بوابة صيدا - لا يوجد صورة
منشورات خاصة

د. طالب محمود قرة أحمد / مؤلف كتاب (فلسطين العثمانية ـ تاريخ وصور) / خاص بوابة صيدا 

حيفا مدينة ساحلية في الطرف الشمالي للسهل الساحلي الفلسطيني على البحر المتوسط. وهي ذات موقع جغرافي هام. فالمدينة نقطة التقاء البحر المتوسط بكل من السهل وجبل الكرمل. وقد جعلها البحر أكبر الموانىء في فلسطين، في حين جعلها السهل منطقة زراعية منتجة لجميع محاصيل البحر المتوسط. وأما جبل الكرمل فاكسبها منظراً بديعاً ومناخاً معتدلاً. وقد أعطت هذه المزايا الطبيعية الموقع بعداً اقتصادياً هاماً وبعداً عسكرياً أيضاً. وما الأطماع الاستعمارية التي تعرضت لها المدينة عبر العصور التاريخية، بدءاً بالغزو الصليبي وانتهاءً بالهجمة الصهيونية، إلا تأكيد لخطورة هذا البعد العسكري .

ظل موقع حيفا هاماً في معظم الأوقات، فهي وجه فلسطين البحري ومنفذها الرئيسي إلى العالم الخارجي. وتنعم بمظهر غني في المناطق الشمالية لفلسطين، وفي الأردن والعراق، بالإضافة إلى المنطقة الجنوبية السورية. ولا شك في أن وقوعها على خليج بحري عميق جعل منها مرفأً محمياً طبيعياً يصلح لرسو السفن الكبيرة. ويعد سهل مرج ابن عامر، وهو الظهر المباشر لميناء حيفا، حلقة وصل طبيعية بين الميناء وظهيره البعيد، لأنه يرتبط بالمياه بفتحة طبيعية يجري عبرها وادي نهر المقطع في طريقه إلى مصبه في خليج حيفا البحري. ويمكن القول إن حيفا انتقلت من أوائل القرن العشرين من قرية متواضعة لصيادي الأسماك إلى مرفأ بحري للسفن. وقد زادت أهميتها عندما وسعت حكومة الإنتداب البريطاني عام 1929م الميناء وأقامت المنشآت الضخمة فيه وجهزته بكل الوسائل الحديثة. وبحلول عام 1933م الذي افتُتح فيه ميناء حيفا الحديث أصبحت حيفا الشريان الحيوي لفلسطين والأردن وسورية والعراق وإيران وغيرها من الأقطار الآسيوية. وفي ذلك العام افتتح مدير شركة بترول العراق أنبوب الزيت الذي يصل آبار النفط في كركوك بمستودعاته في حيفا حيث يتم تكريره وتصديره إلى الخارج .

وقد ارتبطت حيفا بظهيرها القريب والبعيد بشبكة من الطرق المعبدة والسكك الحديدية. ففي عام 1905م افتتح الفرع الغربي للخط الحديدي الحجازي رسمياً في حيفا، وهو الفرع الذي يصل بين حيفا والعفولة وبيسان وسمخ ودرعا. وهناك طريق معبدة تسير بمحاذاة الخط الحديدي متجهة شرقاً عبر سهل مرج ابن عامر وسهل بيسان إلى وادي الأردن، ومن ثم إلى الأردن وسورية والعراق. وتتفرع من هذه الطريق طرق أخرى تؤدي إلى كل من الناصرة شمالاً، وجنين ونابلس ورام الله والقدس والخليل جنوباً .

وفي عام 1919م وصل خط سكة حديد القنطرة " غزة " اللد إلى حيفا ومنها إلى بيروت. وهناك طريق معبدة تسير بمحاذاة هذا الخط. وبذلك أصبحت حيفا ترتبط بمصر عن طريق السهل الساحلي الفلسطيني وسيناء، وتتصل بلبنان عبر سهل عكا بطريق معبدة وخط سكة حديد يمران من عكا وبيروت في طريقهما إلى طرابلس الشام. وفي حيفا مطار جوي يربط المدينة بالمطارات الداخلية الأخرى في فلسطين وبالعالم الخارجي .

