بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الإشْفَاقُ مِنْ خَطَرِ الطَّلاقِ

الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

ما فتئ علماءُ النَّفْس والاجتماع بالإضافة إلى التربويين وذوي الاختصاص فضلاً عن الدعاة والفقهاء يتخوَّفون من آفة اجتماعية خطيرة تجتاح بيوتات المسلمين، تهزُّ عروشها وتأتي عليها من بنيانها.

ولطالما حذَّر الغيورون والنُّصَحاء من المساس بالأسرة، فالأسرة - بتماسُكها وتعاضُدِها- هي آخرُ معاقل المسلمين. وإنَّ أجلَّ خدمة نقدِّمها بأيدينا إلى الصهيونية العالمية هي ضرب هذه النَّواة من الداخل؛ لطيش من بعض الأزواج والزوجات، أو لجهل من بعض الآباء والأمَّهات، أو لتعجُّل واستعجال دون النَّظر في مغبَّات الأفعال ومآلات التصرُّفات والأقوال!

إزاءَ نِسَبِ الطلاق المرعبة المسجَّلة في المحاكم الشرعية وحدَها، والتي هي بازديادٍ فاحش والمتَّجِهة بالمجتمع نحوَ السُّقوط في الهاوية، وبدورنا - كموجِّهين وتربويين ودعاة على سبيل النَّجاة - فإنَّنا ندقُّ ناقوس الخطر، ونعلنها صيحةَ نذير؛ نُصحًا للأمَّة وشعورًا بعِظَم المسؤولية الملقاة على كواهلنا، ومشاركةً في وضع لَبِنات الإصلاح على دعائم الإيمان والفلاح.

ومَن يسمعْ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة سألت زوجَها الطلاقَ من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنَّة" يعلمْ أنَّ القضية من الخطورة والحيطة والحذر بمكان بعيد. ما يستلزم حِيالَها تضافرَ الجهود وبذل التعاون الناجح والمثمر للحدِّ من هذه الحالة المرضية غير السوية.

وهنا نتساءل بحرص وعناية شديدين:

ما بالُ بعضِ أخواتي وبناتي يتجاسرْنَ على طلب الطلاق لدوافع - هي مهما غالين في تصوُّرها وتصويرها - لا ترقى إلى محمل الجِدِّ في هذه المسألة الخطيرة، التي ينجم عنها هدمٌ لكِيان الأسرة المسلمة، وتفتيت بنيانها، وزعزعة أركانها، وتشتيت الأبناء والبنات، لمجرَّد أوهام وتخرُّصات، في ظلِّ غياب المراجعة الجذريَّة والحاسمة من قبل أولياء الأمور!

إنَّ أعظم مَهمَّة يوكلها إبليسُ إلى أعوانه هي التحريش بين المؤمن والمؤمنة، وإفساد الزوجة على زوجها (يراجع في هذا السياق مقالة لي بعنوان: إعْلامُ الحَبِيبِ بِخُطُورَةِ التَّخْبيبِ). ولا يزال الشيطان يوغر الصدر وينفث سمَّه في النَّفْس حتى يقع الشلخ بين الزوجين، عندئذ يعود الشيطان إلى سيِّده - وقد نصب عرشه على الماء - فيدنيه ويكرمه لما أحدثه من تصدُّع لا يكاد يلتئم في جسم الأسرة.

فالواجبُ على المرأة الصالحة والزوجة المؤمنة أن لا يغيبَ عن بالها طرْفةَ عين أنَّ صبرها على زوجها، واحتسابَها الأجرَ على ربِّها، ومراعاتَها شؤونَ منزلها، كلَّها أسباب ترضي الله عنها وتدخلها الجنَّة وتعين في المحافظة على أمن الوطن ونسيجه الاجتماعي والأخلاقي.

