بوابة صيدا - لا يوجد صورة
إسلاميات

بقلم الشيخ جمال إسماعيل (أبو ضياء)

الحلقة الثالثة

المعاني اللطيفة لمناسك "الحج" الشريفة

معظم أعمال الحج تعبُّدية، ولكن بعضها ظهرت حكمته، وخفي الآخر، ليكون المسلم مستسلماً لأمر الله، منقاداً لربّه ومولاه. وقد سُئل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن الحكمة من أفعال الحج، فقال: "ليس من أفعال الحج ولوازمه شيءٌ إلا وفيه حِكمة بالغة، ونعمةٌ سابغة، ونبأٌ وشأن، يقصر عن وصفه كل إنسان". 

فمثلاً: 

  • عندما يتجرد المؤمن من سائر الثياب ويتخلى عن مظاهر الترف والتنعم كالتطيّب والنساء.. ويقتصر على ثياب الإحرام البيضاء (المئزر والرداء).. فإنه ينسلخ بذلك من الأسباب التي تشده إلى الدنيا، فيمضي حياً بكفن الأموات، متذكراً مصيره المحتوم الذي سيؤول إليه كل إنسان وهو الرحيل عن الدنيا بالموت.. ويتمثل قول الشاعر: 

فلا تغرنَّك الدنيا وزينتها

وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن.

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعهـا

هل راح منهـا بغير القطن والكفن

يا نفس ويحك توبي واعملي حسـنا

عسى تُجزين بعد الموت بالحسن.

كما أنّ الناس بثياب الإحرام يتساوون في المظهر فلا يتميز العظيم عن الوضيع ولا الغني عن الفقير، لا تيجان ولا عمائم ولا شارات ولا ربطات عنق ولا ثياب شهرة... فالرجل المُحرِم حاسر الرأس حافي القدمين عار الا مما يستر العورة، يرتدي ثياب العبيد و الخدم والتذلل لله رب العالمين. والمرأة المُحرِمة تكشف عن وجهها وكفيها، لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة .

  • وعندما يردد الحاجّ (التلبية)... فإنه يعلن بذلك عن إجابته لنداء الله عزّ وجلّ القائل: {وأذّن في الناس بالحج.....} فعلى المؤمن أي يستشعر معنى الاستجابة لله تعالى وهو يردد هذا الهتاف الخالد بقلب خاشع يرجو رحمة الله ويخاف عذابه. 

وهو نداء يتصل فيه الماضي بالحاضر وأهل الأرض مع أهل السماء ، وهو نشيد المسلم العالمي يردده ضيوف الرحمن جميعا بصوت واحد عند الإحرام وفي معظم المناسك ، فتقشعر من روعته الأبدان وتتحرك القلوب والوجدان ... يملأون به الفضاء والأرجاء ، بالتعظيم والتقديس والحمد والثناء لرب الأرض والسماء .

  • أما الطواف، فإن المقصود الأعظم منه هو طواف القلب بذكر ربِّ البيت العتيق ـ سبحانه وتعالى ـ وربّ كل شيء ومليكه.. {وليطوفوا بالبيت العتيق} وأنه بذلك يعلن عن استسلامه الكامل وانقياده التام لله رب العالمين ، كأنه ذرة صغيرة في ملكوت الله الواسع العظيم يدور كما أراد الله بكل تذلل وانكسار لله العلي الجبار الى جانب ذرات الكون ومجراته {وكل في فلك يسبحون} .

وليعلم الحاج أن الطواف بالبيت صلاة غير أنه يحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير.. وليعلم أيضاً أنه بطوافه حول الكعبة إنما يتشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش والطائفين في البيت المعمور. قال تعالى: {وترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم}[الزمر: 75]. 

  • أما استلام الحجر الأسود وتقبيله ـ إن أمكن ـ .. فليدرك المؤمن إنه بذلك يُبايع الله على التقوى والتوبة، والطاعة والتضحية في سبيله تعالى..

وإنها لَبيعةٌ ثقيلة ومسؤولية جسيمة {إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسوف يؤتيه أجراً عظيماً} [الفتح:10]. 

وليدرك أيضا أنه أمام حجر من أحجار الجنّة، عنده تُسكب العبرات وتُستجاب الدعوات ، و أنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق .

  • أما السعي بين الصفا والمروة (ذهاباً وإياباً) فهو عبارة عن شدة إلحاح المؤمن في استمطار الرحمة، وإظهار الخلوص في الخدمة والتفاني في الطاعة لله تعالى، رجاءً للملاحظة بعين الرضا والرحمة... وأنه يتشبه بأم المسلمين هاجر  عليها السلام وهي تسعى في نفس المكان بلهفة وحنان لا ترجو إلا الله ، فاستجاب الله لها سعيها ودعاءها وفجر الماء من تحت أقدام ولدها.
  • أما الوقوف في عرفات يوم عرفة.. حيث يزدحم الخلق في أرض غبراء.. شعثاً غبرا.. ترتفع أصواتهم بمختلف اللغات بالتضرّع والدعاء بقلوب وجله وعيون باكيه لربها تائبة.. كأنهم قاموا من قبورهم لربّ العالمين.. مبتهلين خاشعين.. هذا المشهد يجب أن يهز النفوس هزا ويشدها شداً لتذكر يوم البعث والحشر والحساب {يوم يُنفخ في الصور فتأتون أفواجا} [ النبأ : 18 ]. 

وهو الموقف الذي تتنزل فيه الرحمة وتتحقق فيه المغفرة ويستجاب فيه الدعاء وهو ركن الحج الأعظم .

  • وأما رمي الجمار في مِنى.. فهو كناية عن رجم وجه إبليس وإعلان البغض والعداء له ولجنوده وحزبه من شياطين الأنس والجن وطواغيت الأرض.. قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر:6]. وفيه يؤكد المؤمن الحاج أنه لن يعود بعد اليوم إلى سبيل الشيطان بعد أن منّ الله عليه بالغفران التام .
  • أما ذبح الهّدي والأضاحي.. فهو تدريب للنفوس المؤمنة على التضحية والفداء والبذل والسخاء في سبيل الله .. كما أنه يتذكر الذبيحة العظمى التي حصلت في نفس المكان والزمان، قال تعالى: {فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ، فلما أسلما وتلّه للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاؤ المبين، وفديناه بذبح عظيم} [الصافات ١٠٢ -١٠٧].

وسُئل (صلى الله عليه وسلم ) عن هذه الأضاحي فقال: (سُنّة أبيكم إبراهيم) قالوا: "فما لنا فيها يا رسول الله. قال: (بكل شعرةٍ حسنة)... رواه ابن ماجة والحاكم بإسناد صحيح. 

فما أحوج المؤمنين إلى تدبر هذه المعاني اللطيفة والعبر العظيمة التي تفيض بها مناسك الحج ومواقفه الشريفة.. وما ذكرناه ما هو إلا غيض من فيض ونقطة في بحر.. فنسأل الله أن يفتح قلوبنا لفهم أوامر الله فنتذوق حلاوة معانيها ونزداد تعظيماً لشعائر الله {ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج:32]. 


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة