بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - حكم الزواج المدني (1) [49]: بقلم: الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي

 الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

لن يجد المتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية، إن كان منصفاً، أياً من الثغرات التي عادة ما نجدها في التشريعات المعتمدة في دول العالم.. ولا يمكنني إجلاء هذه الحقيقة في هذه الأسطر القليلة.

إن أحكام الزواج في الشريعة الإسلامية تدور على رعاية السكن، والذي يعد الغاية الأسمى من عقد الزواج. فمهما أعمل أرباب الشرائع الوضعية عقولهم وسنّوا من القوانين، لن يفلحوا في الوصول إلى ما حققته الشريعة الإسلامية في هذا المجال، وحسبكم برهاناً على ذلك واقع الأسرة التي هي نواة المجتمع ومرآة واقعه في العالم، فما زالت الأسرة محافظة على تماسكها إلى حد بعيد في بلاد المسلمين.

ثم إن من مقاصد أحكام الشريعة الإسلامية تحقيق المساواة بين كلا الزوجين بما يتناسب وطبيعته التي خلقه الله تعالى عليها. ولم تراعِ هذه الناحية شريعة على وجه الأرض كما راعتها شريعتنا.

لذا كان للعقود ضوابط وشروط لا يجوز تعديها، ففي هذه الشروط والأركان والضوابط منافع كثيرة، وفوائد جليلة، فبها تحفظ الحقوق المالية، والحقوق الزوجية، فإذا اختل شيء منها قد تنقلب سعادة الأسرة الى جحيم.

ومن العقود التي كثر الكلام حولها الزواج المدني، حيث أثار جدلاً كبيراً، ما بين مؤيد ومحبذ، وما بين معارض ومنكر، لذا أردنا في هذا البحث الموجز أن نبين رأي الشرع في هذا العقد حتى يكون المسلم على بينة من أمره.

تعريف الزواج المدني لغة واصطلاحاً:

أولاً: تعريف المدني لغة: اسم منسوب الى المدنية، التي تعني: الحضارة، والتقدم، واتساع العمران. [المعجم الوسيط، الزيات وآخرون، ج2، ص859].

ثانياً: تعريف الزواج المدني: "نظام قانوني، يقوم على توافق إرادتي رجل وامرأة، على ارتباطهما به، ويستهدف إقامة الحياة المشتركة بينهما، وتبادل الرعاية والمعونة لخيرهما المشترك، وذلك على الوجه المحدد في القانون". [الزواج المدني دراسة تحليلية نقدية، عبد الفتاح كبارة، ص37].

هو خضوع علاقة الزواج بين الطرفين إلى عقد بالتراضي يشمل الحقوق والواجبات للمؤسسة الزوجية المرتجاة، وكيفية التعاطي مع نتائج قيام هذه المؤسسة. وعرّفه بعضهم بأنه: مؤسسة قانونية ناشئة عن عقد رسمي بين رجل وامرأة طليقي الإرادة، ولا ارتباط لأحد منهما بزواج سابق.

فكرة الزواج المدني:

في الأصل تتعلق بالأفراد المنبوذين أو المكتومين، أو العبيد، أو شذاذ الآفاق من الرجال والنساء الذين ليس لهم مرجع ديني، أو قومي، أو مذهبي، أو عائلي، وقد عرفت أوروبا المسيحية هذا النوع من الزواج واطلقت عليه اسم الزواج المدني، لأنه كان يكتم عقده وإشهاره في مركز المدينة، أو ما يسمى اليوم دار البلدية، لأن الكنيسة كانت ترفض إجراء عقد زواج لمن هم من غير رعويتها: أي غير معدودين في عداد المواطنين، ولا ضمن أعضاء الكنيسة المعمدين. [مع الزواج المدني بهدوء، محمود بغدادي، ص80].

المقصود بالزواج المدني:

يقصد بالزواج المدني ما يلي:

  1. أن الدولة هي التي تتولى تنظيمه بواسطة القوانين التي تصدرها، وهي التي تتولى الفصل في المنازعات التي تثور بصدده، دون خضوعها لأية تعليمات دينية تصدر عن جهة دينية.
  2. فالزواج بذلك علماني تطبيقاً لمبدأ فصل الدين عن الدولة.
  3. ويترتب على مدنية الزواج أن القانون لا يعترف بالزواج إلا إذا أُبرم أمام الموظف المختص. [ينظر: الزواج المدني، دراسة تحليلية نقدية، كبارة، ص41].

نشأة الزواج المدني، وانتشاره:

  1. نشأ الزواج المدني في أوروبا وكان ثمرة من ثمرات انفصال سيادة الكنيسة عن الدولة، وابتداءً من سنة (1556م) بدأت الأوامر الملكية في أوربا تنشغل بالزواج.
  2. ففي فرنسا صدر الأمر الخاص بتنظيم الزواج سنة (1697م) ونشر في العام نفسه، حتى إذا قامت الثورة الفرنسية سنة (1789م) واجتاحت سلطان الكنيسة، رأينا الزواج يتجرد من خضوعه لأي سيطرة كنسية، لقيام السلطة المدنية باستلام الزواج وأحكامه.
  3. لكن الذي خدم السلطة المدنية في هذا الأمر المعارضة التي أعلنها "مارتن لوثر" في القرن السادس عشر ضد النظرة الكنسية الكاثوليكية للزواج، فقد عارض الكنيسة في قولها بأن الزواج سر من الأسرار السبعة، ونادى بأن الزواج: نظام طبيعي، مدني.
  4. وقد أثار هذا الوضع ثورة رجال القانون، وثورة الرأي العام، الأمر الذي اضطر الملك لويس السادس عشر، لأن يصدر قراره سنة (1787م)، ويبيح بموجبه لغير الكاثوليك بأن يعقدوا زواجهم أمام موظف العدالة الكنسية، ثم جاء المرسوم الصادر سنة (1792م) لينص على أن الزواج يتولى شهره مأمور البلدية.
  5. وقد بوشر بتطبيق الزواج المدني سنة (1804م) وكان بتشجيع من "نابليون بونابرت" في أعقاب الثورة الفرنسية التي أطاحت بالأنظمة المسماة بالرجعية. [الزواج المدني، كبارة، ص33-34-35].
  6. وهكذا انتشر الزواج المدني في دول أوروبية كثيرة، وبدرجات متفاوتة.
  7. ففي أمريكا: لا يشترط لصحة الزواج أن يتم وفق المراسم الدينية، بل يكفي أن يكون مطابقاً للإجراءات المدينة.
  8. وفي بريطانيا: يأخذ القانون البريطاني بالزواج المدني والديني في آن واحد ويشترط لكل منهما شروطاً خاصة يجب إتباعها، وإلا كان الزواج باطلاً.
  9. وأما القانون اليوغسلافي (قبل التقسيم) فقد أخذ بالزواج المدني والديني في حدود متفاوتة، ففي بعض المقاطعات لا يعتبر إلا الزواج الديني، وفي بعضها الآخر لا يعتبر إلا الزواج المدني.
  10. وهكذا كان التشريع الإسباني يقر الزواج الديني للذين ينتمون إلى المذهب الكاثوليكي، والزواج المدني لمن لا يدين بهذا المذهب. [الزواج المدني، كبارة، ص86-87-88].

مؤسس الزواج المدني:

يعتبر الزواج المدني واحداً من نتائج الثورة الفرنسية التي قامت عام (1789م) ومؤسسه قادة تلك الثورة، ثم شرع في قانون نابليون عام 1804، ثم انتشر في معظم دول أوربا. وفي تركيا وتونس ارتبط باسم مصطفى كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة.

تطبيق الزواج المدني في العالم اليوم:

أما في دول أوربا وأمريكا فيطبق الزواج المدني ويُعتبر إلزامياً في كل من فرنسا، وألمانيا، وسويسرا، وبلجيكا، والسويد، وإيطاليا، ويوغسلافيا، ورومانيا، والنرويج، وموناكو، ولوكسمبورغ، والبرازيل، وأمريكا اللاتينية، وروسيا، ويطبق اختيارياً في إنكلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، واليونان وإسبانيا، وتركيا وتونس. [الزواج المدني الاختياري في لبنان، انطوان الناشف، ص17].

أسباب وجود الزواج المدني:

المبررات التي يسوقها دعاة الزواج المدني تنحو باتجاه العلمانية، وهي فصل الدين عن الدولة، كما تتخذ إطاراً قانونياً، وآخر إنسانياً، يتمثل بالحرية والمساواة بين المرأة والرجل، ومن هذه الأسباب التي يتذرع بها دعاة الزواج المدني:

  1. الزواج سر مقدس، وهذا ما يوجب على الدولة كسلطة مدنية أن تتولاه بالتنظيم.
  2. إن وجود المرجعيات الدينية ورعايتها للزواج، يحدث إنقاصاً كبيراً لسلطة الدولة.
  3. إن تطبيق التشريعات الدينية المتعلقة بالأسرة وغيرها، يقف حجر عثرة دون تكوين الوحدة الوطنية المطلوبة لأية دولة.
  4. وإن إلغاء التشريعات الدينية يؤدي إلى الوحدة الوطنية الحقيقية. [الزواج المدني، كبارة، ص55].

إقرأ أيضا: حكم الزواج المدني (2)

إقرأ أيضا: حكم الزواج المدني (3)

إقرأ أيضا: حكم الزواج المدني (4)




من أرشيف الموقع

لم يأتِ ليبقى...

لم يأتِ ليبقى...