العروس التي كان أهلها قديماً ينقلون لها هذه المستلزمات قبل حفل الزواج بأسبوع تقريباً.

نذكر هنا أن رواج هذه المهنة لم يكن محصوراً بحاجة الصيداوي فقط، بل إن الكثير من الأسر المجاورة في إقليمي التفاح والخروب كانت تلجأ إلى صيدا لهذه الغاية، مع الإشارة إلى أن غالبية أبناء الإقليمين لا يزالون يعتمدون هذا الأسلوب من التجهيزات، وبذلك لا يزالون يؤمون صيدا قاصدين سوق المنجدين التي لا تزال في أحد شوارع صيدا القديمة. وبنتيجة المقابلة الميدانية مع آل الطرابلسي وآل البابا وآل الشامي لاحظنا أنهم ركّزوا حديثهم على اعتمادهم أبناء الاقليمين والقرى الجنوبية كزبائن دائمين يطلبون هذه المهنة، في حين أنهم لو اعتمدوا السوق الصيداوية فقط ربما كانوا أقفلوا محالهم أو استبدلوا مهنتهم لقلة الطلب الصيداوي لها. هنا نعزو هذا الواقع ربما لتطور هذه المهنة باعتمادها الآلات الحديثة، والتكنولوجيا المتطورة بشكل يسمح لها بغزارة الإنتاج بحيث تتمكن من إغراق السوق بأجود الرسوم الفنية، التي كلما زادت إتقاناً زاد الطلب على السلعة رغم غلاء ثمنها. ولعل المكننة الحديثة تُقلل من الروح الإبداعية عند المنجد التقليدي، فالرسوم التي تحتاج عملاً مركّزاً لمدة أسبوع مثلاً تنفذها الآلة الحديثة بدقائق لا بساعات.

وأما في مجال حرفة الصباغة فنقول بارتباطها المباشر بحرفة الكوي، فممارسوها هم الكواؤون أنفسهم. وكانت هذه الحرفة تعتمد صبغ الثياب التي فقدت رونق لونها بسبب الشمس أو كثرة الاستعمال، كما أن الزبائن الذين يطلبونها ربما لجأوا لها لسببين: الأول هو المحافظة على ذلك الثوب ذي النوعية الجيدة والسعر المرتفع، والثاني هو عدم القدرة على شراء الثوب الجديد، علماً أن عملية شراء الجديد كانت شبه محصورة بالمناسبة وتحديداً قبل العيدين. لم تشهد هذه الحرفة تطوراً كما لم تعمِّر طويلاً، فبقيت على بدائيتها حتى بادت بسبب كونها حرفة غير مريحة لمن يزاولها.

وتستتبع حرفة الصباغة حرفة أخرى هي الدباعة، وقد عُرفت في صيدا في فترة متقدمة حيث كانت الدبّاغات على مقربة من نهر الأولي. وكانت مهمتها جمع الجلود الناتجة عن ذبح المواشي المحلية في المناطق اللبنانية القريبة من المدينة شرقاً وشمالاً وجنوباً، وتوضيبها بالتمليح والتعريض للشمس، ثم نزع الوبر والصوف النابت عليها حتى تصبح "سلامورا" جاهزة للتسفير إلى الخارج، حيث تتم دباغتها فتستورد بعد ذلك جاهزة للاستعمال إلى شاكلة جلود ونعال للأحذية. وفي عهد الرئيس رياض الصلح تم نقل الدبَّاغات من المدخل الشمالي لصيدا إلى منطقة المسلخ كبادرة من أبناء هذه الحرفة، ربما للفائدة المتوخاة من مجاورة الدباغات للمسلخ. وقد ظلت مهنة هذه الدبَّاغات محصورة بما تقدّم حتى تم التعاون بين لبنان واسبانيا في هذا المجال عبر كل من مختار وصلاح البابا اللذين اشتهروا بهذه المهنة. وبهذا التعاون أُسست مدبغة متطورة عند مدخل صيدا الجنوبي، وأخذت تنتج الجلود المدبوغة بدءاً من جمع الجلود المحلية والمستوردة وصولاً إلى إتمامها وطرحها في السوق للاستهلاك المحلي، وربما صدّروا بعضها إلى الخارج.

لا نجد بداً من ذكر أشهر العاملين بمهنة الدباغة قديماً وحديثاً فنذكر آل حنينة بشكل عام وآل البابا بشكل خاص. حيث أنهم لم يكتفوا بالعملية البدائية للدباغة، بل كانت لهم اليد الطولى في تطويرها ونقلها من مستوى المدينة الضيق إلى مستوى الوطن والعالم.

وارتبطت بحرفة الدباغة، حرفة الملاّحات، وكانت موجودة منذ القديم في صيدا، بشكل رئيسي، حيث كان يقوم بعض أبنائها بسحب مياه من البحر إلى برك اصطناعية خاصة، ويقومون باستخراج الملح من هذه المياه، إنما بطريقة بدائية، تطورت مع العمل في الملاحات الحديثة إلى الشمال من بيروت، وقد أطلق لقب الملاّح على من كان يعمل في حرفة صنع أو بيع الملح، ولا تزال إلى اليوم في صيدا عائلة تحمل اسم الملاَّح. وذكرت مصادر تاريخ صيدا عن ملاّحة بالقرب من منطقة البحر المالح، ويبدو أنّ هذه الملاّحة، قد لعبت دوراً اقتصادياً بارزاً في المنطقة المتواجدة فيها، إلى حدّ سميت تلك المنطقة بـ "محلة الملاحة" وأقامت السلطات العثمانية مخزناً لخزن الملح المستخرج منها.

وبعد الحديث عن الأزياء الصيداوية وما تستلزمه من مهن وحرف تدور في فلكها ننتقل إلى الحديث على حاجة أخرى يحتاجها الإنسان عموماً وتتلخص بالمأكل والمشرب، وقد نشأت حولها حرف ومهن متعددة ومتجانسة مع طبيعة لبنان بشكل عام وصيدا بشكل خاص، نذكر منها:

الطحّانون والعلاّفون: الذين عملوا على تلبية حاجة السكان الصيداويين خصوصاً بالإضافة إلى القادمين من القرى والمناطق اللبنانية القريبة بقمحهم لطحنه أو برغلهم لجرشه. وقد كانت هذه المهنة رائجة في الخمسينات، ربما بسبب كثرة الاعتماد على الزراعة، هذا بالإضافة إلى أن من عمل بهذه المهنة لم يقتصر على القمح ومشتقاته، بل تجاوزه إلى طحن الأرز والسعتر والتوابل على اختلافها. نذكر من الطحانين هؤلاء آل الصفدية والمارديني وآل الصباغ الذين كانوا ولا يزالون يملكون مطحنة بدائية في شارع الحسبة القديمة.

ووجدت مطاحن أخرى عديدة على نهر الأولي وكانت تدار بقوة المياه وأهمها طاحونة: الرحا، المعروفة بطاحونة الأمير، وتشتمل على ثلاثة أحجار مطبقة، تديرها مياه الأولي، ومطحنة مقيدح في شمال قناة الخاسكية، ومطحنة في بستان اليهودي، بالقرب من نهر البرغوث.

يذكر أن الحاجة إلى العلف كانت في فترة سابقة موازية للحاجة إلى الطحين، ذلك لرواج استعمال الدواب على اختلافها إضافة إلى إقتناء الأغنام والماعز والدجاج والأبقار في جوار صيدا القديمة، فضلاً عن تلبية حاجات القرى المجاورة. فنشأت بذلك حرفة العلاّفين الذين كانوا يستوردون كميات من العلف والتبن لتلبية هذه الحاجات، وهم كثر إلا أن مهنة العلاَّفين هي في طريقها إلى الزوال بسبب انحسار الاعتماد على الحيوانات واستبدالها بالآلات الزراعية الحديثة، إضافة إلى زوال البساتين من منطقة صيدا، خصوصاً أنها كانت المكان الأمثل لتربية المواشي.

هذا وقد ترافقت المطاحن – والأمر طبيعي – مع ظهور مهنة الفرّانين، حيث توزعت عدة أفران في أحياء صيدا القديمة نذكر منها فرن البطحيش الملقب بالبسطة، فرن شمعة، فرن الصفدية وفرن الأسمر وفرن الست نفيسة لآل الصباغ. وقد انتشرت الأفران بكثرة في الجزء الشرقي والجنوبي الشرقي لباطن المدينة بالمقارنة مع انتشارها في وسطها وغربها.

ويفسر لنا الربط بين هذا التوزيع للأفران وبين تخطيط المدن الإسلامية الحكمة من هذا التنظيم لهذه المنشآت الهامة، والتي استوجب توزيعها على الدروب وأطراف البلد لما فيها من المنافع وعظم حاجة الناس إليها، وكل هذه الأفران عائدة إلى العام 1261هـ/1845م.

وقد استتبع ذلك ظهور مهنة أخرى هي أجير الفرَّان الذي كانت مهمته التجوال اليومي في الأحياء لجلب العجين من البيوتات الصيداوية إلى هذه الأفران حيث يتم خبزها وإعادتها إلى أصحابها (ومن باب التندر نذكر أن هذا الأجير كثيراً ما كان يُضرب من قبل صاحب الفرن إذ أنّ ذنْبه هو أن أحداً لم يعجن ذلك اليوم، حتى إن السيّدات الصيداويات، وفي معرض تأديب أبنائهن كنّ يقلن لهم: تأدب وإلا شغَّلتك أجيراً للفرَّان).

ومع اتساع صيدا ظهر فرن لآل الحتحوت في محلة الشاكرية وفرن لآل حجازي في عين الحلوة وغيره الكثير. تجدر الإشارة إلى أن هذه الأفران كانت تنتج بالإضافة إلى الخبز اليومي للصيداويين خبزاً خاصاً بالبحارة يُعجن في البيوت ويُخبز في الأفران، وهو خبز عادي صغير الحجم يُخرق من وسطه، ويُخبز حتى يُقدَّد خوف تعفنه، ثم يعطى للبحارة مؤونة لسفرهم. وأثناء السفر يأتي البحّارة بهذه الأرغفة ويضعونها في الماء حتى تلين، ومن ثم تؤكل.

