بوابة صيدا - لا يوجد صورة
صفحات من التاريخ

بوابة صيدا ـ ولد أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد بن عبد عمرو الأوزاعي سنة 88 هـ في بعلبك، وعاش فترة من صباه في قرية الكرك البقاعيَّة يتيمًا فقيرًا، ثُمَّ انتقل مع أُمِّه إلى بيروت. وكان قبل ذلك قد عاش مع عائلته في دمشق، وتنقَّل بين حلب وحماة وقنسرين وسواها.

أُطلق عليه اسم «الأوزاعي» نسبةً إلى «الأوزاع» وهي قبيلة يمنيَّة حميريَّة من بطن ذي الكلاع من قحطان. نزل أفرادٌ منها في دمشق قرب باب الفراديس، وقد أُطلق على المنطقة التي نزلوا فيها اسم قرية «الأوزاع».

لم يذكر المُؤرخون والفُقهاء والعُلماء شيئًا عن والد الإمام الأوزاعي باستثناء ما أشار إليه الإمام نفسه، ولا عن والدته أو أخواله، غير أنَّهم أشاروا إلى أنَّه كان له عمٌّ واحد، والثَّابت أنَّهُ تزوَّج أكثر من مرَّة، ورُزق بِثلاث بنات وصبيٍّ واحد، وكان له حفيدين من بناته بِحسب الظاهر.

عاش الأوزاعي في عهدين سياسيين هامين، فشهد نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وعاصر من الخُلفاء: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد، وأبا العباس السفاح، وأبا جعفر المنصور.

وكانت الفترة التي عاشها الإمام الأوزاعي تزخر بِالعلم والعُلماء والفُقهاء والقُرَّاء والمُحدثين، ومن أبرز عُلماء تلك الفترة الأئمَّة: مالك بن أنس، وجعفر الصادق، وسفيان الثوري، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو حنيفة النعمان، والليث بن سعد، وسواهم.

وكان الأوزاعي من المُتفوقين علميًّا وفقهيًّا وجُرأةً على الكثير من عُلماء عصره، وقد أفتى وهو في الثالثة عشرة من عمره في مسائل فقهيَّة، بينما أفتى وهو في السابعة عشرة من عمره في مسائل عقائديَّة.

وكان الأوزاعي مؤمنًا أشد الإيمان بالقاعدة الإسلامية «الرحلة في طلب العلم»، لذا تنقل في مُدن الشَّام وفي اليمامة والبصرة والمدينة المنورة وبيت المقدس، وحجَّ أكثر من مرة، لِذلك فقد تعمَّق في العُلوم الدينيَّة والشرعيَّة بِشكلٍ لافتٍ لِلنظر.

أمَّا فيما يختص بالقضاء فقد رفض الأوزاعي منصب القضاء في العصرين الأُموي والعبَّاسي، فلمَّا وُلي زمن يزيد بن الوليد جلس مجلسًا واحدًا ثُمَّ استعفى، إيمانًا منه بِأنَّ القضاء مسؤوليَّة إسلاميَّة ضخمة لا يُمكن لِأي إنسان أن يتحمَّل وزر مسؤوليَّتها.

وكان الأوزاعي من كبار الأئمَّة المُدافعين عن الإسلام والسُنَّة النبويَّة، لا سيَّما في فترة تزايد البدع والجدل والانحراف عن القُرآن والسُنَّة، كما كان حريصًا على الجهاد والرباط والدفاع عن المظلومين وعن الحق، وكان استقراره في ثغر بيروت بدافع الرباط ورد الاعتداءات عن ديار الإسلام، وكانت الفترة التي قضاها في بيروت أكثر سني حياته المُنتجة والغزيرة، ففيها طوَّر مذهبه، وانتشر في كافَّة أنحاء الشَّام وانتقل إلى المغرب والأندلُس، لِيكون خامس مذاهب أهل السنة والجماعة، لكن لم يُكتب لمذهبه البقاء، فاندثر بعد أن لم يهتم تلامذته بتدوينه والحفاظ عليه، فحل مكانه المذهب الحنفي والشافعي في الشَّام والمالكي في المغرب والأندلس.

