بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الشوارع والأسواق في صيدا القديمة دورها، تقسيماتها واختصاصاتها

بقلم د. طالب محمود قره أحمد / أستاذ مساعد بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية

برزت الشوارع والطرق في المدن كمحور رئيس في التخطيط منذ فجر التاريخ، ونما وتطور تخطيط المدن بنمو الحضارات وارتقائها، وعكس تخطيط شوارع المدن المستوى الحضاري الذي ساد مراحل التاريخ الإنساني المتعاقبة، وتنوعت تخطيطات المدن بتنوع واختلاف المظاهر الحضارية من عصر إلى آخر، وأصبح تخطيط شبكات الطرق في المدينة من بين الأسس التي تصنف عليها نوعيات تخطيطات المدن قديمها وحديثها.

ضيق الشوارع وتعرجها في مدينة صيدا القديمة

إن اللجوء لإتباع الحل المتضام في النسيج العمراني للمدينة الإسلامية أدى بالتبعية لأن تكون شوارع المدينة ضيِّقة، حيث يؤدي ذلك إلى تعرضها لأقل قدر ممكن من الإشعاع الشمسي المباشر، إلى جانب أن ضيق الشوارع كان يتناسب مع وسائل الإنتقال في ذلك الوقت "الدواب والعربات التي تجرها الدواب" والتي لم تكن تتطلب شوارع ذات عروض أكبر.

فلقد أوضحت دراسة شوارع مدينة صيدا تعدد أشكال شبكة الطرق ما بين شارع وحارة وزقاق، كل منها كان له وظيفة وغرض خاصَّان، فالشارع والطريق وصل إلى أربعة أمتار ويصل بين الأبواب الرئيسية ومركز المدينة حيث المساجد. أما الحارات فتراوح عرضها بين 2-3 أمتار واستعملت كحركة رئيسية داخل المناطق السكنية، ووجد بها بعض الأنشطة التجارية الخفيفة، أما الزقاق فتراوح عرضه بين 1.5 – 2م ولم توجد عليه أي أنشطة تجارية.

وقد كان لإرتفاع المباني على جانبي الشارع أثره الواضح في تحقيق نسبة ظل معقولة في هذه الشوارع. وقد زاد من كمية الظلال تلك الرواشن (الفرندة) والأجنحة التي كانت تبرز إلى عرض الشارع في الطوابق العليا من المباني.

وفوق ما سبق فإن الشوارع في مدينة صيدا لم تكن مصدر الضوء والهواء بالنسبة للمنازل على نحوما متبع في العصر الحاضر، وإنما الاعتماد الكلي في التهوية والضوء للمسكن العربي إنما كان يأتي من داخله حيث الصحن والحديقة وبهذا فإن الغرف المطلّة على الصحن تستقبل الهواء النقي وتتجنب هواء الطريق بما فيه من أتربة تجعله غير صحي. وعلى الرغم من اتساع الشوارع في العصر الحاضر إلا أن الهواء فيها ملوث بما ينتشر فيها من أتربة وأبخرة وغازات وفضلات تلوث بيئة الشارع.

أما من حيث المحافظة عليها فقد مُنع البناء في الطريق مهما اتسع – ولو كان المبنى مسجداً – لأن مرافق الطرق للسلوك لا للأبنية، ومن ثم تهدم مثل هذه المباني. وكذلك يمنع غرس الأشجار أو إخراج أجنحة المباني في الطريق أو إقامة المصاطب التي تضر بالمارة وتضيِّق على العامة. بل لم يكن يُسمح بوضع الأمتعة ومواد البناء التي تُنقل بعد فترة قصيرة إلا إذا لم يكن في ذلك ضرر على المارة.