ونظراً للضرورة الملحة في وجود الأفران في أرجاء المدينة فإن تصميمها كان يخضع لتنظيم معين حددتها الأنظمة الفقهية، وذلك لمراعاة الظروف الصحية للسكان، كرفع سقائف تلك الأفران وفتح أبوابها، وجعل منافس واسعة (فتحات في السقوف) يخرج منها الدخان لئلا يتضرر بذلك الناس مع مداومة إصلاح هذه المداخن. وقد نصّت القوانين أيضاً على أن تكون حيطان الأفران جميعها من الحجر، والأبواب والدروندات مغشَّاة بالحديد والمشابك، وأن لا تستعمل في حيطان الأفران حيطان مشتركة، فيما بين البناء والفرن (الموقد) بل يجب أن تكون مسافة خلاء بين حائط البناء وحائط الفرن مقدارها 38 سم أو أكثر بحسب الاقتضاء.

كما نلفت الانتباه إلى مهنة رافقت الفرَّانين ألا وهي مهنة حمّال الحطب الذي كان عليه أن ينتقل في ضواحي صيدا وبساتينها للبحث عن جذوع الأشجار والأغصان وجمعها قرب الفرن. وكثيراً ما كانت تُحمل هذه الجذوع والأغصان على ظهور الدواب من خيول وبغال وحمير، حسب متطلبات الشوارع وحركة الازدحام فيها. ثم بدأت تُنقل بواسطة عربات الخشب التي ربما كانت تتسع لكمية أكبر وتعفو حامل الحطب من جزء كبير من تعبه.

هذا وقد بادت مهنة الخبز على الحطب وانقرضت بفضل المكننة الحديثة التي استجدت على الأفران، فلم يعد من داع إلى الاعتماد عليها كباب من أبواب الرزق إلا في باب التباهي في هذه الأيام، ربما لأنها تُساعد على جودة الخبز التراثي إن جاز التعبير. وللتأكيد على انقراض هذه المهنة بوضعها القديم نُشير إلى أن جميع أفران المدينة القديمة لا يزال قائماً ولكن كمبنى أثري ليس إلا. مع الالتفات إلى أن بعض ما تبقى من هذه الأفران يُستعمل هذه الأيام لشيّ الفول الأخضر، والحمص، بالإضافة إلى صنع الكعك وخبزه.

لم يفتنا أن أعمال صيدا القديمة لم تقتصر على الخبز وحده، إنما كان أهالي المدينة يأتون بما يصنعون من حلويات كالاسحا والغريبة والمعمول على أنواعه وبعض الطبيخ البيتي إلى هذه الأفران ليُصار إلى خبزها أيضاً. بالإضافة إلى أن أصحاب بعض محال الحلويات المشهورة كان يلجأ إلى هذه الأفران لخبز حلوياته أيضاً. وممن تخصص في هذا المجال فرن عبد المولى الصباغ في منطقة الست نفيسة في حي الجرايحي تحديداً. بالإضافة إلى فرن آخر في حي الأميركان في صيدا القديمة بالقرب من سينما الأمبير.

ونظراً لأهمية الحطب في دور الأفران، وتقديراً من الفرَّانين لجهود حمّالي الحطب المضنية، لم يكونوا ليتلفوا أي جزء منها حتى الرماد والجمر. فقد كانوا يعطونه للصيداويين في فصل الشتاء للتدفئة، كما كانوا يعطون الجمر والفحم المنطفئ للّحّامين حيث يستغلونه في شي لحومهم، لما يتصف به من سرعة الاشتعال وما يضفيه على المشويات من نكهة تُساعد في كثرة الطلب عليه. ومن الآثار الاجتماعية لهذه المهنة، أنها سمحت لصاحب الفرن وأجيره، وبداعي التجوال اليومي، أن يكونا على إطلاع واسع بالعائلات الصيداوية وظروفها وربما بعض خفاياها أيضاً. وكانت هذه العائلات لا تستغرب ذلك، بل ربما تراه أمراً طبيعياً كنتيجة لحاجتها إلى الفرَّان وأجيره على حدٍّ سواء.

وقد عرفت مدينة صيدا مهنة الجزارة منذ عهد قديم، وقد تركَّزت هذه المهنة في إحدى ضواحي صيدا الجنوبية حفاظاً على تنظيم المدينة الداخلي وتسهيلاً لعملية المراقبة الصحية، فقد اشتهرت تلك الضاحية باسم المسلخ، وأصبحت فيما بعد حياً من أحياء المدينة بعد اتساعها. وقد استلزم وجود المسلخ وجود سوق أخرى داخل المدينة عُرفت باسم سوق اللّحامين، ولا تزال إلى الآن رغم اتساع المدينة وانتشار ممارسي مهنة الجزارة شبه العشوائي فيه. إلا أن هؤلاء في معظمهم لا يزالون مرتبطين بالمسلخ كمصدر يومي لسلعتهم. وقد مارس هذه المهنة الكثير من أبناء صيدا كآل الصفدي، الديشاري، حبلي، خشون، القلعاوي، اسماعيل حبلي، أبو ظهر، البابا، أحمد صقر، الديماسي، القيسي الملقب بالشلهوب وعلي البزري، والشيخ الدرة، ورجب الأوسطة، باشو، وأبو مصطفى السكاكيني وغيرهم الكثير لأنه لا مجال لحصرهم.

ومن الأمور التي كانت تفرض على أصحاب مهنة القصابة نذكر، أنه حتى لا يحدث أي ضرر لأصحاب الأسواق أو للعامة من ساكني مدينة صيدا، فقد مُنع القصَّابون من الذبح على أبواب دكاكينهم، وكان عليهم أن يذبحوا في المسلخ الذي يوجد غالباً خارج البلدة.

وكانت بلدية صيدا تمنع – لتجنب تلويث الطريق العام بالدم والأوساخ – الذبح في الطرقات العامة كما كان ممنوعاً على اللحامين تعليق ذبائحهم خارج دكاكينهم، لأن في ذلك إلحاق ضرر بالناس، بسبب اصطدامهم بها.

وطبيعي أن يرافق الجزّارين الروَّاسون لترابط مهنتيهم، فقد تخصص هؤلاء ببيع رؤوس وكروش وكوارع المواشي، إلا أنهم استقلوا بسوق خاصة بداخل المدينة القديمة. ولم تعمر هذه السوق طويلاً بسبب تخلي أبنائه عن مهنتهم فقد انحسرت تدريجاً حتى لم يبق إلا آل الديماسي ممن مارس مهنة الروَّاسين.

ونظراً لازدهار حركة التجارة في صيدا منذ ردح طويل، ونظراً لاستقطاب المدينة أعداداً كبيرة من أبناء القرى المجاورة وربما البعيدة نسبياً، كان لا بد من تقديم الغذاء لهؤلاء أثناء تواجدهم فيها، لذلك نشأت المطاعم على أنواعها، ولعل أشهرها مطاعم الفول والفلافل التي اشتهر بها قديماً كل من: ديب الجاد، رازيان، عبد النداف، محمد نضر، عبد الوتار، أحمد الأرناؤوط، ادريس، والسبكي، بالإضافةإلى مطعم امتاز عن كل هؤلاء أنه يقدم لزبائنه الطبيخ البيتي بكل تعقيداته، وهو المشهور باسم مطعم الكبة.

ولعل سبب ازدهار هذه الصنعة كما أشرنا وفود القادمين إلى المدينة من الفلاَّحين، فضلاً عن أنها قد تستهوي العزّب من الشباب وتلبي حاجتهم دون أن تسلخهم عن عملهم لفترة طويلة، هذا فضلاً عن أن أغلب العائلات الصيداوية العريقة كانت تعتمد في معظم طعامها على هذه المطاعم تلبية لحاجة الفلاَّحين الوافدين كونه كان يقدم طعاماً بيتياً فلا يشعر الفلاَّح في المدينة بأي حرج أو تغير لطعامه، زد على ذلك أن نسبة لا بأس بها من زبائن هذا المطعم كانت ممن يقع فريسة لنزاع عائلي مع أم أو زوجة فيغادر بيته ليجد ملاذاً مناسباً هو مطعم الكبة.

ومن مستلزمات المطاعم ظهور المخللات وصناعتها. وقد اشتهر بها كثيرون أولهم الدالي بلطة الذي كان أصلاً" بائعاً للخضار، ويذكر أن أحد أسباب عمله صناعة المخللات حرصه على عدم هدر بعض خضاره، فكان يلجأ إلى تخليلها حتى لا يخسر ثمنها. فحذا حذوه الكثيرون واتسعت هذه الصناعة لتلبي حاجة المطاعم والبيوت على حدٍّ سواء.

ونذكر أن تلك المطاعم كانت في أوج ازدهارها منذ ما يقرب من سبعين عاماً رغم الطابع البدائي الذي سيطر عليها، ورغم أن معظم اربابها قد تخلوا عنها، نجد الباقين عليها قد طوَّروها بشكل ملحوظ حيث غدت حاجة ملحة للمدينة ومصدراً لائقاً للرزق، فبعد أن كانت جميع هذه المطاعم ضمن أسوار المدينة نجد معظمها قد انتشر في ما كان يعتبر من الضواحي ليعم كامل أرجاء صيدا وخريطتها الحديثة.

ولا ننسى الحديث عن تجفيف الخضار الذي يُسمى في عُرف الصيداويين تيبيساً. فتقطع الخضار التي يمكن حفظها ثم تسوك بالملح الشديد وتجفف بالشمس.

ومن هذه الخضار الباذنجان والبندورة والبامياء.

أما البامياء فتجفف دون ملح تحت الشمس، وعادةً تُشكّ البامياء في خيوط وتجفف ثم تعلق في المطابخ.

كذلك تُجفف أوراق الملوخية المقطوفة والمغسولة جيداً لكنها تُجفف في الظل لتحتفظ بلونها. وتُجفف حبات البازلاء تحت الشمس دون ملح كما يُجفف العدس.

في بيت من بيوت صيدا ... بيت من الأمس ... أو بيت من اليوم.

لكن البيت مبني بالطريقة القديمة .. له باحة سماوية منفصلة عن خارج الدار، مفتوحة على الشمس والهواء والصحة.

وحول هذه الفسحة المربعة أو المستطيلة، تتابع أبواب الغرف المطلة على الصحن. ومن جملة هذه الأبواب باب المطبخ.