أما عن موروث الأوزاعي من المؤلفات والتصانيف، فهي ليست بالكثير. ربما لضياع جانب كبير من كتبه التي احترقت زمن الرجفة، وهي زلزلة عظيمة أصابت الشام سنة 130 هـ، وهلك فيه خلق كثير، وعزوف الأوزاعي نفسه عن إعادة كتابتها، رغم أنه أول من دوّن العلم بالشام.

غير أن كتب التراجم والسير حفظت بعض المعلومات عن بعض كتبه مثل «مسند الإمام الأوزاعي» الذي ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، و«سير الإمام الأوزاعي» وهو مطبوع ضمن كتاب الأم للشافعي.

وقال عنه الذهبي أن به نحو الألف حديث، إضافة إلى الألوف من الأحاديث المرسلة والموقوفة، وذكر له ابن النديم في الفهرست كتابي «السنن في الفقه» و«المسائل في الفقه»، إضافة إلى كتاب «سير الأوزاعي» الذي احتوى على بعض المسائل الفقهية، ولم يبق منه نسخ الآن، والذي تكفّل أبو يوسف القاضي بالرد على بعض تلك المسائل في كتابه «الرد على سير الأوزاعي».

وقد اهتم غير واحد بالترجمة للأوزاعي، لعل أشهرها قديمًا ترجمة أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن زيد الحنبلي له في كتابه «محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي»، إضافة إلى عدد من المعاصرين مثل «الإمام الأوزاعي شيخ الإسلام وعالم أهل الشام» لعبد الستار الشيخ و«الإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام» لعبد العزيز سيد الأهل.

وبعيدًا عن موروثه من التصانيف والكتب، فقد كثُر كلام الأوزاعي ومواعظه ورسائله التي تناقلتها ألسنة الوُعّاظ والعلماء، فقد روى الوليد بن مزيد أنه سمع الأوزاعي يقول: «إذا أراد الله بقوم شرًا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل»، ورُوي أن الأوزاعي قال: «لا ينبغي للإمام أن يخص نفسه بشيء من الدعاء، فإن فعل فقد خانهم»

وقال: «نتجنب من قول أهل العراق خمسًا، ومن قول أهل الحجاز خمسًا. من قول أهل العراق شرب المسكر، والأكل عند الفجر في رمضان، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، وتأخير العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله، والفرار يوم الزحف. ومن قول أهل الحجاز استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، والمتعة بالنساء، والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين يدًا بيد، وإتيان النساء في أدبارهن»، وقوله: «كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.»

الأوزاعي والحكام

كان الأوزاعي على علاقة طيبة بمعاصريه من الأمويين حتى إن الخليفة الأموي يزيد بن الوليد استقضاه، فجلس الأوزاعي مجلسًا واحدًا، ثم استعفى، فأُعفي. غير أنه بتولّي العباسيين الأمر، أفحشوا في قتل وتتبُّع الأمويين، واضطهاد من كانت لهم الحظوة عند الأمويين.

ثم إن عبد الله بن علي لما دخل دمشق سنة 134 هـ، أرسل في طلب الأوزاعي، فتباطأ عليه ثلاثة أيام، ثم دخل عليه. ولما دخل الأوزاعي على عبد الله وجده على سريره وفي يده خيزرانة، وجنده المتشحين بالسواد يحيطونه، وسيوفهم مصلّتة. فسلم عليه الأوزاعي فلم يرد، ثم بادره عبد الله بالسؤال قائلاً: «يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة أرباط هو؟»،

فردّ الأوزاعي بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»

فقال عبد الله: «يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟»

فرد بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»

فقال عبد الله: «ما تقول في أموالهم؟»

فقال الأوزاعي: «إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي»

فقال: «أليس الخلافة وصية لنا من رسول الله قاتل عليها علي بصفين؟»

قال: «لو كانت وصية من رسول الله ما حكم علي الحكمين»، فنكس عبد الله رأسه، وعرض على الأوزاعي القضاء، فاعتذر.