أما فيما يختص بالمحافظة على نظافتها، فقد كان يمنع من طرح الكناسة فيها أو رش الماء إذ يخشى من التزحلق والسقوط، كما يمنع كل ما فيه أذية وإضرار على السالكين كالميازيب الظاهرة من الحيطان في زمن الشتاء. ومجاري الأوساخ الخارجة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق فيؤمر أصحاب الميازيب أن يجعلوا عوضها مسيلاً محفوراً في الحائط مكلساً يجري فيه ماء السطح، وكل من كان في داره مخرج للوسخ إلى الطريق فإنه يكلف سده في الصيف، ويحفر له في الدار حفرة يتجمع فيها.

أما طين المطر فقد كانت إزالته من اختصاص أولي الأمر ولا يكلف الناس بذلك لأنه ليس من صنعهم، وكذلك كان يُمنع القصَّابين من الذبح على أبواب دكاكينهم لأنهم بذلك يلوثون الطريق ويضيِّقون على الناس.

وغالبية شوارع مدينة صيدا من الشمال إلى الجنوب، لأن ذلك يساعد على عدم تعرض الطرق وواجهات البيوت المطلة عليها فترة طويلة للشمس. وهذا ما يجعل الشوارع تكتسب ظلالاً طوال النهار، بالإضافة إلى اكتسابها الرياح الشمالية التي تساعد على استمرار برودتها أطول فترة ممكنة لوجود نسبة التظليل العالية في هذه الشوارع.

كما تميزت شوارع مدينة صيدا بتعرجها. فقد كانت كل الأزقة كثيرة التعرج حتى إنك تحسب عند كل منعطف أنك وصلت إلى طريق مسدود ولكن الأسواق المسقوفة غالباً ما كانت مستقيمة، ذلك أن السقف يؤمِّن الظل ويخفف من وصول الغبار.

وقد تميزت الشوارع الضيقة المتعرجة بانفتاحها على مجازات بعض الأماكن الواسعة قليلاً ذات نهايات منغلقة تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها الأفنية، فهي تعمل على تخزين الهواء المعتدل البرودة في الليل، وتمنع تسربه مع أول هبوب للريح.

ومن جانب آخر فإن اختلاف الضغط الناشئ نتيجة ضيق الشوارع مقارنة بالأفنية الداخلية يسمح بانتقال الهواء من خلال فتحات ومداخل المباني من الشوارع الضيقة الأكثر تظليلاً (ضغط عالٍ) إلى الأفنية الداخلية المشمسة (ضغط منخفض) خاصة أثناء فترات الظهيرة وتعرضها لأشعة الشمس.

ومن العناصر الأخرى التي استخدمت وانتشرت في المدينة الإسلامية كصيدا مثلاً الساباط وهو عبارة عن ممر مسقوف يربط بين دارين أو جدارين.

وهذه الظاهرة تعد بمنزلة معالجة مناخية ممتازة حيث تحمي السكان من التعرض المباشر لأشعة الشمس عند الانتقال بين أجزاء المسكن الواحد أو المساكن المختلفة، بالإضافة إلى ما تلقيه من الظلال على الأبنية أو الشوارع وواجهات المنازل التي تربط بينها، كما تعتبر هذه المعابر عنصراً مهماً لتحريك الرياح.

ويدخل في إطار المنفعة والجمال إضاءة شوارع المدينة وتبليطها وقد اهتم بذلك اهتماماً واضحاً في شوارع المدينة الإسلامية. وفي مواسم الاحتفالات كانت تضاء الشوارع والمآذن والمساجد بصورة مكثفة، واعتبر ذلك من مظاهر الاحتفالات الدينية التي شهدتها المدن الإسلامية.

وجرى الاحتفاظ أيضاً بالمناسبات الدينية والإعلان عنها من خلال مواكب كانت تمر بشوارع المدينة وطرقاتها، كموكب الخروج للإعلان عن رؤية هلال شهر رمضان ابتهاجاً بقدومه. وجرت العادة أن تعلّق الفوانيس في شوارع مدينة صيدا.