تنزل ربة البيت الشابة منتعلة قبقابها الشبراوي الذي يزيد من طول قامتها.

السيدة تتبختر، وتشمِّر عن ساعديها، وتجلس تحت عريشة المنزل. أمام أكوام الرمان تجلس وتنادي على بناتها وأخواتها. فالحياة في البيوت الصيداوية القديمة تعاون. وأنهن سوف يشرعن بصنع دبس الرمان. تقسِّم كل رمانة إلى قسمين وغالباً تُفلق فلقاً.

وتستبعد الأوعية النحاسية لتأكسدها بالحموضة. فالرمان المستعمل لصنع دبس الرمان هو الرمان الحامض (اللفاني) ثم تبدأ السيدات بضرب نصف الرمانة بيد هاون صغير، بينما يكون السطح المقسوم معانقاً لراحة اليد. ولسوف يتساقط حب الرمان تباعاً. السيدات يعصرن حب الرمان بأيديهن بعد رشِّه بالملح ومن الحب يسيل الرحيق إلى المصفاة.

ومتى تجمعت النوى الصغيرة البيضاء عصرت تماماً ثم أُبعدت.

بعد التصفية لعدة مرات تبدأ عملية التمرير النهائي من قماش شفاف، أو منخل شديد النعومة ثم يُغلى العصير مع الملح على النار (الوجاق) حتى يتركز. يُسكب عصير الرمان في أطباق ثم يوضع على سطح المنزل ولسوف تساعد الشمس على إكمال إنضاج دبس الرومان حتى يصبح ذا كثافة تتناقل الأجيال تقديرها. وبعدها يُعبأ في زجاجات من البلور. ويحكم إغلاق الزجاجات بالشمع المذاب.

ومنذ أن غزت البندورة بلاد الشام عام 1857م، أصبحت تقيم في كل بيت ومنها بيوت صيدا القديمة.

ولا بد للشتاء من مخزون أمان، ولا بد لخزن البندورة في أمان في الشتاء.

ولقد كانت كل أسرة تأخذ حاجتها من (الصناديق) الخشبية التي رُصفت فيها الثمار الحمراء بعناية.

تشرع الأم بغسيل الثمار جيداً ثم تتركها لتجف لتبدأ من ثم عملية التقطيع في (طشوت) كبيرة. ومن المعتاد أن يرش الملح فوق الثمار المقطعة. تذبل الثمار، لتبدأ عملية (الدعك) التي تدعى (العك) في اللغة العامية.

ويكون الدعك باليدين – فينفصل العصير ويسيل من المصفاة التي توضع بها كمية إثر أخرى من البندورة. وبهذه الطريقة يتم التخلص من القشور التي تبقى بعيدة عن ثقوب المصفاة. وتستبعد معها كميات البندورة الصغيرة التي لا حصر لعددها.

وقديماً كانوا يلجؤون إلى طبخ دبس البندورة تحت شمس الصيف بعد رش كمية مناسبة وواضحة من أسطح المنازل، تشاهدها الصقور والطيور المحومة.

وبعد ذلك يُعبأ شراب البندورة ويحفظ بعد وضع قطعة من الكتان المبسوسة بالزيت الكثير فوق فم الوعاء.

ومن حِرَفْ البساتين أيضاً حفظ الفواكه من التلف.

إذ تخاف كل الفاكهة من السفرجل. فهو لا يقرب شيئاً منها إلا أنضجه ومن ثم أفسده.

أما قطافه، فيكون برفق كيلا يتهشم أو يصيب بعضه بعضاً وليكن المختار منه للحفظ ما كان فيه بعض الفجاجة. ولتكن السفارج خالية من الآفات مستوية إلى نهاية المستطاع من الاستواء. فإذا قطعت السفارج بمعاليقها فأحسن. فلا يتسرب شيء من الفساد إلى نهاية المعلاق المقطوف.

- اللف بورق الحور: تُلف كل حبة بأوراق الحور وتربط بالخيوط فتبقى.

- الحفظ بمشاقة الكتان: كما يمكن أن تُلف كل سفرجلة بمشاقة من الكتان وتربط فتحفظ.

- الحفظ بالطين: كانت العادة أن تطين كل سفرجلة بطين مؤلف من: تراب أبيض وحصى معجون بالماء ثم تُجفف بالشمس. وعند الحاجة إليها تنقع فيزول الجص (الجفصين). وكان اللوح المعلق أي (الرف) أداة لحفظ السفرجل إذ تنشر فوقه.

- الحفظ بمكان بارد: من المستحسن أن تعلق السفارج بمعاليقها في مكان بارد. فلا تصيبها شمس، ولا تلفحها ريح ولا يطالها دخان، ولا تقربها حرارة.

- الحفظ بالشعير: ولقد كان معروفاً أنه إذا وضعت السفارج في الشعير بقيت وقتاً طويلاً.

- طريقة أخرى للحفظ بمشاقة الكتان: يؤتى بمشاقة من الكتان تغرس في آنية جافة ثم يجعل الكتان طاقة والسفرجل طاقة. ليمتنع تماس السفرجل ببعضه. فهو يفسد حتى فصيلته. وبعد فرش السفرجل، يُغطى الإناء ويطيَّن بطين، ثم يُعلَّق في مكان بارد فيبقى إلى حزيران.

- الحفظ بورق التين: يؤتى بورق التين... وتُلف كل سفرجلة على حدة. ثم تطيِّن بالطين الأبيض الحلو وتُجفف بالظل، فتبقى.

- الحفظ في النشارة: يُدفن السفرجل في نشارة الخشب فيبقى.

- الحفظ بالعصير: ومن طرق الحفظ المترفة لحفظ السفرجل أن يُسقط في عصير حلو فيحفظه العصير. تمارس هذه الطرق لحفظ بعض الفواكه الأخرى.

- حفظ العنب: كانت الكروم قديماً محاذية للتراب، فكان يفسد طرف العنقود الذي يلامس الأرض. ويكون ذلك من رطوبة الأرض المالحة.

أما كيف تُحفظ العناقيد على أمهاتها فبتفتيت ما حولها من الورق ثم تؤخذ خمس قصبات في يد خمسة من الرجال. كل قصبة تُشعل فيها النار وكل رجل يقرِّب ناره من العناقيد التي ابتدأ فيها الفساد. ويكرر ذلك كل أسبوع حتى تزول العلة.

إن هذا يعني أن القدامى كانوا يعرفون ضرورة إزالة الرطوبة عن العناقيد، ويعرفون ضرورة تعريضها للهواء والشمس.

ويعرفون ضرورة تدفئة العناقيد والمكان ما أمكن للتخلص من الرطوبة وهذا ما دعا الفلاَّحين إلى رفع الكروم عن الأرض.

- إدِّخار العنب: المهم هو إبعاد العنب عن السفرجل.

- ورق التين وحطبه: يُحرقان ويرشان على العناقيد فتبقى.

- ماء الشب: تُغمس العناقيد بماء الشب وتعلّق فتبقى طوال العام.

- نشارة الساج والأرز ورماد الكرم: كانوا يضربونها قديماً بماء شديد ثم تُغمس العناقيد بهذا المزيج المتجانس ثم تُفرش على قماش نظيف أو تُعلَّق في غرفة منزوية.

- الطين الأحمر في بدايات القرن العشرين: كانوا يغمسون العناقيد في الطين الأحمر ثم ينشرونها على أقمشة بيضاء ليجف عنها الطين لحين الطلب فتُغسل وتُؤكل.

- الأواني الفخارية: ومن طرق الحفظ القديمة الحفظ في الأواني الفخارية شرط ألا تكون العناقيد فاسدة، ثم يُطين عليها – فيصب على الظرف طين رقيق من تراب أحمر.

هذه العملية، تعلن عن كتم الهواء وإبعاده عن العنب، وبالتالي إبعاد الجراثيم المسببة للفساد. كما يحدث في أواني الضغط تماماً.

- تبن الفول، تبن الشعير، تبن الترمس: وعشرات الطرق والمكان يجب أن يكون بارداً بشكل دائم. لا تشرق عليه شمس ولا توقد فيه نار.

إنه البراد القديم حافظ الفواكه والمؤونة بدرجات حرارة منخفضة إنه (قبو) المنزل تحت التراب.

كان أهل المنطقة القدامى يدفنون جرار العنب تحت التراب ويستخرجونها متى أرادوا، فإذا العناقيد كنوز لم تُمس.

- الجرة داخل الماء: من أجل طرق الحفظ أن توضع الجرة في الماء إلى حلقها وفيها العناقيد مع قضبانها وورقها تعلّق تعليقاً داخل الجرة، فتظل على حالها طيلة الشتاء.

- الماء المعقم: ومن الطرق أن يؤخذ ماء غُلي وبُرِّد بعد أن بلغ إلى ثلثه في الغليان ثم يُسكب الماء في وعاء من الزجاج ويجعل في الماء عناقيد العنب الخالية من الحب الفاسد ثم يغطى.

- العناقيد على الدوالي: - كيس من الشاش: منذ قرون وإلى يومنا هذا يلجأ بعض أهل صيدا إلى إلباس كل عنقود ثوباً من قماش رقيق من الشاش وهو الكتان الناعم المفرغ يدخل فيه العنقود ويُربط الكيس بخيط يزمه من عنقه، فيبقى العنقود داخل الكيس، معلقاً على الدالية، طيلة الشتاء.

الصوف:

وأن تبقى العناقيد على أمهاتها تُلف بصوف منفوش وأهم طريقة لحفظ العنب وهو ما يزال على داليته أن يؤخذ قضيب مليء بالعناقيد ويثنى حتى أسفل الجفنة ثم يوضع في حفرة بعمق ذراعين مفروشة بالرمل ولتسوّ العناقيد في الحفرة دون أن تمس الأرض ثم يُشد قضيب الكرمة على وتدٍ حتى لا يخرج. وتُغطى الحفرة فيما بعد بأوراق السوسن ولينثر عليها التراب حتى يتلبد عليها وليكن الرش مثل الدقيق فتستمر العناقيد إلى ما بعد آذار طرية غضة وهي محفوظة داخل هذا المجمد الأرضي المحصن.