لم يتردد الأوزاعي في مراجعة الحكام بالنصح والإرشاد متى ما رأى منهم حيدًا عن الصواب، فقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «الأموال» أن جماعة من أهل الذمة في جبل لبنان نكثوا عهدهم وتمردوا، فأخذهم الوالي العباسي صالح بن علي بالشدة، فحاربهم وأجلاهم، لم يرضَ الأوزاعي بما حلّ بهم، وكتب إلى الوالي رسالة طويلة يقول فيها:

«قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة، ورجع بقيتهم إلى قراهم، فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ فيخرجون من ديارهم وأموالهم؟ وقد بلغنا أن من حكم الله عز وجل أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدي به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: «من ظلم معاهدًا، أو كلفه فوق طاقته، فأنا حجيجه»، ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يرجم محصنهم على الفاحشة، ويحاص نساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم والطلاق، والعدة سواء».

ويُروى أن نصرانيًا أهدى إليه يومًا جرة عسل، فقال له: «يا أبا عمرو تكتب لي إلى والي بعلبك؟»، فقال الأوزاعي: «إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك»، قال: «فرُدّ الجرة»، وكتب له الأوزاعي، فوضع الوالي عنه ثلاثين دينارًا.

وحدث في أيام المنصور أن كان قيصر الروم إن وقع في يده أسرى من المسلمين يطلب الفداء، إلا أن أبا جعفر المنصور كان يأبى الفداء. فشقّ ذلك على الأوزاعي، وكتب كتابًا بليغًا لأبي جعفر في ذلك يذكّره فيه بالله، فرَقَّ المنصور، وأمر بالفداء. حظي الأوزاعي لدى المنصور بمنزلة خاصة، فكان المنصور يُعظّمه ويصغي إلى وعظه ويُجلّه. كانت صنعة الأوزاعي الكتابة والترسُّل، وقد حظيت رسائله بإعجاب معاصريه لفصاحتها وبلاغتها، ويذكر أن المنصور كان يحتفظ برسائل الأوزاعي التي ترد عليه، فكانت تنسخ في دفاتر، وتوضع بين يدي المنصور، فيتعجب منها، ويُكثر النظر فيها استحسانًا لألفاظها.

في يوم الأحد 28 صفر سنة 157 هـ، دخل الأوزاعي حمام بيته وهو شيخ كبير شارف على السبعين، وأدخلت معه امرأته كانونًا فيه فحم وأغلقت عليه امرأته باب الحمام غير متعمدة، لئلا يصيبه البرد، ولم يقو على فتح الباب، فاستسلم لأمره وتوجّه إلى القبلة، ومات مختنقًا.

توفي الأوزاعي ولم يترك إلا سبعة دنانير، وما كان له أرض ولا دار.

وقال الحسن بن جرير بن عبد الرحمن الصوري أنه أخبره من حضر جنازة الأوزاعي أنه شيعها أهل أربعة أديان المسلمون واليهود والنصارى والقبط.

ويُروى أن رجلاً قال لسفيان الثوري رأيت كأن ريحانة من الشام رفعت فقال سفيان الثوري إن صدقت رؤياك، فقد مات الأوزاعي، فعرف ذلك اليوم فوجدوا موت الأوزاعي فيه.

دُفن الأوزاعي في قرية «حنتوس» جنوب بيروت، وشُيِّد على قبره مقام ومسجد عُرف بِمسجد الإمام الأوزاعي، ومع مُرور السنوات تغيَّر اسم القرية حتَّى أصبحت تُعرف بـ«الأوزاعي»، وشكَّلت جُزءا من بيروت الكُبرى مع مرور الزمن.


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة