بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (75): رمضان الإجتياح الإسرائيلي بلا مدفع

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

قبل تاريخ 22 / 6 كانت الامور تسير بشكل بطيء, وكان هم الناس الاول تأمين المياه والمواد الغذائية الاساسية, ضاق الناس ذرعاً وبدأ صبرهم ينفذ, المحلات مقفلة إما لأن أصحابها خارج صيدا وإما لأنهم خائفين من فتح محلاتهم حيث أن الوضع الامني الجديد لم تظهر صورته بشكل جيد ولم يُعرف ما هي ضوابطه, فآثر أكثر الناس على عدم فتح محلاتهم ترقباً لما سيكون عليه الوضع الامني المستجد, مما دفع بالناس إلى خلع بعض المحلات التجارية وخصوصاً محال المواد الغذائية لأخذ ما يحتاجونه وخصوصاً ما يسد جوعهم وجوع اطفالهم... هكذا بدأ الأمر لكن سرعان ما تحول إلى عمليات نهب خصوصا التعاونية الإستهلاكية قرب مبنى البلدية.

التعاونية الإستهلاكية تعرضت لاوسع عملية نهب بكل ما للكلمة من معنى, فمن الممكن ان نعذر من يدخل ليأخذ طحينا او سكراً أو أرزاً ولكن لا نستطيع ان نعذر من دخل لتحميل الادوات المنزلية والكهربائية والتحف والسجاد والالعاب وادوات التجميل والعطورات والساعات وما شابه ذلك, انهمك بعض الناس بالنهب لقصد النهب, ولما انتشر الخبر ووصل الامر إلى القيادة الإسرائيلية القابعة في السراي الحكومي أوعزت للشرطة اللبنانية الممثلة بالفرقة 16 بحراسة التعاونية والبحث عن السارقين وإعادة المسروقات إلى مالكيها, وبالفعل قام الدرك باقتحام منازل المختلسين وأخرجوا منها كميات هائلة من الادوات المنزلية والتحف والهدايا التي لا علاقة لها بسد الجوع والعطش.

القوات الإسرائيلية التي اتخذت من السراي الحكومي مقراً للحاكم العسكري الإسرائيلي ولقيادة منطقة صيدا, بدأت تلعب على الاوتار التي تقوي رصيدها عند سكان صيدا الذين افتقدوا لفترة طويلة للنظام والأمن وعانوا الأمَرَّيَن من تصرفات المسلحين وتجاوزاتهم, فأوكلت القوات الإسرائيلية بداية قيادة الدرك مهمة حفظ الامن المدني واعطتهم الصلاحية بالتدخل وإعادة فرض النظام وتطبيقه من جديد.

الإسرائيليون في ذلك الوقت كانوا منشغلين بحصار منطقة عين الحلوة ومخيماتها التي لم تستسلم, واستمر فريق من المقاتلين المخلصين بالقتال حتى الموت، وفضلوا عدم إعطاء الفرصة لإسرائيل بإسقاط اكبر مخيمات الجنوب بسهولة دون تكبيدهم الخسائر.. فالإجتياح لم ينته فهو مستمر على بعد أقل من كيلومترين من موقعنا وكنا نسمع ونراقب ونتابع الاعمال العسكرية التي كانت تجري يومياً, ولكن دون خوف أو هلع حيث أن الدائرة التي كانت تدور فيها العمليات العسكرية كانت صغيرة ومحددة.

لم أضجر من متابعة العمليات العسكرية فكما كنت اتابعها من منزلنا في سهل الصباغ من على الشرفة, استمررت بمتابعتها من حديقة جدي الجنوبية التي كانت تكشف منطقة عين الحلوة فكنت اقف على جدار إحدى الشرفات الأرضية وأراقب الغارات... كان الناس كلهم يلازمون بيوتهم فلا عمل ولا دوام ولا أسواق ولا مصارف, المدينة مشلولة تماماً, والناس يقبعون في بيوتها مترقببن,.

بدأ فرن حارة صيدا المجاور لمنطقة الهلالية بالعمل وانتاج الخبز بعد انقطاع دام لاكثر من أسبوعين, كان يفرض على كل زبون ان لا يشتري اكثر من كيلو غرام من الخبز أي مقدار ربطة واحدة, فكان الناس يقفون صفوفاً طويلة لشراء الخبز, صف للرجال وآخر للنساء, كنا نأخذ حصتنا من الخبز نحملها ككنز, أذكر أن اول ربطة اشتريناها ودخلنا بها إلى المنزل كان لها أثر كبير في نفوس الجميع فمنهم من بكى  والأطفال فرحوا وكأنهم رأوا كنزاً من الكنوز....

علمتنا تلك الحرب قيمة كل شيء كنا نعتبره من البديهيات التي يجب أن تكون موجودة ومتوفرة, ولكن في الواقع هي نِعَمٌ من الله ينعم بها على عباده ويحرمهم منها عندما يشاء خاصةً عندما ننسى الله ونُعرض عن دينه.... نسينا الله سبحانه وتعالى طيلة الفترة الممتدة من أواخر الخمسينات وصولاً إلى مطلع الثمانينات, فنسانا الله وسلط علينا عباداً لا يخافونه فينا ولا يرحمونا.

عندما وقع الإجتياح الإسرائيلي في اوائل شهر حزيران من عام 1982 كان العام الدراسي يوشك على الإنتهاء, كنا في صدد التحضير لتقديم امتحانات آخر السنة التي كان من المفترض ان تبدأ في الخامس عشر من نفس الشهر وأن تنتهي في الثاني والعشرين منه, وكان تاريخ الثاني والعشرين من حزيران هو اول ايام شهر رمضان المبارك, رمضان تلك سنة كان ممهوراً بالإجتياح ومدفعه ظل صامتاً فلم يطلق ولا طلقة واحدة.

بعد ان قدمنا 75 حلقة سنتوقف قليلا... وسنعاود تقديم الحلقات في وقت نعلن عنه لاحقا, أشكر جميع المتابعين وإلى اللقاء.




من أرشيف الموقع

خصائص المثل الشعبي

خصائص المثل الشعبي