وبذكر صيدا، لا بد من ذكر حلوياتها ومحالها، فمنذ زمن بعيد كانت صيدا وبعض الحلويات وجهين لعملة واحدة، فممن اشتهر في هذه الصناعة قديماً: أحمد بورة، الدنغلاوي، سعد الدين شاكر، والقصير، ومصطفى الديماسي، السنيورة، الرملاوي، البابا، الوتار، وغيرهم الكثير ممن كان ينتج المعمول على أنواعه والبقلاوة بأنواعها وصولاً إلى كل أنواع الحلويات الموجودة حالياً في المدينة، إضافة إلى صناعة المعجنات لا سيما البرازق. وكانت عبارة عن رقائق خالية من السكر تُغمر على الوجهين بالسمسم وتُخبز حتى تحمص. ومن رواد هذه الصناعة آل سمهون. وفي مجال صناعة السكاكر وعلى وجه الخصوص الملبس على لوز وعلى قطر اشتهرت عائلتا النقوزي والسردار بالإضافة إلى آل المهتار الذين اشتهروا بصناعة السحلب. كما اشتهر بصناعة الدربس عائلتا أبو مرعي وسرحال، وهما من إقليم الخروب، وقد أقاما مراكز عملهما بالقرب من المسجد البراني في مدينة صيدا. ومعمل لآل الددا في خان الرز بالقرب من البحر.

وعرفت صيدا حرفة استخراج السكر من قصب السكر. فقد كانت تتم عملية استخلاص السكر بغلي أعواد القصب ثلاث مرات وتصفيتها وذلك لإزالة الشوائب منها، ومن ثم يحوَّل السائل إلى جسم صلد يقتضي تكسيره إلى قطع صغيرة عند الاستعمال.

أما أنواع السكر الأقل نقاوة فتُسمى السكر الأحمر والسكر السليماني.

وكان يُعمل للأولاد نوع من الحلوى مؤلَّف من ماء وصبغة وسكر يسمى بالسكر عنبر.

والسكر النبات هو البلور في اللغة الفارسية بعد تعقيده على النار.

وصناعة سكر النبات، صناعة قديمة في صيدا وكانوا وما زالوا يدخلون أعواد النبات الذي تُصنع منه المكانس في السكر وهو حار، ليتمكن الأطفال من إمساك عود السكر المبلور الصغير، واقتطاع ما يمكنهم اقتطاعه.

كان السكر نبات يدعى نبات الشعر.

ويقول فيه الشاعر:

حلا نبات الشعر يا عاذلي لما غدا في خده الأحمر

فشاقني ذاك العذار الذي نباته أحلى من السكر

وغزل البنات هي حلوى من السكر الخالص، هشّة تذوب كالهيولى في الفم، وتُصنع خصيصاً للأطفال.

ومن أنواع الحلويات التي اشتهرت في صيدا منذ القدم السنيورة والفستقية والبندقية والسمسمية والجزرية والمعلل، وجوز الهند التي عمل بها آل السمرة وآل الأرناؤوط، وآل طالب، وآل الجعفيل، وآل سمهون، وآل النوام، وكثير من العائلات الصيداوية. كما عمل هؤلاء أنفسهم بصناعة الجلاَّب، والتمر هندي، والتوت وعصير الخروب، وكلها تروج عادة في أيام الصيف كمرطبات وفي شهر رمضان على وجه الخصوص.

وبذكر رمضان نذكر معه صناعة القطايف باعتبارها الحلوى المميزة فيه، وقد اشتهر بها قديماً السيد البابا قرب خان الافرنج إضافة إلى آل السبكي، أما حديثاً فقد أصبحت هذه الصناعة رائجة وروّادها كثيرون لا مجال لحصرهم، إلا أنها صناعة تكاد تكون محصورة في شهر رمضان.

وتتطلب هذه المصنوعات الآنفة الذكر ماء الزهر وماء الورد، فمن الطبيعي أن يعمل بها صيداويون كثر، خصوصاً وأن المدينة اشتهرت منذ القدم ببساتينها، فأشجار اليوسف أفندي كثيرة، والورد كثير أيضاً، وقد تميز بها قديماً البستانيون على وجه الحصر.

سل أيها القارئ اللبيب المسافرين إلى صيدا براً أو بحراً في فصل الربيع عن الروائح العطرية المنبعثة من بساتين صيدا فيجيبوك أنهم ينتعشون بشذاها قبل وصولهم إلى صيدا بأربع ساعات (1913) وكلما اقتربوا من المدينة تزداد روائح الزهر الزكية فتنشط قواهم خصوصاً عند الصباح فيصبح مستنشقاً ثملاً مدة ذاك النهار منشرح الصدر خالي البال منتعشاً من عرفها اللذيذ. وفي هذه الأيام البديعة تتسابق الأهالي زرافات زرافات قبل بزوغ الفجر فتقضي بضع ساعات خارج البلدة متمتعة بأطيب الروائح وأذكاها فتدخل البساتين وتقطف من أزهار الصفير والبرتقال وتجمع منها ما لذ لها وطاب وتحضرها إلى منازلها وتحفظها في قاعات الاستقبال فيتعطر المكان من رائحتها حتى يخال للداخل إليه أنه في جنة غنَّاء. لكن حذار من إبقائها مدة طويلة في قاعات النوم تركها بها ليلاً لأن عرفها القوي يضر بالنائم فتتخدر أعضاؤه، ويشعر عند استيقاظه بارتخاء في جسمه ربما تولد له منه ضعف شديد.

ويكثر في شهري شباط وآذار الإقبال على زهر الصفير لأن الأهالي تستخلص منه ماء فوائده معروفة شائعة.

أما الحلويات على اختلاف أجناسها فإنها إذا مزجت بشيء من هذا الماء تحسَّن طعمه واكتسبت رائحة ذكية تجلب للمتناول منها القابلية. ولماء الزهر أيضاً فعل في التشنجات العصبية. وقد اصطلح الأطباء على صنع صبغة من قشر الصفير غاية في الإفادة يضيفونها إلى بعض من الأدوية بصورة شراب فيقبلها المريض إذ ذاك بطيبة خاطر ويسر بطعمها ويداوم على شربها بالرضى. وأطباء مدينة صيدا (1913) يصفون للمرضى بالحميات الثقيلة مص البرتقال لأن منه تترطب المعدة وتخف أوجاعها. وقد جرَّب الكثير من أهالي صيدا ورق الصفير المغلي فوجدوا منه فوائد عظيمة للمصابين بأوجاع المعدة المزمنة.

وقد تمتع ماء الزهر الصيداوي بشهرة واسعة في كل بلاد الشام، وأنحاء مصر واسطنبول، وقد صدَّرت صيدا منه عام 1905م، إلى سوريا ومصر واسطنبول،حوالي ستة آلاف كيلو. بينما بلغت كمية المصدر منه سنة 1907م، إلى البلدان المذكورة حوالي سبعة آلاف كيلو.

وكم عُطِّر الماء بماء الزهر، وكم رُش على وجوه الصبايا المتعبات وكم وُضع في قماقم الفضة. كم نُقطت بضع قطرات منه في الحليب المطبوخ. وكم نقطة مُزجت مع عصير البرتقال المطبوخ مع النشاء والسكر (البالوظة) وعلى حين قريب كانت أمهاتنا في بساتين صيدا القديمة وجدّاتنا يضعن الأزهار في الكركة فتقطر منها الوجبة الأولى الفاخرة. وكن لا يرمين الأزهار فللزهر تقطير ثانٍ: يدعى نتاجه الرجعي أو التني. وهذا ماء زهر جيد، لكنه ليس بعيد الأثر بينما يكون تقطير الوجبة الأولى هو الأفخم وهو الذي يبقى ربما لسنوات.

وطالما جرى الحديث على المشروبات والمرطبات، نذكر صناعة البوظة التي كانت قديمة في صيدا وبدائية الطريقة، إذ أن هذه الصنعة كانت تتطلب جسماً قوياً، لأن من عمل بهذه الصناعة غالباً ما كان يعجنها بيديه في آنية نحاسية. وقد عمل بهذه الصناعة كل من حسن وهبي قرب الحسبة القديمة، ومعه العيلاني، وآل حنقير وعبد النبي قرب جامع قطيش، والنعماني، والنوَّام قرب سينما أمبير سابقاً.

وحول الصناعة القديمة للبوزة نذكر أن أشكال العبوات "القراطيز" لم تكن معروفة لدى الصيداويين بشكلها الحالي، إنما اعتمدوا شكلاً يُشبه قمع الكاز مصنوعاً من الحديد، كانت توضع فيه البوظة ويُدس طرفه في فم الغلام الذي يمتصه بدوره شيئاً فشيئاً.

وقد تطورت هذه الصناعة بدخول المكننة إليها، ونشأت في المدينة عدة معامل متطورة لا مجال لحصر أصحابها، وقد تخطى حجم إنتاجها استهلاك المدينة، فانتشر على مستوى معظم المناطق اللبنانية.

ومن الحلويات البائدة التي أدَّت قسطها للمدينة نذكر "البلغوم" وهو عبارة عن عصير الفواكه يجمّد ويباع في أيام رمضان، يوضع في كاسات. أما وسيلة أكله التي اعتمدها صانعه، فقد كانت عبارة عن مسمار مثبت بخشبة مهمته نقل البلغوم من الكاسة إلى فم الزبون مباشرة.

يذكر أن الكتاتيب والمدارس كانت تحذر من أكله لعدم التثبت من النظافة الصحية فيه. وممن عمل بهذه الصناعة وحقق شهرة لا بأس بها آل بيضون.

أما الحديث عن اللّبانين، نذكر أن اتساع مساحة البساتين في ضواحي صيدا قديماً أسهم في اقتناء الكثير من المواشي على اختلافها، مما دعا البستانيين إلى استغلال حليبها ومشتقاته كمؤونة بيتية لهم بالدرجة الأولى، وما زاد عن حاجتهم كان يُباع تبعاً للطلب. وممن اشتهر في هذا المجال آل النعماني، وآل سنجر، وغيرهم. كما وباع البستانيون حليب مواشيهم داخل أسواق صيدا القديمة، حيث الصيداويون يصنعونها لبناً ولبنة، كما كانوا يصنعون الجبن، وخاصة من حليب الماعز. آل اليمن وآل الهواري كانوا يبيعون الحليب من البساتين إلى ضواحي صيدا على الدرَّاجات الهوائية.

وكان الأوائل من سكان مدينة صيدا يغلون الحليب بالحجارة يحمونها، ويطفئونها في الحليب حتى يغلي. ويؤكد الصيداويون أنهم يستطيعون معرفة اللبن الجيد بإغراق الأصبع فيه، فإذا علق بها يكون جيداً غير مخلوط. وفي مجال صناعة الجبن أو القريشة، إن مصل ماء الجبن هو الذي تُصنع منه القريشة. يوضع هذا المصل على النار حتى تتشكل القريشة ومتى تشكلت وضعت في كيس لتتم عملية التصفية. وعرفت صيدا أيضاً صناعة الجبن الربيعي الذي كان يخمر، ثم يُضاف إليه الماء، ويذوب على النار، وتظل عملية التحريك والمط مستمرة حتى يصبح الجبن إذا أخرج من ماء الغليان بالكفكير أو المصافي، خيوطاً، تتجمد عند ملامستها للهواء فتعقد مع بعضها وتسمى "شلة الجبن" تُحفظ بالماء المملح بعد إضافة المسكة والشونيز.

وعرف أهالي صيدا، لا سيما منهم الذي كان يعيش في بساتينها طريقة زل الدهن، وجعله صالحاً للاستخدام في الطهي. حيث كان يؤتى باللِّية البيضاء، ثم تُقطع على قطع ناعمة، وتوضع في وعاء ومعها قبضة من البرغل، وملح، وتُسلى سلياً على النار الهادئة. ينفصل محتوى الدهن فيصبح كالسمن. وتصبح قطع اللّية محمرة ملذوعة تتقرمش إذ تؤكل مع خبز بيتي.

ثم تصفى القدر ويستعمل ما نزل منه كسمن للطبيخ وتؤخذ قطع الدهن المتحرقة بوهج الجمر فيرش فوقها الملح والفلفل وبين أحضان الخبز توضع وتؤكل.

أما في مجال استخراج الزيت، فلم تكن زراعة الزيتون معروفة في المدينة، إلا أن الضواحي كانت تزرع بالزيتون، فكان أهالي صيدا يشترون الزيتون من القرى المجاورة ويعصرونه في معصرة بدائية كانت ولا تزال في محلة الحارة (الضاحية الشرقية لصيدا وهي معصرة آل عبود في محلة القناية).

وبطبيعة الحال يحتاج الإنسان مسكناً يمارس فيه حياته اليومية، فيريحه نهاراً ويستره ليلاً. وبهذا نشأت مهنة البناء، وكثر البناؤون في المدينة الذين كانوا يرفعون المساكن من الحجر الرملي. نشير هنا إلى أن مبدأ غرس الركائز في الأرض لم يكن معروفاً، إلا أن هؤلاء البنَّائين كانوا يلجأون إلى رفع العقود والصابات المتميزة بعرض جدرانها وضخامة الحجر فيها. وقوام ذلك رصف الأحجار فوق بعضها، تفصل بينها طبقة من الطين والتراب المعجون ببقايا رماد الأفران والحمَّامات. حتى إذا ارتفع العقد والصابات دعّموه بالخشب حتى يتماسك، ومن ثم يُملأ سطحه بالتراب ويُحدل بمحدلة يدوية، فيهيأ بذلك إلى رفع المسكن فوقه. وحجارة المسكن أصغر حجماً من حجارة العقود والصابات، ترفع بشكل مربع كما هو ملحوظ للعيان. أما السقوف فلم تكن في أول أمرها من الإسمنت، لكنها كانت تعتمد الجسور الخشبية طولاً، وهي جسور من خشب القطران أو الخشب البيَّاسي، وهذان نوعان لا يدخلهما المسمار بسهولة كما لا يتآكلان بالسوق أو العوامل الطبيعية، وبعد هذه الجسور كانت تُمد الألواح الخشبية متعارضة معها ليصار بعد ذلك إلى مد الطين وحدله.

أما الشبابيك والأبواب فكانت من خشب القطران أيضاً. وكانت تُستر بالمشربيات، وهي عبارة عن قضبان خشبية توضع بشكل يسمح لمن بالبيت أن يرى خارجه بينما يستره ممن بالخارج.

أما الروشن "الفرندا" فلم يكن معروفاً في صيدا إلا ما ندر، ولعل ذلك بسبب قرب المساكن من بعضها بشكل لا يسمح بإقامة الرواشن. وسلالم البيوت كانت من حجارة الصوان الطويلة نسبياً، تُنحت باليد وتشرّك مع أحد جدران البيت بحيث لا يتم البناء إلا ويكون السلم مبنياً معه. وكان للسلم متكأ "درابزين" خشبي تطور فيما بعد حتى وصل إلى الحديدي، وكان يُصنع عند الحداد، إلا أنه لم يكن يُلَّحم ببعضه، ولكن كان يُربط ربطاً.

وبعد إتمام البناء لا بد من تأهيله للسكن. وتأهيله يتطلب عدة أمور، المطابخ والحمَّامات ووسائل الصرف الصحي. فالمطابخ "المجالي" كانت تُصب من الإسمنت في أول الأمر حتى تعرّف الصيداويون على البحص الأردني فأدخلوه في صبّه ليعطيه رونقاً وجمالاً. وكذلك بالنسبة لحمَّامات البيوت. ولقد كانت تُصبغ كراسيها بالاسمنت وتُكحل باليد لتخرج منها مجاري الصرف الصحي على شكل أقماع فخارية يدخل بعضها في الآخر حتى يصل إلى الأرض حيث تنتهي إلى مجارٍ عامة مُدَّت تحت الأرض لتصل إلى البحر.

ونأتي بعد ذلك إلى مهنة الطرش التي اعتمدت أول أمرها على الإتيان بالكلس الحجري إلى حارة اليهود حيث يتم نقعه بالماء ليختمر ويبيّض تمهيداً لاستعماله. أما بيوت الأغنياء فكانت تُبيَّض بالكلس، وتُزيَّن الجدران والسقوف بزخارف ورسوم هندسية وحيوانية، وآيات قرآنية، ونقوش أخرى متنوعة، وكانت تُستعمل فيها الألوان الفاقعة، كالأحمر والأخضر والأصفر. وقد اشتهر بهذه المهنة قديماً رجلٌ من آل القصير ودرويش وهبي، وخليل المهتار، والبتروني، بالإضافة إلى سبيريدون المسيحي الذي كان أغلب عمله في الكنائس والأديرة والمدارس المسيحية بناءً لطلب القيِّمين عليها. ثم عرف الصيداويون نوعاً من التلوين استعملوه في تلوين الكلس، كما وظّفوه في تلوين أرض البيت بعد أن أصبحت تصبّ بالإسمنت.

هذا ولم يقتصر عمل البنّائين على تشييد المنازل، فقد عملوا أيضاً في بناء أسوار البساتين بالطريقة نفسها التي بنوا بها البيوت، بالإضافة إلى كونهم كانوا يمدون أقنية الري التي غالباً ما كانت تأتي جاهزة من الإسمنت ويقتصر دورهم على وصل قطعها وتثبيتها في الأرض.

وبالإنتقال إلى النجّارين، نذكر أنها كانت مهنة رائجة في مدينة صيدا منذ القدم، وذلك للحاجة إليها بدءاً بالبيوت ومستلزماتها، فمن صناعة الأبواب والشبابيك إلى صناعة أثاث المنزل مثل الصندوق لوضع الثياب، وقد تطور حتى أصبح خزانة. وقد كانت الخزانة عبارة عن صندوق مكعّب الشكل تُثبت فيه درف ويعد لتعليق الثياب أو طيّها فوق بعضها، ثم تطورت لترتفع ويقل عرضها، وزينت بألواح البلور التي كانت تستورد من الخارج لهذه الغاية. والمدّ والبوريه والأسرّة ومشاجب الثياب التي كانت عبارة عن أعمدة تعلَّق بها علاّقات لحمل الثياب، وصولاً إلى صناعة الكراسي الخشبية الكبيرة والصغيرة، والقباقيب والشوابك، والمدقات والمناخل، والغرابيل، والطبليات، أي إلى كل ما يحتاجه المنزل من أثاث. ولعل سبب استمرارية هذه الصناعة هي أنها كانت منذ قدمها تشدّ أنظار القروي أكثر من ابن المدينة لأن القرى ما زالت كثير منها تحافظ على تراثها القديم التي لم تستطع الخروج منه حتى الآن.

أما الناحية التقنية لمهنة النجارة فقد تطورت كثيراً، ذلك أنها بدأت باستعمال المنشار اليدوي الكبير الحجم، والذي كان يُشد بحبل مثبّت في طرفه الأعلى بغية المحافظة على ريشة المنشار قاسية وحسنة الأداء. وقد ترافق هذا المنشار مع منشار أكثر ضخامة عرفه النجّارون باسم "منشار السقالة" الذي كان يُستعمل بواسطة رجلين أحدهما يقف على الأرض، والآخر يقف على "سقالة" خشبية، وذلك لنشر جذوع الأشجار طولياً وعرضياً بهدف تهيئة الخشب اللازم لمصنوعاتهم. وبعد هذا النوع استعمل نجَّارون من آل الددا منشرة آلية تعمل بواسطة المازوت، وكان محلها قرب البحر. أما طريقة عملها فتلخص بأنها عبارة عن عدة مناشير تتصل ببعضها بواسطة قُشُط جلدية عريضة، كما تصل هذه القشط الآلات بمحرك يعمل على المازوت، فإذا أُدير عملت جميعها دون توقف. وبالإشارة إلى المناشير وعملها نذكر هنا أن مهنة أخرى ترتبط بالنجّارين من قريب أو بعيد هي مهنة جلاّبي الحطب، ذلك أن ما يجلبونه من جذوع الأشجار غالباً ما يكون أكثر من حاجة الأفران، فكان النجّارون يستغلونه لصناعاتهم. كانت أحطاب الأشجار وأغصانها المتحطمة تؤمن حاجات البلدة من الوقود على اختلاف أنواعه، تساعدها أغصان العنب وجذوع الغار والشيح التي تنحصر وقود المخابز (الأفران) بها وحدها، وكان يوجد في المناطق الجبلية الكثير من شجر البلوط والسنديان فيقطع منها في كل عام قدر معيّن ويُحرق ويجعل فحماً تستعمله صيدا في الاصطلاء ويساعدها على الطهي والطبخ أيضاً، وهذا القدر الذي يقطع من الأحراج كان لا يأتي على الشجرة كلها بل يتناول بعض أغصانه وتعود إلى سابق حالها.

