بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - لقاء مع مصطفى محي الدين جمال

عبد الباسط ترجمان / موقع بوابة صيدا

المولد والنشأة

كان احد أكثر الطلاب شقاوة في الصف، فقد علم بعض التلاميذ كيف يعصون أوامر الأستاذة، وقد كان غالب أيامه مطروداً من المدرسة، ومع ذلك، كان أحد الذين يعتمد عليهم، في إيصال التلاميذ إلى منازلهم بصفته عريف صف، فهو شقي، ولكنه رجل في المواقف رغم صغر سنه..

ولد مصطفى محي الدين جمال (أبو محي الدين) في حي الزويتيني في صيدا القديمة عام 1928م، كان والده حلاقاً.

دخل مدرسة فيصل، ثم دخل مدرسة عائشة أم المؤمنين، وبعد إنهائه الصف الرابع ترك الدراسة لعدم قدرة والده شراء القلم الذي يكتب به من الغلاء الذي ضرب البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية.

إقفال مدينة صيدا

في عام 1936م أقفلت مدينة صيدا لمدة شهر كامل، وذلك لأجل فلسطين، والويل لمن يفتح محله ليبيع فيه، وأثناء تجوله في حي المصلبية، رأى محل باشو لبيع الفواكه قد فتحت أبوابه، فذهب إلى القائمين على الإضراب وأخبرهم، فجاء المئات من الناس إلى محله وكسروه ورموا بضاعته خارج المحل..

في عهد الاستقلال خرج طلاب المدارس منددين بالاحتلال الفرنسي للبنان، فأطلق جنود الاستعمار الفرنسي النار على المتظاهرين فقتلوا تسعة طلاب وعشرات الجرحى، وكان مصطفى مشاركاً في هذه التظاهرة ورأى همجية القوات الفرنسية فانبطح أرضاً حتى لا يصاب بالرصاص...

خرج من المدرسة وبدأ يعمل في قهوة أبو مصطفى البابا " نكوشة " قرب المسجد العمري، ثم انتقل للعمل في عدة قهاوي في مدينة صيدا وبيروت.

فتح مع أخويه مقهى ومطعم الريفولي قرب سينما الريفولي مدخل مدينة صيدا، وكانت سينما ريفولي تخصص يومي الأربعاء والسبت للنساء... و بينما السينما تعرض فيلماً لفريد الأطرش، والسينما مليئة بالمشاهِدات وإذ بمجموعة نساء يحاولن سرقة إمرأة في يديها الكثير من الذهب، وبعد سلب بعض الذهب منها، أحسسن أنهن سيكتشفن صرخن " لصوص... لصوص ..." فخرجت النساء مسرعات من السينما وكسرن باب السينما الحديدي ولم يستطع أحد القبض على النساء اللواتي سرقن، وخسرت المرأة بعضاً من ذهبها الذي تلبسه.

فتح القهوة الخيرية بجانب سينما الروكسي قرب الحسبة القديمة في صيدا، وفي أحد أيام الشتاء، صعد مصطفى إلى سطع القهوة، وإذ به يرى في وسط البحر دواراً " يشرق " الماء من البحر ويعلي به إلى السماء، وكان يقترب من الشاطئ، ومن شدة قوته قلع خطوط سكة الحديد من الأرض، ولما لم يستطع مصطفى النزول إلى داخل القهوة قبض على أحد الأعمدة حتى مر الدوار، وعند المسجد الزعتري أحدث حفرة في الأرض لعدة أمتار وكان الناس يشاهدون الدجاج والحمام والكراسي والطاولات وهم يدورون مع الدوار في الجو....

في 13شباط 1960 أسس مع العبد البابا، عمر عكرة، محمد إدريس، الحاج جلول، سهيل عيطور، حسين زهرة نقابة المقاهي والمطاعم والفنادق والحلويات، وكان رئيسا للنقابة، وتعمل النقابة على تثبيت حق العامل في هذه المهن.

وأبو محي الدين من مؤسسي الاتحاد العربي لعمال الصناعات الغذائية في القاهرة، سافر إلى القاهرة خمس مرات، وبعد توقيع اتفاقية بين مصر ودولة العدو الصهيوني كان من المطالبين بنقل المقر من مصر إلى ليبيا، وكذلك شارك في مؤتمرات في موسكو والعراق.

طرفة في ليبيا

دخل مطعم ليبي، جاءه الكرسون، ماذا تريد؟

أبو محي الدين: شوربا..

ذهب الكارسون وجاءه بوعاء فيه شوربا، ولكن وما أن وضع أول ملعقة في فمه حتى أحس أن الدنيا انطبقت على رأسه، فقام من مكانه مسرعاً.

سأله الكرسون: ماذا بك؟

قال له: شو ما تارك حر لحاطو بالصحن......

اذهب وأتني بكفته، ذهب الكرسون وجاءه بما طلب، وما هي إلا لقيمات حتى بدأ يصرخ في وجه الكرسون، يا أخي خفف الحر ...

فقال له الكرسون: هنا الشعب يحب الحر كثيراً، ونحن لا نعلم أنك لا تأكل الحر.

عندما سافر إلى العراق، دخل إلى قهوة على شط النهر، رأى عساكر وجنود عراقيين جالسون، جلس معهم.. وكان يسمع عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فقال أين نجد صدام حسين؟

نظروا إليه وقالوا: هاهو الذي تجلس معه على الطاولة، فألقى عليه السلام.

يقول أبو محي الدين: كان الرئيس العراقي صدام حسين يجلس مع الناس كأنه واحد منهم.

في يوم جلس عند صديق له في محل لبيع الحلويات في مدينة صيدا، وإذ برجل من عملاء الاحتلال الإسرائيلي دخل هذا المحل، وقف قرب مصطفى وبدأ يضع يده على خاصرته ليلفت نظره أنه يحمل مسدساً، ثم قال له: " في حدا مزعلك، أو في حدا بدو ضب قل لي عليه "

أبو محي الدين: لما خلص من هون ضبني أنا، شو بتخوفني إذا كنت عميل .....

مشكلة فتاة

كلفه رئيس اتحاد العمال الاتصال برب عمل لحل مشكلة وقعت بينه وبين إحدى موظفاته رفض أن يعطيها " بدل نهاية الخدمة "، بل أكثر من ذلك أساء إليها بأفعال وأقوال مشينة مما أدى ذلك إلى إلتواء في فمها ويدها.... فقررت الانتقام منه فاشتكت عليه إلى النقابة فتوجه أبو محي الدين لحل المشكلة ...

أبو محي الدين: سمعتُ أن الفتاة التي كانت تعمل عندك قد تركت العمل واشتكت عليك.

فقال له رب العمل: نعم، وتريد تعويض.

أبو محي الدين: ما الذي يجبرك على أن تعطيها تعويض، أنتَ لست ملزماً بذلك.

قال له رب العمل: اشتكت عليَّ.

أبو محي الدين: فشرت... بقطع إيدك إذا بتعطيها قرش واحد.

فرح رب العمل بهذه الكلمات.

ثم أردف أبو محي الدين قائلاً: تعويضها تستطيع أن تحصل عليه من الضمان.

فقال له رب العمل: ولكني لم أسجلها في الضمان.

أبو محي الدين: إذا اشتكت عليك للضمان، ستدفع مبلغ وقدره 18 مليون ليرة، وسيجبرك على تسجيل جميع العمال الذين يعملون عندك.. وستدفع ضرائب التأخير عن تسجيل عمالك.. فالمشاكل مع الضمان لا تنتهي .....

سمع رب العمل هذه الكلمات فقال له: حلها بمعرفتك، وبدون أن يعرف الضمان.

قال له: لا بد من دفع تعويض للفتاة.

فقال له: كم أعطيها؟

أبو محي الدين: مليون ليرة.

فقال له: معي الآن خمسمائة ألف، وآخر الشهر أعطيها خمسمائة ألف أخرى، وبهذه الطريقة استطاع أن يحصل منه على تعويض الفتاة.

الزواج

كان والداه يقولان له: مصطفى بدنا نفرح فيك، فكان يقول ليس قبل أن أصل إلى الثلاثين من العمر.

لكن والده أصر على زواجه، فقالت له ابنته: " بابا، غداً آتي بصديقاتي إلى المنزل ربما أعجبته واحدة منهن، فيتزوج بها...

قال له والده: سأضع على الأرض كوب ماء فارغ، فالفتاة التي تعجبك ارم الكوب باتجاهها واكسره.

في ثاني الأيام جاءت صديقات أخته، ودخل مصطفى فرآهم فأعجبته واحدة، فضرب الكوب بقدمه فلم ينكسر، ثم عاود الضربة مرة أخرى فلم ينكسر، فقام ووضع قدمه عليه فانكسر، فذهب إلى والده وأشار له على التي أعجبته، تقدم والده من الفتيات وسأل الفتاة عن اسمها، فأخبرته أنها بنت كامل الصوري... ففرح إذ أنه يعرف والدها، ثم تم الزواج بينهما ليرزق منها بعد ذلك بخمسة ذكور وأربع فتيات، توفي من الذكور ثلاثة.

توفي محي الدين بعد عامين من ولادته، ثم لحق به هايل بعد عامين من ولادته أيضاً، ثم لحق به محي الدين بعد 22 سنة من مولوده ولوفاته قصة.

قصة وفاة ولده

كان يعمل في الحدادة والبويا في محله في المدينة الصناعية القديمة، في 31 تشرين الثاني 1984م كان والده ينتظر مجيئه فقد قرر أن يخطب ابنة عمه، ولكن محي الدين تأخر، قلق والداه عليه فقال: " يا فهد قم يا بابا نشوف خيك " أصرت زوجته على الذهاب معهما، ركبا السيارة وتوجها إلى محله، وصلوا منطقة الشهداء فأوقفهم حاجز جيش العميل لحد، أين أين أنتم ذاهبون؟

إلى مستشفى عسيران.

العملاء: أنتم تكذبون؟

لا نكذب.

كم عدد المستشفيات التي مررتم بها؟

أبو محي الدين: أنا زوجتي تتعالج في مستشفى عسيران، وهو دكتورها الخاص، ولا تقبل بدكتور غيره.

بعد ساعة من المشادات الكلامية سمحوا له بالذهاب، وصلوا إلى محل ولده، فسمعوا أنين ماهر، فحملوا الاثنين ونقلوهما إلى المستشفى، ولكن محي الدين توفاه الله قبل أن يصل إلى المستشفى، وكان السبب في ما أصابهما أنهما أدخلا مادة التنر إلى داخل السيارة وكان الطقس شديد البرودة وبدأوا ينظفون به داخل السيارة، فاختنقوا من الرائحة، فمات محي الدين مباشرة، بينما دخل ماهر المستشفى.




من أرشيف الموقع

قصة قصيرة: انا هلىء مرتاحة...

قصة قصيرة: انا هلىء مرتاحة...