بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - "الشعب يريد" تونس أول من هتف.. ولبنان اليوم يهتفها!

(تمام محمد قطيش / بوابة صيدا)

كثيرة هي الأشياء التي تشعل فينا نيران الحنين وتحرّك لواعج الشوق للوطن قد تكون صورة له.. بيت شعري عنه.. موّال من زجّال.. أو أغنية وطنيّة نسمعها أو تطرأ على البال فتدغدغ بكلماتها مشاعر مكبوتة نتغافل عنها.. قد يكون حدث كذاك الذي حصل فأحرق قلوبنا وفاضت لأجله عيوننا عندما شبّت النيران وأحرقت خضرته التي لربما يعشقها الزوّار والسيّاح أكثر من المواطن اللبناني الذي أنسته الظروف بعضا من جمال بلده، وقد تكون كما هذه الأيام أزمة وطنيّة نتمنى من خلالها أن نكون جنبا إلى جنب مع الأهل، الأصدقاء، المعارف، وإخوتنا في الوطنيّة.. وهذه الأيام الحنين تزداد حدّته بمناسبة العيد الـ 76 لاستقلاله عن فرنسا، خاصّة وأنّ هذه الذكرى هذا العام كان لها نكهة مختلفة جدا عمّا عهدناه في السنوات السابقة، ذكرى تميّزت باحتفالات مدنيّة فاقت بجمالها الاحتفالات التي سبقتها والسبب في ذلك اللُحمة والوحدة الوطنيّة التي لطالما حلم بها الشعب اللبناني.. ذلك الشعب الذي عانى الكثير من الضغوطات والظروف والحروب على مدى عقود طويلة..

حماس كبير يشدّنا إلى الوطن لنضيف المزيد من الأصوات الصادحة والمطالبة بالحقّ، حقّ شعب مسلوب ومحروم من أدنى الحقوق التي تتمتع بها الكثير من الشعوب.. شعب مرّت عليه الكثير من الظروف من اجتياح الصهاينة لأراضيه والتنكيل بأهله وحروب أهليّة جرت على ترابه حُصدت فيها الكثير الكثير من الأرواح البريئة من نساء وشيوخ وأطفال..

وطن لطالما بكى أهلوه وجعا، خوفا، حرمانا، فقرا، جوعا ولم يشعر به أحد، وطن  شعبه يتوسّد الهموم ويصحو على هموم أكبر من التي سبقتها، ارتفاع بالأسعار وزيادة الضرائب، وطن كانوا يظنّونه متماسكا لكن في الصميم كان منهارا متفرّقا مقطّعا، وطن تغرّب أغلبيّة أبناء شعبه كرها وفرارا نحو المجهول..

 الشعب أصيب بصحوة ليست بالغريبة لأنّها كانت متوقعة، ولأنّ للصبر على المُرّ حدود جاءت بعد الحرائق الكبيرة التي حدثت في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) وطالت ثروة البلاد الطبيعيّة التي تكاد تكون ملاذا لكثير من أبنائه يقصدونها للترفيه المجّاني..

بعد يومين من الحرائق انتفض الشعب المخنوق، المقهور والمشحون لسنوات طوال ونزل إلى الشوارع والسّاحات ملتحفا علما موحدا هو علم بلاده الذي يتكوّن من ألوان ثلاثة فقط (أحمر أبيض وأرزة خضراء تتوسطه) وأعلنها ثورة وطنيّة خالية بشكل ملفت بل متنحيّة عن الهتافات الطائفيّة والحزبيّة التي اعتدنا عليها في التحرّكات الشعبيّة السابقة، ثورة للمرّة الأولى تقوم بهذه الوتيرة التي تبعث على الاطمئنان لوعي الشباب اللبناني الذي نزل للسّاحات في كلّ المناطق اللبنانيّة دون استثناء من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.. سابقا تعدّدت الهتافات ولكن هذه المرّة توحدوا تحت عبارات عدّة منها عبارة ميّزت الحراك السلمي "كِلُّنْ يعني كِلُّنْ" ثلاث كلمات كانت تشبه النّغمة هتف بها اللبنانيّون ضدّ الثلّة الحاكمة في السّاحات وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، "ثوار أحرار ح نكمّل المشوار".. وهتف المتظاهرون أيضا بهتافات كثيرة أشهرها هتاف لطالما سمعناه "الشعب يريد إسقاط النظام" ذكّرنا بأمّ الثورات وأولاها في عصرنا الحالي تونس، ثورة الحرّيّة والكرامة حين صدح الشعب بهتافات الثورة بعد حادثة إحراق الشاب البوعزيزي نفسه في أواخر العام 2010، ما أدى إلى اشتعال الشارع التونسي بالغضب مطالبا بأبسط حقوقه التي حُرم منها وعمّت التظاهرات مختلف المدن التونسيّة ونتج عنها سقوط عدد من الجرحى والشهداء.. أربعة أسابيع فقط أعلن فيها حالة طوارئ وأقيل خلالها عدد من الوزراء هذه الأزمة التي تسارعت أحداثها كانت كفيلة بهروب الرئيس التونسي تاركا وراءه شعب عانى بعض أبنائه على أرض بلاده الأمرّين وتشرّد الكثير منهم بحثا عن سماء آمنة يستظلّون تحتها، لكن حال الحراك السلمي في لبنان في وجه الفساد نَفَسَه أطول ومستمر منذ أكثر من خمسة أسابيع ولا ندري إلى متى سيكون لكن الشعب بات يتوق للحظات التغيير والانعتاق.. 

لا ننكر أنّ القلق والخوف على الوطن بعد هذه المرحلة يلفّنا لكن الأمل يسكننا جرّاء هذا التحرّك الشعبي الجريء المهيب والرّهيب، الشعب الذي أُخذ عنه  في الخارج أنّه دويلات في دولة بسبب تنوّعه الطائفي يكاد اليوم يكون متكاتفا حين خلع عنه رداءه الطائفي بقدرة من الله، هذا الشعب الذي يعيش على أرض مساحتها 10452 كلم مربع يتميّز بنسيج طائفي متنوّع يضمّ في حناياه 18 طائفة لا يمتلكها غيره مقارنة بهذه المساحة الصغيرة تجده متراصا كالبنيان وقف فيه الشيخ والفتى إلى جانب النّساء والأطفال عندما ناداهم الوطن، ورغم التوتر الشديد الذي يعترينا نطمئن قلوبنا بهذا التماسك الذي نرجو من الله أن يتمّمه، عسى الأوضاع في الأيام الآتية تتنفس الصعداء ويستقر الحال كما أصبح مستقرا نوعما هناك في تونس الخضراء.. ولعلّ ما نسمعه من الأخبار الآتية من هناك فيها من بشائر الخير للشعب الثائر والمتحمّس.. وأمانينا جميعا أنّ المطالب التي ينادي بها الشعب تتحقّق ويعمّ الأمن والسلام بلد الجمال والسلام كما هناك في تونس شقيقة لبنان التي غنّت لها فيروز ذات حفل عام 1986 أغنية من كلمات للأخوين رحباني وصفا تونس بالشقيقة ونجمة القصائد القديمة وأتبعا ذلك بـ "إليك يا قرطاجة العظيمة /حبّي وما يحمل من مياسم/ لشعبك الأبيّ من شعبي الأبيّ / وإنّ مجدا كان ما بين شاطئينا يبقى على الزمان/ إليك من لبنان". فهل يتحقق المجد في لبنان كما حققته تونس بشجاعة الشعب ووعيه الآن وبعد 33 سنة من هذه الأغنية؟!..




من أرشيف الموقع

مازلت صغيرة السن

مازلت صغيرة السن

حدث في 29 تموز / يوليو

حدث في 29 تموز / يوليو