ولما كانت عملية جلب الحطب ضرورية للنجَّارين، ومن باب تسريع عملهم، عمد النجارون إلى صنع الطنابر الخشبية وإطاراتها. وممن عمل في هذا المجال: عبد الكريم الصباغ العشباوي، والنجّارون أنفسهم، فازدهرت بذلك المهنتان معاً: جلب الحطب والنجّارة. ومن رواد مهنة النجّارة في صيدا قديماً نذكر كلاً من أبي سليمان حفوضة، الذي اعتبر أول من اقتنى مخرطة يدوية، وتميز عن غيره بصناعة أقفال خشبية لبوابات البساتين، والتي استعمل بعضها لأبواب بيوت صيدا القديمة. إضافة إلى محمد أبي علفا، محمد سنجر، وخضر الحدّاد، والمكاوي، وإدريس، فضلاً عن أحمد العوجي وغيرهم الكثير ممن لا مجال لحصرهم هنا.

وبرزت مع مهنة النجارة مهنة أخرى في إطارها هي مهنة الجلخ والسنّ، فقد كان محمد حفوضة الملقب بالشريك أشهر من عمل بسنّ المناشير.

كما اشتهر قاسم الملاح بجلخ جميع الأدوات المعدنية من مناجل وفؤوس وسكاكين ومقصات مما يحتاجه النجّار والحلاَّق والفلاَّح وربّة البيت في آن معاً. علماً بأن هناك من كان يتجول في الشوارع ويلقب بـ "المجلّخ" وكنت أشاهده بأم العين. وتفرَّع من مهنة النجارة مهنة تلبيس القشرة بواسطة الغراء الأسود الذي كان يُحمى على النار، وقد ذكر لي بعض النجّارين قديمي العهد بالمهنة أن مهنة التلبيس هذه استقدمت من مصر. كما عرف الصيداويون مهنة الحفر على الخشب من مصر أيضاً. إلا أن هذه المهنة كانت تعتمد بشكل رئيس على ذوق الحفَّار وإبداعه. ولعل سبب ذلك عدم توفر الآلات المتطورة. هذا ويستتبع مهنة النجّارة أيضاً مهنة التنجيد، فقد كان الأثاث بكامله تقريباً يعتمد مبدأ الرفَّاصات النحاسية التي توضع على ألواح خشبية ثم تُغطى بالخيش والقش والكتَّان والحبال، ثم تُشد وتُنجد. وأشهر ما كان ينجد بهذه الطريقة الكراسي وفرش الصالونات، لا سيما موديل الستيل.

نجد من اللطيف أن نذكر أن مهنة التنجيد بحد ذاتها كانت تشكل مجموعة من الحرف والمهن في آنٍ معاً، أما اليوم فقد أصبح تطورها ملحوظاً وواضحاً، ذلك أنها اتجهت نحو المكننة الحديثة، واختصرت مهناً أخرى من أمثال مهنة ندف الصوف والقطن، فالآلة الحديثة تقوم بكل هذا دفعة واحدة وبأسرع وقت ممكن.

وهذا يدفعنا للحديث على مهنة جديدة قديمة في آن، وهي مهنة تقشيش الكراسي. وممن عمل بها قديماً رجلٌ من آل العلايلي، وحسن الأرناؤوط، وأبو سليم وهبي، وعبد الباقي، والحاجة لطفية البابا. هذا بالإضافة إلى مهنة صناعة سلال القصب التي عمل بها رجل من آل البطحيش وآخر من آل البيطار. وهي صناعة لم تُعمر في صيدا ربما لعدم وجود القصب.

هذا بالنسبة لما يحتاجه المنزل من خشبيات، أما مهنة النجارة فلم تتوقف عند هذا الحد، بل وبسبب اتساع مساحة البساتين حول المدينة وغزارة الإنتاج من حمضيات وفواكه بدأ البستاني يتجه نحو تجارة الخضار الموسعة. وهذا ما استلزم صنع صناديق خشبية لهذا الغرض. وممن اشتهر في هذا المجال آل العاصي، وآل الملاح، وآل الرواس، وغيرهم الكثير. نذكر أيضاً أن منشرة الرواس في خان الرز، التي كانت تنتج الصناديق الخشبية لا تزال إلى الآن رغم ظهور الصناديق البلاستيكية التي حلَّت محل مثيلاتها الخشبية بسرعة هائلة.

كما اتسعت مهنة النجارة والعمل بالخشب لتتخطى الحاجيات التجارية إلى السمو بالعمل الفني، فقد ظل متحف مصطفى السن في صيدا ردحاً طويلاً من الزمن مقصداً للبنانيين وللسواح الأجانب على حدٍّ سواء. فقد تميّز مصطفى السن في صناعة المجسَّمات الخشبية لمختلف آثار لبنان، بدءاً من قلعتي صيدا البحرية والبرية، مروراً بالسفن البحرية على اختلاف أنواعها وعصورها. كما نذكر أن متحف مصطفى السن حظي باهتمام رسمي كبير في السابق، فقد كانت بلدية صيدا ترعى معرضه السنوي في أرجاء قاعاتها، كما عمدت المدارس إلى إحضار طلابها لمشاهدة هذا المتحف – وأنا منهم – وذلك لتعميق العلاقة الفنية بين الماضي والحاضر.

وفي مجال المجسَّمات السياحية نذكر مصطفى وخليل السبع أعين اللذين اشتهرا بصناعة المجسَّمات الخشبية. نذكر هنا أنهما أنتجا مجسَّمات لكل الأدوات القديمة دون استثناء: السفن، المدافع المنجنيق، السيوف الرماح، الأشخاص، والأزياء. وما زال محل خليل السبع أعين قائماً على البحر قرب قلعة صيدا البحرية. وقد تطورت هذه الصناعة مع آل الطحَّان، حيث انتقلوا إلى صناعة المجسَّمات المعدنية. نذكر هنا أيضاً أنّ آل السبع أعين أقاموا محلاً لعرض منتجاتهم مقابل مدخل القلعة البحرية لصيدا، ولم يكونوا ليزيلوه لولا ما ألمَّ بلبنان من أحداث حالت دون تدفق السواح عليه.

وفي هذا المجال أيضاً نذكر المرحوم صلاح عبد النبي الذي تابع طريق سلفيه وتميز عليهم بصناعته البحرية، خاصة حرفة التحنيط، فقد حنَّط الكثير من الحيوانات البحرية من مثل السرطان البحري، الكركند، والصدف، النجوم البحرية، وغيرها الكثير. وقد عرض محنطاته في منزله الذي كان يستغله أيضاً لمزاولة عمله، ومكانه قرب نقابة صيادي الأسماك حالياً بالقرب من بحر العيد.

وفي إطار الخشبيات ذاتها عرفت صيدا مهنة صناعة البراويز للصور واللوحات. وقد جسدت هذه المهنة بالرغم من عدم تعقيدها قمة إبداع الصيداوي، ذلك أنها فتحت مجالاً واسعاً لكل الفنَّانين من رسَّامين وخطَّاطين ونحَّاتين ونحَّاسين، وشاغلي الكنفا والمصورين، لتجسيد فنهم والاحتفاظ به في البيوتات والمعارض للزينة وللدلالة على التراث الحضاري للمدينة بشكل عام. وقد اشتهر الكثيرون في مجال صناعة البراويز نكتفي بذكر بعضهم مثل عفيف الرشيدي، صالح الرشيدي ومحمود الرشيدي، أحمد حجازي، محمد البص، محمد أمين شامدين، وغيرهم...

ومع ذكر صيدا لا بد من ذكر توأمها وهو البحر، وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه المدينة العريقة امتازت بسيادة البحر منذ القدم، فقد احتضن ميناؤها آلافاً من السفن التجارية والحربية، وزوارق الصيد، وقد كانت هذه الصناعة خشبية تعتمد خشب الأرز كمادة أولية لها، وما لبثت أن تطورت من حيث الصناعة ورغم زوال السفن الحربية. وقد علمنا من المقابلات الميدانية مع عدد من البحَّارة أن السفن في معظمها خشبي، ويعتمد منذ زمن بعيد، وإلى الآن، معظم أنواع الخشب باستثناء الأرز الذي كان مشهوراً أيام الفينيقيين، كما أضاف البحارة أنهم كانوا يضعون الحبال الرفيعة بين ألواح الخشب لمنع تسرّب الماء، من ثم يعمد إلى دهن السفن. كما كانت السفن شراعية وتعتمد على المجذاف في سيرها إلى أن تطورت فأُدخل عليها المحرك، كما أصبحت تغلف بمادة الفيبرغلاس. وبالنسبة لصناعة السفن الشراعية، فإن صيدا صنعت في أوائل القرن العشرين، ثلاث سفن كبيرة، حمولة الواحدة منها ما بين 120-140 طن بالإضافة إلى عدد كبير من السفن ذات الحجم الصغير الأمر الذي جعل من مدينة صيدا بالذات مركزاً لتزويد الثغور السورية والفلسطينية بلوازم وقطع غيار هذه الصناعة.

أما أوجه استعمال هذه السفن، فقد كان في صيدا سفينة واحدة للسياحة يملكها رجل من آل الترياقي، وتعمل على نقل السياح من وإلى الجزيرة المقابلة للميناء. إلا أنها زالت بفعل الأحداث الأخيرة، ولم يبق من صناعة السفن إلا الزوارق المخصصة لصيد الأسماك، بالإضافة إلى القليل من اللانشات المتطورة نسبياً، والتي يستعملها أصحابها للتنزه في عرض البحر أو ممارسة هواية الصيد. وقد عرفت صيدا الكثير من صانعي السفن قديماً وحديثاً، نذكر منهم: آل سنبل وآل حفوضة وآل كيلو وآل العقاد الذين لا يزالون يعملون بصناعة السفن حتى يومنا هذا.