السرايا في حيفا :

بناها الشيخ ظاهر العمر الزيداني عندما بنى مدينة حيفا الجديدة في حدود العام 1761م. وجعلها مقرًّا لحكم المدينة وإدارة شؤونها، كما أنها استعملت لوظائف أخرى كسجن المدينة. ولمّا وقعت حيفا تحت الإحتلال المصري أثناء حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام في العام 1831م كانت دار السرايا بحاجة إلى ترميم فبادر ابراهيم باشا إلى ذلك. وتكوٌن مبنى السرايا من طابقين أثنين مع طابق تحت الأرض. واستعمل الطابق تحت الأرض كسجن ومعتقل للمدينة. في حين استعمل الطابق الأرضي مكاتب للموظفين الذين أشرفوا على إدارة المدينة ومرافقها المختلفة مثل الجمارك والإدارة المالية والبلدية. وبقي الحال هكذا إلى أن بدأت المدينة تشهد حالات من التوسع والإمتداد وبالتالي إلى ضرورة تخصيص مبانٍ أخرى لأمور إدارية متخصصة، بما فيها إدارة البلدية .

وكانت السرايا في الجهة الشرقية من المدينة، قريبًا من الميناء القديم لحيفا، وقريباً من شاطئ البحر. واعتبرت السرايا مركزًا مهمًا في سياق الحياة اليومية العامة. وانتشرت أمام السرايا ساحة كبيرة نسبيًا، وامتدت حتى بلغت أمام جامع الجرينة الذي شُيد لاحقاً(شيد هذا الجامع بعد انهاء حكم الشيخ ظاهر العمر الزيداني، ولذلك سماه القبطان حسن باشا الجزايرلي "جامع النصر الكبير" وهو أي الجزايرلي أقام هذا الجامع). لهذا، نلحظ أن مركز بل عصب الحياة في المدينة ذات الأسوار كان قريبًا من دار السرايا. فالساحة كانت مركزًا للقاء أهالي المدينة وأولئك الوافدين إليها من القرى المحيطة، وكذلك لكل الفعاليات الأخرى .

وعيّنت الدولة العثمانية قائمقامًا لها في حيفا، وهو عمليًا حاكم المدينة ومقره في السرايا. وتولّى القائمقام مهمة إدارة مجلس إدارة القضاء الذي تألف من ممثلي المدينة والجوار. وكانت تُعقد في السرايا جلسات هذا المجلس. كذلك إنعقدت في السرايا جلسات المجلس القضائي للمدينة والقضاء. ولما انتهى الحكم العثماني – التركي عن حيفا في العام 1918م جعل الإنجليز من دار السرايا مقرًّا لحكمهم إلى أن شيّدوا مبنى آخر مقابل دار البلدية الحالية في طرف الهادار حيث كان مقر وزارة الداخلية إلى نهاية القرن الماضي قبل انتقالها إلى مبنى الصاروخ .

وكانت الدولة العثمانية ثم البريطانية تعين قائمقاماً للمدينة من بين العائلات المعروفة في المدينة أو من خارجها، له نصيب في معرفة الإدارة والعلاقات العامة، لكونه يمثل الدولة في المؤسسات والهيئات الرسمية والعامة .

 موظفو السرايا :

من بين الذين تولوا منصب مدير ناحية ثم منصب قائمقام في الفترة العثمانية :

عبدالله بك الصلاح وهو من عائلة الصلاح المشهورة في حيفا وذات النفوذ الكبير والأملاك العديدة وكان لهم حيًّا كاملاً في الحارة الشرقية. وصالح بك حسين عبد الهادي، ومحمد نعمت أفندي، ومحمود بك الحلبي، وكامل بك بدرخان، ونظام الدين محمد شريف.

أما في فترة الإنتداب البريطاني فتم تعيين :

مستر سيمس، ومستر كوبرمان، متري فرّاج، عز الدين الشوا في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين المنصرم، داود كارمي في منتصف الثلاثينيات، خلوصي الخيري في أواخر الثلاثينيات، بديع ميرزا بشروئي وكان والده سكرتير حاكم حيفا البريطاني بعد احتلالها على يد الجيش الإنجليزي، حلمي الحسيني في مطلع الأربعينيات، ورفيق بيضون وهو آخر قائمقام لحيفا، وكان قد أشغل الوظيفة نفسها في نهاية العشرينيات من القرن العشرين المنصرم .


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

مقالات ذات صلة