ومن المواكب المشهورة في مدينة صيدا موكب صلاة العيد، حيث يخرج أهالي البلد لصلاة العيد إلى المساجد فيها.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة شوارع وطرق المدينة الإسلامية باعتبارها حلقة هامة من حلقات تطور المدن تغاضى جل الباحثين عن تناولها بالدرس والبحث، كما أن هذه الدراسة تكشف عن حقائق ومضامين تؤكد أصالة الحضارة الإسلامية النابعة من قيم الدين الإسلامي الحنيف، ومن جهة أخرى فإن هذه الدراسة تكشف عن كثير من الحقائق التي تساعد على تعميق الدراسات المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المدينة الإسلامية بكل ما فيها من حِرَف ومِهَن وصناعات.

وتتنوع وتختلف العوامل التي تؤثر في تخطيط الشوارع والطرق من مدينة إلى أخرى. وترتبط الطرق والشوارع في المدينة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً وعضوياً بمنشآتها المختلفة، ومن ثم تبرز العلاقة القوية بين الطرق والشوارع وهذه المنشآت، وهي علاقة توضح مدى تأثر كل منها بالآخر.

ولنشاط هذه الأسواق في المدينة الإسلامية علاقة وطيدة بشوارعها، وأثر كبير في حالة المرور فيها، وقد انعكس ذلك انعكاساً واضحاً على خريطة الأسواق في أية مدينة إسلامية، فإنشاء الأسواق الأسبوعية خارج أبواب المدينة كان لما تحتاجه من مساحة كبيرة، ومن رغبة في تسهيل الانتقال منها وإليها، وأيضاً للرغبة في التخفيف قدر الإمكان من شوارع المدينة الداخلية التي حكمت اتساعها ونظامها عوامل أخرى لتوفر لها نوعاً من الهدوء والنظافة كان يمكن أن يفتقد لو أن هذه النوعية من الأسواق كانت داخل المدينة.

وكان أهل الريف يأتون إلى هذه الأسواق لبيع منتجاتهم المختلفة، ويدخلون المدن بعد ذلك لشراء حاجاتهم من منتجات المدينة من أسواقها الداخلية المتخصصة في إنتاج وبيع ما يحتاجون إليه من مصنوعات.

وقد توزعت هذه الأسواق في نوعيات متعددة نُظمت تنظيماً يحقق الفائدة ويمنع الضرر، ويسهِّل حركة المرور في شوارع المدينة خصوصاً تلك الشوارع التي توزعت على جنباتها الحوانيت والأسواق، وكان للشرطي البلدي دور بارز في الإشراف على حركة المرور في الأسواق ونظافة شوارعها، ومباشرة الحركة فيها، وأحكام هذه الحركة في إطار القيم والمبادئ الإسلامية وكان لهذا التوزيع علاقة بحركة المرور في الشوارع وتسهيلها، فتركزت مثلاً أسواق الحبوب وغيرها من أسواق المواد ثقيلة الوزن، كبيرة الحجم، قرب أبواب المدن حتى لا يؤثر نقلها إلى داخل المدينة في حركة المرور في شوارعها.

وكانت هذه الرحاب نقطة التقاء مجموعة من الشوارع أو السكك أو الأزقة أو قطاع منها، فكانت تيسر المرور لاتساع مقاييسها عن مقاييس الشوارع، وكان اتساعها مشجعاً للباعة الجائلين على ممارسة نشاطهم بها.

كما أن هذا الشارع والشوارع الرئيسة الأخرى غالباً ما كانت تتركز على جانبيها الأسواق والحوانيت الزاخرة بأصناف البضائع الجميلة، وكان الخروج لمشاهدة هذه المعروضات ضرباً من ضروب التسلية في تلك العصور، ولا سيما تلك المواضع التي تأخذ مظهراً مميزاً في معروضات مبيعاتها. (م.ن، ص: 195.)

تكشف دراسة الجانب الوظيفي لشوارع المدينة الإسلامية وطرقاتها عن أساس الحكم على ضيق الشوارع أو اتساعها، طريقة الارتفاق بها في ضوء نوعية وسيلة الانتقال، وكثافة حركة المرور، كما أنها توضح مظاهر الحياة فيها، وتوظيفها لغايات اتصالية إعلامية واضحة.