ومن الحِرَف التي اشتهرت في صيدا منذ القدم حرفة الحدّادين الذين كان يقتصر عملهم على صنع الأدوات الزراعية من مثل السكة والمنجل والمطرقة والقدوم، وما إلى ذلك. أما أدواتهم فكانت كور الفحم الحجري الذي كانوا يحمّون قطعة الحديد عليه ثم يطرقونها للحصول على الشكل الذي يريدون. ثم صنعوا بعد ذلك متكأ الأدراج والسلالم التي كانوا يصلون حديدها بالربط كما سبق وأشرنا. وهذه الحرفة نالت قسطاً وافراً من التطور حتى أصبحت مهنة يعتمد عليها في كسب الرزق، فقد دخلتها الآلات الحديثة كالمخارط، والمقادح والمكابس، أو النشر الكهربائي، إلى غير ذلك مما سهل على الحدّادين توسيع أطر أعمالهم من الحاجات البدائية إلى مختلف الصناعات المعروفة اليوم.

ومن الحدّادين الذين عرفتهم صيدا نذكر: آل العكاوي، وآل حفوضة، وآل وهبي، وآل بوجي، وآل الصباع، وآل الجردلي، وغيرهم الكثير.

وفي الإطار ذاته نذكر مهنة النحَّاسين الذين كانوا يصنعون الأواني النحَّاسية على اختلافها، كالطناجر، والصواني والقدور والمقالي والصحون، وآنية العجين وخلافها. وممن مارس هذه المهنة قديماً عبد الحليم البابا، والحاج مالك سلام الذي ما زال يعمل في بيع آنيتها دون تصنيع. ومهنة النحَّاسين هذه قد انقرضت مع تقدم الزمن على صعيد الحاجة المنزلية، إلا أن أصحاب محال الحلويات الذين لا بد لهم من بعض الآنية النحَّاسية نراهم اليوم يستوردونها من كل من سوريا وتركيا على وجه الخصوص.

وكان "النحَّاس" يقوم بطرق صفائح النحَّاس على حسب رغبة المشتري مقابل أجرة معلومة، في حين كان أغلب النحَّاسين يقومون بطرقها على حسابهم، ويعلقونها على دكاكينهم ويبيعونها لمن يرغب، وهي حرفة هامة كانت تدر أرباحاً وفيرة على أصحابها.

وعرفت صناعة التعدين حرفة "النقّاش" وهو من ينقش الأواني النحَّاسية من كاسات وشمعدانات والصواني والفوانيس وغيرها، وذلك عقب دقَّها عند النحَّاس واتمامها، فمن رغب في نقشها سلّمها إلى النقَّاش، حيث كان يقوم بنقشها بإزميل من حديد على حسب ما يرغب صاحبها من أنواع الطيور أو الورود أو الأشجار جيداً، وكان من أشهر محترفيها في صيدا، الياس اندراوس، يعقوب اندراوس، إبراهيم سابا، باسلوس سابا، وجريس سابا.

وتستتبع مهنة النحَّاسين مهنة التبييض، وهو من يبيض الأواني النحاسية بإزالة الصدأ الذي قد يتراكم عليها، ويسبب الأذى لمن يستخدمها. وكان يأتي من أراد تبييض نحاسه بالمبيض أو أجيره ويسلّمه الأواني بالعدد، فيأخذها لدكانه، حيث يكون مستعداً لوجود النار فيه، فيحمّي الأناء على النار، ويطليه بالقصدير والنشادر، ويقلب الوعاء سريعاً حتى يصيب القصدير كل جانب من باطن الوعاء، فيذوب كالماء بمجرد أن يشم رائحة النشادر، فيتعمم كافة الإناء بالطلي، وذلك عقب جلي تلك الأواني بالرمل، حتى تُنظف من المواد الدهنية، حيث لا يضبط طلي القصدير عليها إلا بجليها أولاً، وكانت هذه الحرفة تدر أرباحاً متوسطة.

لكن أحداً من أبناء المدينة لم يعمل بها على المستوى الصنائعي. فنذكر حسن نضر الذي عمل بها في بيته بشكل محدود، إلا أن المبيضين الذين كانوا كثراً، كانوا وافدين على المدينة من الجوار. ومما ساعد على ازدهار مهنتي النحَّاسين والمبيضين كونهما كانا مقصد أبناء القرى المجاورة أيضاً، علماً أن الكثير من المبيضين كانوا يتجولون في القرى لهذه الغاية، وذلك في السنوات الأخيرة من عمر مهنة التبييض عندما قلّ قاصدوهم من القرى. والذي كان وراء زوال هاتين المهنتين معاً ظهور مصانع الألمنيوم والستانلس في لبنان، لما لصناعتها من مزايا اقتصادية هامة من مثل خفة وزن المصنوعات وجماليتها وعدم حاجتها إلى التبييض الدائم.

يذكر هنا أيضاً أن أصحاب محال الحلويات لا يزالون بحاجة إلى مهنة التبييض بسبب أن بعض أوانيهم يجب أن تكون نحاسية، والنحَّاس لا بد من تبييضه.

ويدخل في هذا الإطار أيضاً مهنة السنكري، التي كان قوامها تصنيع وصيانة بوابير الكاز، وتلحيم مطاحن البن اليدوية، وصيانة النراجيل، والمزاريب وغيرها. وكانت هذه الصناعة رائجة في زمن لم تكن تعرف فيه صيدا الأدوات الحديثة. فقد عمل بها الكثيرون، نذكر منهم حنا الأرمني، والحلو، والظريف، الذي كان يصنع الشعَّالات قرب جامع البحر، والددا، وكذلك كارابيت الأرمني. ومع التطور الحاصل في المدينة انحصرت هذه المهنة حتى نكاد نقول بادت لولا وجود محلين أو أكثر لا يزالان يمارسانها قرب شارع الحسبة القديمة. نشير هنا إلى أن صاحبي هذين المحلين اتجها إلى تصنيع بعض الأدوات الخفيفة مثل حلل الغسيل والكركات الصغيرة والمداخن العائدة لسخانات المياه ومواقد التدفئة التي تُستخدم بكثافة في الجبال بالإضافة إلى صناعة الحلل الخاصة ببيع البوظة.

ولما كانت مدينة صيدا محاطة بالبساتين، كان لا بد لأبنائها من اقتناء الحيوانات على اختلافها. ونظراً لأن هذه الحيوانات كانت الأدوات الضرورية للزراعة والحراثة، كما كانت وسائل لنقل الأحمال والرجال نظراً لعدم وجود وسائل النقل الحديثة، لذلك كان لا بد من الاعتناء بها وحماية أرجلها من التآكل، فظهرت مهنة البياطرة التي عمل بها الكثيرون من أمثال الشيخ سعيد البيطار، والديراني، وقوام هذه المهنة نضوة نحاسية أو حديدية تُدق إلى حافر الخيول والبغال والحمير بمسامير خاصة. وقد زالت هذه المهنة نهائياً بسبب الإقلاع عن اقتناء الحيوانات، وذلك عندما ظهرت السيارات والأدوات الزراعية الحديثة.

والبيطري مفتول السواعد، قوي البنية يؤمن الخدمات المتنوعة للدواب من البيطرة إلى معالجة الأمراض والعلف والسقاية. وهو يملك حماراً أو حصاناً أو ثوراً "للتذكير" أو "للشبي" أي لإخصاب بقرة أو فرس. يقصده صاحبها بهذه الغاية. والبيطار يقوم بجميع خدماته لقاء بدلات بلغت خلال المرحلة التي نتكلم عنها خمسة قروش يومياً لربط الدابة عنده. عشرة قروش لبيطرة الحمار أو البغل. ليرة واحدة لبيطرة الثور في الثلاثينات. وليرة ونصف في الأربعينات والخمسينات وليرتين ونصف في الستينات من القرن العشرين المنصرم وخمس ليرات للتذكير.

والبيطار يهتم، علاوة على تأمين أمكنة ربط الحيوانات، بأمور أهمها: البيطرة، وتطبيب الحيوانات المريضة وعرض بعضها للبيع أو المقايضة، والتذكير، أي زواج إناث الحيوان من ذكور اشتهرت لطيب أصلها وحيويتها وقوتها وفتوتها. وأبرز حيوان في هذا الميدان هو الحمار، يليه الحصان فالثور.

ولعل من الطبيعي أن تستتبع مهنة البيطرة ظهور مهنة أخرى هي صناعة الجلالات التي كانت رائجة في صيدا قديماً، وظلت على رواجها لفترة من الزمن بعد زوال الحيوانات من المدينة، وذلك لتغطية حاجات أبناء القرى المجاورة الذين كانوا يفدون إلى صيدا لشراء ما يلزم لحيواناتهم. وممن عمل في هذه الصناعة يونس شريتح، ورجلان آخران من آل البيطار ونصار.

كما ازدهرت في الإطار ذاته صناعة الحبال التي عمل بها آل الحبّال بشكل عام، نذكر منهم على وجه التحديد لا الحصر توفيق الحبال.

ولم تقتصر صناعة الحبال على تلبية حاجات المزارعين والفلاَّحين، بل تعدتها إلى تلبية حاجات صيَّادي الأسماك، فدخل في إطارها صناعة الشباك التي عمل بها الكثيرون من أمثال: عبد الحليم وبشير السكافي، ونادرة الحبال، وصبحية الديشاري، ورجال من آل سنتينا والصباغ والصفدي. كما صنع الكثيرون أراجيح التسلية من الحبال، وخاصة محمود نضر وجميل البعاصيري وبشير بديع وغيرهم.

وظلَّت صناعة الحبال رائجة حتى ظهرت مادة البلاستيك حيث بدأت تنتج الحبال والخيوط البلاستيكية على خلافها. وبهذا انتقلت كل المصنوعات التي اعتمدت الحبال كمادة أولية لها إلى اعتماد البلاستيك.