وفي المقابل، فإنَّ على الأزواج مسؤوليةً مضاعفة، لا تتوقَّف عند حدود حُسن اختيار الزوجة، بل تتعدَّاها إلى الإحسان إلى الزوجة، وملاطفتها ومعاشرتها بالمعروف، والصبر عليها، وعدم الإساءة إليها. فالمرأةُ في بيت زوجها مستأمنة، فلزمك أن ترعى حرمتها، وتصون كرامتها، والوقوف على قدْرها.

من هنا ندرك شناعة الجُرم الذي يقع فيه بعضُ الأزواج حين يسرع إلى التلفُّظ بعبارات الفراق والطلاق. والأدهى والأمرُّ أن يكون سببَ طلاقه خلافُه مع ربِّ عمله، أو عامله، أو صديقه، في العمل، أو الشارع، أو السوق... فيتلفَّظ بكلمات الطلاق وزوجتُه في بيتها ليس لديها أدنى فكرة عمَّا يحصُل مع زوجها، وليست سببًا أو طرفًا في النِّزاع!

ألا ينمُّ هذا التصرُّف عن شخصيَّة ضعيفة، مُتعجِّلة، غير مسؤولة، ولا مبالية بعظيم الوشيجة التي تجمع بين الزوجين في ما عبَّر عنه القرآن صراحةً {وَقَد أَفضى بَعضُكُم إِلى بَعضٍ وَأَخَذنَ مِنكُم ميثاقًا غَليظًا} [النساء: ٢١].

كيف جاز لكَ - وآياتُ الله تصدح بها منائرُ المسلمين آناءَ الليل وأطرافَ النهار - أن تتنكَّب عن هذا الصراط، وتصمَّ آذانك عن آيات الكتاب؟! {أَفَحُكمَ الجاهِلِيَّةِ يَبغونَ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكمًا لِقَومٍ يوقِنونَ} [المائدة: ٥٠].

ألا فاتقوا الله معشر الأزواج، واحفظوا ألسنتكم عن محارم الله، وإيَّاكم والتعرُّضَ لنسائكم، فإنَّهنَّ عوانٌ عندكم قد استحللتموهنَّ بكلمة الله. مَن أحسن إليهنَّ فقد أحسن إلى الله، ومَن أساء إليهنَّ فقد أساء إلى الله، ومَن أساء إلى الله يوشك الله أنْ يأخذه.

ولئن كان عَقد الزوجية بيد الرجل؛ إلا أنه لا يُشرَع له أن يتصرَّف فيه كيف شاء ومتى شاء، وإلا عُدَّ مُتعسِّفًا في استعمال الحقِّ، مُتلبِّسًا بإثم، قد جرَّ على نفسه وِزر ما استعجله، وربَّما -على قول - عومل بنقيض قصده. بل الأمر خاضع إلى ترتيبات شرعية ونُظم ضابطة مرعية، يجب احترامُها ويلزم التقيد بها قبل التلفُّظ بالطلاق وبعدَه، لما في لحظها من استتباب الأمن، وإرساء الخير والصلاح، وإعادة السكينة والطمأنينة إلى الحياة الزوجية الرشيدة.

وقد تكفَّل القرآن ببيانها والحديث عنها بالتفصيل، في خطوة استباقية لإبعاد شبح التفريق من المجتمعات الإنسانية، والحدِّ من ظاهرة تفشِّي الخلع والحؤول دون إيقاع الطلاق (فلتُراجَعْ سورة البقرة سيَّما الآيات /242-226/ منها، وسورة الطلاق ذاتها).

فأوَّل ما ينبغي على الرجل أن يسأله لنفسه:

هل زوجته في طُهر أو في عُذر؟

فإذا كانت في طهر، هل لامسها في شهرها أو لم يقربها؟

وهل هي حامل أو حائل؟

وهل طلاقه هذا هو الأول، أو الثاني، أو الثالث؟

ثمَّ هل هو جاهز أن يوفيها مؤخَّر صداقها، ونفقة عِدَّتها، ومتعتها (هدية طلاقها)؟

ذلك كلُّه نظمته الآيةُ الأولى من "سورة الطلاق": {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُم}، وسواها من الآيات التي مضت الإشارة إليها، ما يستثير فينا عاطفةَ الإشفاق على أحكام الطلاق من تسييبها وعدم الامتثال إليها وكأنَّها شيء لم يكن، وبالتالي القفز من فوقها للقضاء على أعظم وشيجة أقامها الربُّ على المودَّة والرحمة وجعلها وديعة مستودعة في يد خلقه ثم هو سبحانه ناظر كيف سنخلفه فيها!