انصبت وظيفة شوارع المدينة الإسلامية على كونها شرايين اتصال وحركة تربط بين تكويناتها المعمارية المختلفة. وارتبطت وظيفة الشوارع والطرق أيضاً ارتباطاً وثيقاً بوسيلة النقل المستخدمة وهي الدواب، التي كانت تُستخدم في الركوب أو حمل الأثقال، ونادراً ما استعملت في الجر، وكان أشهر ما يركب داخل المدينة وخارجها كمدينة صيدا. وأكثر الدواب نفعاً للفلاَّح، والمزارع في الانتقال بين المدينة والحقل والبستان، وأقلّها كلفة ومؤونة وأرخصها سعراً. وكان يستفاد منه في صيدا ومحيطها في رفع الماء من الآبار بالناعورة وغيرهما. وفي درس الحب في موسم الحصاد، ونقل الحب والسنبل. وينقلون عليه الطحين من الدار إلى الطاحون ذهاباً وإياباً، والحمار يجر العربة الصغيرة والمتوسطة، ويصلح للركوب في النزهة. ومن هنا قالوا في أمثالهم "الحمار ما بينعار" أي تصعب إعارته لأنه معتمد الأسرة من الكبار إلى الصغار. ولكنهم كانوا يعيرونه للخواص من الجيران في نطاق يعرفه المستعير. وكانوا لا يطلبون استعارة الحمار وغيره إلا لضرورة طارئة.

واستدعى النقل على الحمير وجود بايكات داخل مدينة صيدا منها: بائكة بني بقر، وبائكة البيليك، وبائكة قزعر، وبائكة وقف كتخذا بيك.

ومن ثم ارتبطت مقاييس الشوارع – كما أشرنا – بتوزيع حركة المرور عليها، باستخدام هذه الوسائل. فمثلاً، الجمل الذي يحمل حملاً ثقيلاً يصل إلى ثلاثمائة كيلو غرام يحتاج إلى شارع اتساعه ثلاثة أمتار كحد أدنى، وعلى افتراض أن هناك جملين يمكن أن يتقابلا في هذا الشارع فمعنى ذلك أن الطريق الذي يسهل فيه مرورهما لا بد أن يصل اتساعها إلى ستة أمتار فأكثر، ومعنى ذلك أن الشوارع التي يقل اتساعها عن ذلك لا تصل إليها الأحمال الثقيلة، ومن ثم يضطر إلى تقسيمها وحملها على الحمير، أو بواسطة الحمّالين الذين يمكنهم أن يمروا بها في السكك والأزقة الأقل اتساعاً.

يتضح مما سبق أن تولد وظيفة الحمَّالين بالمدينة الإسلامية كان مرتبطاً ارتباطاً كبيراً بالطرق والشوارع ونظام الارتفاق بها. تلك الوظيفة التي حددت لأصحابها مواضع معينة بالمدينة قريبة من الأسواق.

وزادت كثافة المرور في شوارع المدن التي تعتمد على الدواب والسقّائين في نقل الماء من مصادره البعيدة عن المدينة إلى تكويناتها المختلفة. ولم يكن في استطاعة المدينة أن تستغني عن نقل الماء إليها بهذه الطرائق المختلفة التي أضافت إلى حياة المدينة لوناً من مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بفئة السقّائين الذين تولوا هذه الوظيفة.

واكتظت شوارع المدن الكبيرة، ومنها صيدا، بالناس والباعة الجائلين. كانوا يتسوقون البضاعة من السوق الكبير ويسرحون بها في الشوارع والحارات، ويبيعون بثمن زهيد لأنهم أصلاً يشترونها بثمن رخيص. ويكثر أن تكون بضائعهم من بضائع كل موسم في أوانه، فهي كثيرة رخيصة.

وأصحاب الحرف الذين يتخذون من محجة الطريق موضعاً لممارسة نشاطهم كالحلاَّق والقاص والمعدمين وشبه المعدمين والمغنين وأصحاب الألعاب المسلية والمنادين وغيرهم ممن يتطلب عملهم المرور بالشوارع بصفة مستمرة في حركة دائبة كالحمَّالين والسقّائين كما أشرنا.

وكان الباعة الجائلون من أشهر هذه الفئات، وقد استغلوا الشوارع والطرقات لممارسة نشاطهم التجاري، ولا سيما أنه لم يكن لهم حوانيت يمارسون فيها هذا النشاط. وقد تنوع هؤلاء الباعة، فقِسْمٌ منهم يسيرون في الشوارع والطرقات ويتحركون ببضاعتهم محمولة على أكتافهم أو على الدواب أحياناً، ويصلون إلى كل جزء من المدينة وشوارعها التي يسمح لهم بالتجول فيها.

وكانت توضع على الدواب السريجة وهي عبارة عن وعاء. فإذا وضع إنثنى نصفين تملأ فيهما الخضراوات والفواكه وغيرها مما يحتمل التعبئة على هذا النحو. وأكثر ما يباع، على السريجة البطيخ والخس والفول والخيار وما شابه. والسريجة تتخذ من سعف النخل، حين يوجد النخل، ومن بعض النباتات الأخرى.

وقد تكون من بعض النسيج المتين الذي تُصنع منه الخيام والمضارب.

اتسمت المدن بشكل رئيسي بأنها ذات طابع تجاري، بل إن بعض الباحثين يعزو نشأة المدن أصلاً إلى أنها مراكز للتبادل التجاري كانت تنشأ عند ملتقى طرق التجارة.

وتمثل الأسواق مراكز النشاط التجاري بصوره ومراحله المختلفة التي انعكست انعكاساً مباشراً على نمطية الأسواق وأنواعها، فالأسواق في صيدا مثلاً تنوعت مواضعها ومساحاتها حسب نشاطها وخدماتها التي تؤديها. فمنها ما كان يخدم أهل المدينة كلها، ومنها ما اختص بتلبية الحاجات اليومية لقطاع صغير في المدينة فصغُر حجمها وتحدّدت وظيفتها، وتبعثرت نوعيات معينة من الحوانيت كحوانيت الدقيق والخبز في شوارع المدينة لتفي بالحاجات المستمرة من قريب.

وتأتي الأسواق في المرتبة الثانية للمهمة التي يقوم بها كمدن التجمع، فكانت الأسواق – إلى جانب كونها مراكز تبادل السلع – مركزاً لتبادل الأفكار والإشاعات لما يحدث من مناقشات السياسة والاقتصاد وغيرها مما يبرر أهميتها مراكز اتصال. ومثالنا على ذلك فضيلة الشيخ عمر الحلاَّق الذي كان يُكثر من تجواله في الأسواق بغية الإطِّلاع على ما يخفى عليه من مشاكل الناس فيساعد في وضع الحلول لها.

وإنشاء الأسواق في المدن الإسلامية عموماً، وصيدا على وجه الخصوص، كان من محاور النهضة بعمرانها، فهو من متطلبات المجتمع الإسلامي، وهو أحد الركائز الاقتصادية لأن المدن تتفاضل بالأسواق وكثرة الأرزاق ونفاق الأسواق من تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة، ومن ثم فإن الإزدهار الاقتصادي ينعكس على ازدهار الأسواق وعمارتها.

وفي مجال هذا التنوع، وتبعاً لتنظيم المدينة الإسلامية الذي كان يُشرف عليه المحتسب بشكل عام، والشرطي البلدي في صيدا بشكل خاص، لا بد أن نشير إلى أن أسواق المدينة كانت منظمة منسّقة بشكل يُحقق النفع ويمنع الضرر. كما أن من الحراس من يقوم في نقاط متقاربة من الأسواق يتناوب المناظرة عليهم مشائخ الحراس ورجال الشرطة، بحيث إذا مرّ أحدٌ من أهل الحي مضى في سبيله لا يعترضه معترض، وإذا كان المار غريباً أو مجهولاً يصفِّر الحراس لبعضهم ويرشقونه بأنظارهم إلى أن يدخل في منطقة ثانية. وإذا كان المار من ذوي الشبهات يقبضون عليه ويسلمونه إلى الشرطة. وهكذا يدوم الحال إلى الصباح، ومن حرَّاس أسواق مدينة صيدا من يقوم فوق السطوح ويحرسها طيلة الليل.