وبالعودة إلى الحاجات الإنسانية، كان لا بد من ظهور مهنة الأساكفة والحذَّائين التي عمل بها الكثيرون كآل عجرم وآل البابا وآل الملاح وآل عساف، بالإضافة إلى بعض الأرمن، وغيرهم الكثير. وقد كان هؤلاء يصنعون الأحذية من الجلود التي تصنعها الدبَّاغات المحلية. لا سيما "المداس"، ويقال له في الشام "المست"، وهو حذاء ضخم، كان يستعمله الرعاة، تُصنع فرعته من جلد الماعز أو الغنم، لونه أحمر يعرف "بالسختيان". أما نعله فهو من جلد البقر أو الجمل، وكان يُدبغ. إلا أن هذه المهنة حُكم عليها بالإنحسار كنتيجة واضحة لنشوء معامل الأحذية فضلاً عن ازدهار الاستيراد في هذا المجال. وبناءً عليه انحصرت مهنة الأساكفة بتصليح الموجود وصناعة بعض الأحذية لمن يتعذر عليهم الحصول على مقاسات تناسب أرجلهم. وممن عمل بها وما يزال آل البزري. وممن عمل بالتصليح شريف الإبريق وكان جوالاً. وكان يُطلق على أصحاب هذه المهنة "الصرماياتي" وهو صانع الصرامي، وهي نوع من النعل الأحمر بدائر بدون كعب، كان لبسها شائعاً آنئذٍ، وكان بعض الصناع ممن لديهم رأس مال، يصنع هذه الصرامي لنفسه، ويبيعها لمن يرغب من المشترين، في حين كان البعض الآخر يصنع بالأجرة لحساب تجار هذه الأصناف، بعد أن يزوده هؤلاء بالمواد الخام. وكانت لهم سوق خاصة تُدعى سوق الكندرجية، يقع شرقي خان الافرنج إلى الغرب من حارة اليهود.

وفي سياق هذه المهنة نجد أنه لا بد من الإشارة إلى الصناعات الجلدية في مدينة صيدا، وأول من عمل بها آل زنتوت الذين خصَّصوا مصنعاً لهذه الغاية، وقد توقف الآن. ورجل آخر من آل البركة، وهي مهنة أتى بها السوريون. أما الآن فقد تطورت بفعل قدوم عدد من المصريين.

ومن المهن التي عُرفت قديماً في صيدا وتميَّزت بالمحافظة على أصالتها دون أن تتطور ولو قليلاً هي مهنة العطارة. ولم يعمل في هذا المجال كثيرون، بل انحصر تقريباً بمحلين هما: عطارة عزام وعطارة أحمد الزين وبدوي أبو ظهر. وحديثاً عطارة السوسي. وتذكرنا مهنة العطارة بالطابع البدائي للتجارة، فهي غير متخصصة بنوع معين، إذ تبدأ محتويات المحل من إبرة الخياطة إلى المستحضرات الطبية، إلى الحبال والمبيدات الحشرية، حتى أنك تكاد لا تطلب شيئاً إلا وتجده في دكان العطارة.

ولما لم تكن المدينة تعرف الأواني المعدنية ظهرت مهنة الفاخرانيون الذين صنعوا جميع الأدوات المنزلية المعروفة من الفخار. وقد تركزت هذه الفواخير خارج أسوار المدينة القديمة لأمرين، أولهما: سهولة نقل التربة إلى الفاخورة والمصنوعات منها، وثانيهما ضرورة بُعدها عن الأحياء السكنية لما يصدر عنها من دخان قد يؤذي بالصحة العامة. ونظراً لشهرتها أُطلق على الحي الذي هي فيه اسم حي الفواخير. وقد طغت هذه المهنة على عائلة توارثتها فسميت آل الفاخوري.

ومن الفواخير: فاخورة أيوب الفاخوري وفاخورة طبوش الفاخوري ويوسف الفاخوري.

ولما ازدهرت مدينة صيدا بصناعاتها وحِرَفها والمهن التي عمل بها نفر من أبنائها، ولما زادت هذه المصنوعات عن حاجة الصانع أولاً، كان لا بد من الإتجار بها كسلعة، فظهرت بالتالي فئة البيَّاعين الذين انقسموا إلى قسمين: قسم مستقل في محله، يقصد من أنحاء المدينة والقرى المجاورة، وهم البزَّازون والفاخرانيون والحريريون وما إلى ذلك. وقسم آخر اتصف بالبائع الجوال، وحوى هذا القسم باعة العصائر والقهوة والشاي، وباعة الخضار الذين كانوا يتجولون ببضاعتهم بالأحياء والساحات الداخلية للمدينة. ثم ما لبث أن استقر بعضهم في أماكن ثابتة إلا باعة الأسماك الذين توسعوا في تجوالهم ليصلوا إلى معظم القرى المجاورة شرقاً وجنوباً رغم تمركزهم في منطقة قريبة من البحر حيث يسهل عليهم جمع السمك المصاد.

وبظهور فئة البيَّاعين ظهرت أيضاً حاجة ماسة إلى وعاء توضع فيه المبيعات لمشتريها، وأول هذه الأوعية كانت السلَّة، ويملكها البائع الذي كان يُقرضها للمشتري لنقل مشترياته بها وإعادتها إليه. هذا بالنسبة للبيع داخل المدينة، أما إذا كان الزبون قروياً وافداً، فمن الطبيعي أن يكون معه الوعاء المناسب، خصوصاً وأن هذا القروي الوافد غالباً ما كان بائعاً أيضاً، يحمل منتجات الجبل إلى المدينة ليبيعها. ثم ظهرت صناعة الأكياس الورقية كأوعية عملية وأكثر تطوراً من سابقاتها. وكانت هذه الأكياس مصنوعة من الرقائق الداخلية لأكياس الإسمنت، وكانت تغرَّى بالنشاء. ظلَّت هذه الصناعة رائجة حتى فترة قصيرة، وذلك حين ظهرت صناعة الأكياس البلاستيكية على اختلاف أنواعها وأحجامها، فانحصرت صناعة الأكياس الورقية شيئاً فشيئاً إلى أن زالت تماماً. نذكر هنا ممن عمل في صناعة الأكياس آل الأسد بالقرب من جامع البحر. أما صناعة الأكياس البلاستيكية فلا مجال لتعداد صانعيها لكثرتهم ولضيق المقام إلا أننا نذكر أن هذه الصناعة تخطت الصناعات اليدوية البدائية، فالمعامل الحديثة تكاد تكون منتشرة في كل مكان. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن صناعة الأكياس الورقية قد تحولت من صناعة كثيرة الطلب وعامة الاستعمال إلى صناعة محدودة الطلب نسبياً تبعاً لنوع السلعة المباعة بحيث أن نوعية السلع تحدد قدر الحاجة إلى هذه الأكياس.

ومن مستلزمات الحياة قديماً وحديثاً، الحاجات الصحية، ومن هذه الحاجات الجراحة وما حولها. وبنتيجة الخبرات المتوارثة عرفاً ظهرت في صيدا فئة الجرائحيين، وقوامها القابلات اللواتي اكتسبن هذه المهنة بالتوارث والتجربة ونذكر منهم مثالاً لا حصراً: الحاجة عائشة السن (أم علي)، فاطمة السن (أم أحمد)، أم اسماعيل البر، زكية السن، أم سليم البساط وابنتها سلمى بساط، مدام شعيا، كايدة الدهني، وغيرهما. هذا بالإضافة إلى بعض الجرائحيين الذين اكتسبوا هذه المهنة كضرورة ملازمة لعملهم. والداية بلسان أهل صيدا هي القابلة كما أسلفنا، وهي تعالج أيضاً بعض شؤون النساء المرضى. ويكثر تردد الداية على الدور، وهم يعطونها الثقة فتطلع من أخبارهم وأسرارهم على ما لا يعرف بعضهم عن بعض. وكثيراً ما تخرج الداية مع ابن من أبنائها الصغار الذين لا يتحرج الناس من دخوله بيوتهم والإطلاع على نسائهم وحريمهم لصغره. من هنا فإبن الداية يدخل البيوت ولا يُخبأ عنه شيء. ولا تحتجب امرأة عنه. وإذا ما كبر ابن الداية تبقى له عندهم مكانة، ويُعامل معاملة خاصة لمكانة أمه عندهم. والمشتغلات بالقبالة وما يشبه التطبيب من النساء يكنّ عادة من الناس الطيبين، ويحفظن الأسرار، ويحافظن على ثقة الناس على مدى الزمن.

نذكر في هذا المجال أن بوادر مهنة الجراحة هنا ظهرت مع المغاربة المتجولين الذين اعتمدوا الطب العربي، ومنه الجراحة والجباسة، ومنهم تعلم هاتين المهنتين الصيداويون، نذكر منهم آل الفاخوري وامرأة من آل العلماوي.

وفي سياق ذلك ظهرت مهنة تركيب الأدوية وبيعها في إطار الصيدليات إذ غالباً ما كان أبناء المدينة يؤمون الصيدليات لشراء أدويتهم دون الاعتماد على استشارة طبيب. نذكر من هؤلاء الصيادلية الشماع، حريصي، فضلو واكيم، وديع أيوب، محمد مرجان، وغيرهم.

ونضيف إلى ما سبق مهنة الختان، وممن مارسها قديماً سليم الحلاَّق وقد روى لي الكثير من أبناء صيدا أن غالبية من مارس هذه المهنة كانوا من اليهود أمثال عازار اليهودي. ومن باب الإضافة نذكر أن هذه المهنة هي من السنن النبوية التي جرت في المجتمعات الإسلامية مجرى العادة الشعبية. وقد خصَّصت مجلة التراث الشعبي التي تصدر في قطر باباً تحدثت فيه عن هذه المهنة مشيرة إلى أهم الأدوات المستعملة فيها.

وكان الناس سابقاً يعتقدون أن أفضل فترة لختان الأولاد هي في شهر نيسان، حيث يكون الرمَّان قد أزهر، والطقس قد اعتدل ومال للدفء، ولا خوف عندئذ من التهاب الجرح وما ينجم عنه من مضاعفات. غير أنه حالياً تقلص الإيمان بهذا المعتقد، ذلك أن الربط بين عملية الختان وعملية إزهار الرمان لا معنى له، إلا إذا نظرنا إليه من منطلق حدوث الإهاد في فترات يبدأ فيها الدفء، ويزول الخطر على الطفل الذي أُجريت له عملية الختان إذا ما خرج من منزله، كون الجو ليس بارداً ولا حاراً وإنما معقول صحياً.




من أرشيف الموقع

رجل يسجد لإمرأة بسبب جمالها ؟؟

رجل يسجد لإمرأة بسبب جمالها ؟؟

مسجد الصديق (الشمعون)

مسجد الصديق (الشمعون)

حدث في 16 آب / أغسطس

حدث في 16 آب / أغسطس

الرياضة تحميك من ألزهايمر!

الرياضة تحميك من ألزهايمر!