بقي علينا كهيئات ولجانٍ وجمعيَّات ومؤسَّسات وأفراد، أن نحسن إدارة هذا الملفِّ، ونجيد التعامل مع هذه القضية الحياتية والمجتمعية الحسَّاسة والملحَّة.

فلا مانعَ من إقامة ندوات، ولا ضير من الدعوة إلى محاضرات دوريَّة حول تثقيف القادمين على الزواج، لجهة إدارة الحياة الزوجية الناجحة وكيفية فضِّ الخلافات وآلية احتواء النِّزاعات ألاَّ تتضخَّم وتتفاقم، في سبيل إشاعة جوٍّ من الراحة النفسية والثقة ورفع المعنوية، في ظلِّ المتغيِّرات اليومية غير المطمئنة والحاملة على العزوف عن تأسيس الحياة الزوجية، فضلاً عن كونها أيضًا من متسبِّبات حدوث الشقاق طردًا وعكسًا.

ولا بأس أن يسنَّ "المجلس الشرعيُّ الإسلامي الأعلى" قانونًا تُعنى "المحاكمُ الشرعية" مباشرةً - على طول البلاد وعرضها - بالتقيُّد به وتطبيقه، يُلزِم الخاطبين بالحضور والمشاركة في هذه الدورات التأهيلية والورش التربوية التثقيفية، على أن يُمنحوا شهادةَ مشاركة يُؤذَنون بمُوجِبها في إجراء "عَقد الزواج"، لما فيه من النَّفع العميم على مُختلِف صُعُد المؤسَّسة الزوجية، وأنا ضمين أنْ تَقلَّ نِسبُ الطلاق إذا ما وُجِّهت هذه الجهود وأوليت العنايةَ التي تستحقُّ.

وأجدُني هنا مُلزَمًا أن أرفع أسمى آيات الشكر وأطيب أزاهير الثناء لما تضطلع به جمعيَّاتُ إصلاح ذات البين من أعباء هذه المسؤولية على سَنَنٍ قويمة مستأمنة، كما الشكر والعرفان بالجميل مرفوع إلى المحاكم الشرعية التي أفسحت في المجال أمام هذه الجهود أن تأخذ موقعها المناسب في قلب الحدث مباشرة، على أمل التطوير دائمًا نحوَ خير الإنسان، الكفيل ببناء صرح الأوطان على ركائز جميل الأخلاق ونظم العمران.

بناءً على ما سبق، ندرك يقينًا أنَّ الشريعة قد أحاطت رابطة الزوجية بما يُبقي عليها حيَّةً قويَّةً، ويحفظ كينونتها من العبث، ويضمن ديمومتها من الزوال، من جهتي الوجود والعدم على السَّواء. وأنها غيرُ متشوِّفةٍ البتَّةَ إلى هدم الأسرة بإيقاع الطلاق.

فهل سيعي القيِّمون والمسؤولون والمتعجِّلون حجمَ المأساة التي يخلِّفونها في أُسرهم، وبالغَ الخطر الذي يتهدَّد بيوتاتهم ويروِّع النَّاشئة والأطفال ويقضي على أحلامهم؟!




من أرشيف الموقع

مسجد الموصللي

مسجد الموصللي

 لص.. وغبيٌ أيضاً!

 لص.. وغبيٌ أيضاً!

اصفرار أشجار الأڤوكادو

اصفرار أشجار الأڤوكادو

في عزاء مرسي

في عزاء مرسي