كانت الأضواء في الأسواق عبارة عن قناديل الحرَّاس الخافتة النور، فكان الرجل إذا خرج في الليل من داره يحمل فناراً صغيراً، وفيه شمعة صغيرة يستضيء بها من الطريق خشية الوقوع في حفرة أو أن يدوس حيواناً.

واستعمل السراج وكان يُملأ زيتاً، وتوضع فيه فتيلة من قطن، ويشعل بعود كبريت من الغزل الذي كان يصنع في الشام. وكان هذا السراج هو المصباح الوحيد لجميع طبقات الناس تقريباً. وفي الدور الكبيرة كانت توقد الشموع، وتوضع في الشمعدان المصنوع من النحاس الأصفر فوق سفرة من الجلد الأحمر مزخرفة بمسامير صفراء، وعلى الشمعدان مقراض لقرض الفتيلة كلما استطالت.

وقد انعكس هذا التنوع للأسواق والحوانيت على مسمّيات الأحياء في المدن الإسلامية عموماً، ومنها مدينتنا، ولعل خير مثال على ذلك صيدا التي سُميت أحياؤها بأسماء نوعيات منتجاتها ومتاجرها كسوق النحَّاسين والفحّامين، وللنجّارين أسواقهم الخاصة، كما للحّامين، وكذلك الحذّائين والكتّانيين، وسوق البازركان المتخصصة لبيع القماش وأعماله المختلفة من تنجيد وتجهيز الخ... وهناك أيضاً سوق الخضار وسوق الصاغة.

ومن أسواق صيدا أيضاً، سوق الافرنج، سوق باب الخان، سوق البوابة التحتا، سوق البياطرة، سوق تجار الدراع، سوق الحبال، سوق الحيَّاكين، سوق الصاغة، سوق الصرماتية، سوق العتقجية، سوق العطَّارين، سوق العقَّادين، سوق الغزل، سوق الكتان، سوق المصلبية.

وفي هذا التصنيف فائدة مزدوجة لكل من التجار والحرفيين من جهة، حيث يساعد تكثيفهم في موضع معين على وصول الراغبين في الشراء بسهولة، كما أنه يوجد نوعاً من الترابط بين تجّار وصنّاع السلعة الواحدة يُساعد على رواج تجارتهم، ومن جهة أخرى سهَّل هذا التصنيف على روّاد السوق من أبناء المدينة وأبناء القرى الوافدين شراء احتياجاتهم دون عناء مما يريدونه من سلعة معينة تجمع تجارها بسوق واحدة تتجاور فيها الحوانيت مما يمكّن المشتري من أن يرى وجود السلع وحدود الأسعار في وقت قصير.

كما سهّل التصنيف المراقبة الإدارية للأسواق من جهة سلطات المدينة، كما أنّه تمشى مع الرغبة في تخفيف كثافة المرور في شوارعها. فهذا التصنيف ساعد على الوصول مباشرة إلى السوق المتخصصة بسلعة بعينها دون الحاجة لمسح شوارع المدينة كلها بحثاً عن هذه السلعة أو تلك. كما أن هذا التصنيف راعى أن تكون السلع ضخمة الحجم، ثقيلة الوزن عند أطراف المدينة حتى لا يسبب نقلها إلى الداخل تكثيف وعرقلة لحركة المرور، وأذىً للمارة في الشارع.

ففي صيدا أثبتت لنا المقابلات الميدانية والمشاهدات العينية أن مراكز بيع الحنطيات على اختلافها التي تتصف بثقل الوزن كانت منذ القدم على أطراف المدينة، وفي معظمها كانت تتجه مداخلها نحو خارج المدينة وذلك لهدفين: أولهما سهولة استقبال البضائع من الأرياف أو عبر البحار وثانيها: سهولة نقل هذه الأحمال إلى داخل المدينة بواسطة الحمير أو الحمّالين حتى لا يُسبِّب نقلها ازدحاماً في الشارع أو أذىً للمارة، ولا يزال معظم هذه المحال شاهداً على صحة ما نقول. فمحل عز الدين، وبكار، والحر، والقبرصلي، وحنينة، وكلهم من تجار الحنطة، ومحالهم تنتشر على أطراف مدينة صيدا سيما في شارع الحسبة القديمة، وشارع البحر وصولاً إلى مقر الجمرك.

وقد حظيت شوارع الأسواق في مدينة صيدا بعناية البلدية وإشرافها على جميع نواحيها سواء في ذلك مواصفات تخطيط الشوارع وتنظيم استخدامها بواسطة التجار أو المشترين، من ذلك أن يكون من جانبي السوق إفريزان يمشي عليهما الناس في زمن الشتاء إذا لم يكن السوق مبلطاً.

وتأمر البلدية أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ والطين المتجمع وغير ذلك مما يضر بالناس.

وفي زمن الشتاء إذا كثر طين المطر فيجمعه أصحاب الحوانيت في وسط السوق أكداساً فأضر بالمارة وبالحمولة فعليهم كنسه وإلا فالدولة ملزمة بهذا الواجب، إذ يجب أن تنقى الأسواق من الطين في زمن الشتاء. ولا يجوز لأحد من التجار إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الممر الأصلي أي الطريق لأنه عدوان على المارة، ويجب على الدولة إزالته والمنع من فعله، لما في ذلك من لحوق الضرر بالناس.

لذلك اعتبرت حرفة الكنَّاس من حِرَف الخدمات الهامة التي تساعد على نظافة المدينة، حيث كانت مهمته تنظيف طرقات وشوارع وحارات مدينة صيدا من الأوساخ والأقذار ومن ثم تجميع القمامة في أماكن محددة لهذا الغرض.

وارتبط بحرفة الكنَّاس حرفة الزبَّال وهو من كان يجوب شوارع وأحياء مدينة صيدا، ومعه دابة عليها سُريجة كبيرة وقفَّة من ورق النخل ومجرفة، فيجمع زبالة المنازل والأسواق التي جمعها الكنَّاسون، ثم يقوم بنقل هذه الزبالة إلى البساتين، فيصلح لما يزرعه أصحاب هذه البساتين في بساتينهم فينمو بها الزرع ويطيب، وبذلك كان يستفيد الطرفان من هذا العمل، أصحاب البساتين الذين يحصلون على السماد، ومدينة صيدا التي تتخلص من نفايات منازلها وأسواقها. ونخص بالذكر من زبَّالة صيدا في الفترة ما بين (1840-1888م) آنذاك، وهبة دغمان، درويش السحمراني، الحاج عبود، أحمد الفريدي، محمد المصري، الحاج معنية.

ومن الحِرَف التي كانت تصب في إطار خدمة الأسواق والأحياء في مدينة صيدا حرفة الرشّاش وهو من يقوم برش الشوارع والأسواق بالمياه لكي لا تتعرض للضرر بضائع الحوانيت من جراء الغبار المنتشر بفعل كثافة حركة المرور، وجرت العادة على أن تُرش الأسواق مرتين في فصل الصيف، مرة قبل فتح الحوانيت، وأخرى بعد الظهر، نظراً لكثرة الغبار في هذا الفصل، أو لإضافة جو من البرودة على الأسواق في حر الصيف.

أما في فصل الشتاء فترش الأسواق مرة واحدة عند الصباح بعد كنس الأسواق والشوارع لقلة الغبار المتصاعد في هذا الفصل، وكان لكل سوق رشَّاش مختص به أو أكثر حسب مساحته.

ويستفاد مما سبق أن بعض الأسواق في صيدا كانت مظللة بالسقائف لحماية السابلة من المطر والشمس. على أن هذه السقائف وإن كان مسموحاً بها، إلا أنها كانت محظورة أحياناً إذا ما ترتب على وجودها الضرر بالنسبة للمشترين ذلك أن تسقط ظلاً على حوانيت البزازين وغيرهم فلا يتمكن المشتري من رؤية ألوان الأقمشة على حقيقتها، وكثيراً ما يجد المشتري بعد الشراء ما اشتراه مخالفاً لغرضه في مكان الضوء.

وينبغي أن تمنع البلدية أحمال الحطب وأعدال التبن وروايا الماء وشرائح السرجيين والرماد وأشباه ذلك، من الدخول إلى الأٍسواق لما فيه من الضرر بلباس وأغراض الناس.

ولما كانت شوارع الأسواق مخصصة للسير دون البيع فقد ورد النهي عن وقوف البائسين بالطرقات، لأن الواقف يصبح غاصباً لمواضع المرور حتى ولو كان الطريق واسعاً، لأن ذلك يؤدي إلى تضييقها ويجب على المشترين أن يمتنعوا عن الشراء.

وباتساع المدينة وخروج بعض أهلها وحرفيِّيها إلى خارج الأسوار القديمة بدأت صورة الأسواق المنظمة تضمحل شيئاً فشيئاً إلى أن شارفت على الزوال إن لم نقل أنها زالت تماماً، كما لا مانع من وجود النجّارين والحدّادين على مقربة من المستشفيات.

إلا أن تنظيم الدولة الحديث، وتحديداً جهاز التنظيم المدني يحاول قدر المستطاع المحافظة على تخطيط سليم للمدينة، وذلك مما يحد من عشوائية إنشاء الأسواق أو المحلات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن أسواق المدينة ومحالها التي اندفعت خارج بوابتيها تركزت في أول الأمر في شوارع: الشاكرية، الأوقاف، والمطران، والبحر، وصولاً إلى مركز مخفر الجمرك. هذا بالإضافة إلى تمركز المحال التجارية على اختلافها في شارع رياض الصلح الذي كان لفترة يعتبر ضاحية من ضواحي صيدا القديمة. أضف إلى ذلك تبعثر المحال في مختلف ضواحي المدينة بدءاً من حي الوسطاني وسهل الصباغ والشارع المشهور باسم إحدى المستشفيات "شارع دلاعة" وصولاً إلى مداخل عين الحلوة جنوباً وإلى الحدود الإقليمية لمحافظة الجنوب "منطقة نهر الأولي".

لعل هذا الانتشار العشوائي أفاد المستهلك لجهة حصوله على سلعة دون أي عذاب إذ ربما استعمل السلة البسيطة لحصوله على حاجياته، إلا أنه لم يغنه أبداً عن الأسواق الرئيسة التي لا تزال تُعتبر مراكز تجمع للصيداويين والقادمين من القرى على حدٍّ سواء، وخاصة في المواسم والأعياد حيث أن المحال المتبعثرة هنا وهناك لا تزال قاصرة عن تلبية كامل الحاجات للمستهلك، ولعل هذه الميزة في المحال المبعثرة هي التي تقود جهاز التنظيم المدني إلى إعادة تخطيط المدينة من جديد.




من أرشيف الموقع

تطبيق WEATHER NOW ومميزاته

تطبيق WEATHER NOW ومميزاته

قتل طفله بطريقة بشعة ... والسبب؟

قتل طفله بطريقة بشعة ... والسبب؟

حلمي كامل الحلاق

حلمي كامل الحلاق

مقام مار الياس (أو النبي إيليا)

مقام مار الياس (أو النبي إيليا)

ام تحتجز ابنها 10 سنوات..

ام تحتجز ابنها 10 سنوات..