بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (73): البضائع الإسرائيلية تغزو أسواق صيدا

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

بعدما وضعت الحرب أوزارها واستردت المدينة انفاسها بعد أيام من حرب ضروس، استفاق الناس على نقص في الخدمات العامة كالماء والكهرباء والغاز ووقود السيارت، أول الغيث كان بئر من المياه بالقرب من مستشفى النقيب، قام بعض المتطوعين بتجهيزه لتعبئة المياه للناس عامة، فقمنا نحن بتجميع ما لدينا من غالونات مياه وصرت أذهب مع زوج خالتي بسيارته يوميا وبعض الاحيان مرتين باليوم الواحد إلى بئر المياه القريب من مكان اقامتنا، نملأ الغالونات ومن ثم نعود محملين بالمياه اهم وسيلة من وسائل الحياة، وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما دخلنا بأول مجموعة من الغالونات المليئة بالمياه إلى دار جدي حيث فرح الجميع وشعروا ان موعداً مع النظافة قد اقترب سيما أنه قد مرَّ علينا أكثر من أسبوع دون استحمام، كان فصل الصيف بدأ يطل علينا بحره ورطوبته المرتفعة، كان البئر فرجاً من الله على الناس، صار شغلنا اليومي هو تامين المياه وتفقد ما تبقى منها، فكان نظاما جديداً لحياة لم يكن احد يتوقع ان يعيشها يوما.

ثاني الغيث كان مستودعاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في حي البراد منطقة الوسطاني، يحتوي على عدد كبير من أكياس الطحين، كان هذا مخزوناً للإستعمال العسكري عند الأزمات، لكن العسكر تركوا كل شيئ خلفهم حتى الطحين، تلك كانت الهدية التي استفاق الناس على وجودها في يوم لم يكن في صيدا فرن يعمل. فقد قام الناس بفتح المستودع وأخذوا منه ما يستطيعون حمله من الطحين، لما سمعنا نحن بالخبر  بدأ الجميع يطلب من زوج خالتي الذهاب لإحضار الطحين، عائلته تحفظت خوفاً عليه من الإعتقال على أيدي الإسرائيليين الذين كانوا قد بدأوا باعتقال كل من كان له علاقة بالعمل الفدائي والاحزاب، وكان زوج خالتي بعثياً سورياً، فاقترح عليه خالي ان يأخذ معه إحدى بناته كتغطية لرفع الشبهة عنه، وبالفعل ذهبا، وانتظارناهما بفارغ الصبر، ولما عادوا محملين بكيس الطحين فرحنا جميعاً وبدأ عهد جديد من التغذية أساسه الطحين دون غيره.

كانت قارورة الغاز نصف ممتلئة، فكان اسخدامها منظماً، لا يتم تشغيلها إلا في أوقات محددة، ولأسباب طارئة، كان والدي صباحاً يقوم بإعداد "العصيدة" وهي مكونة من طحين وسكر وقليل من الحليب تطهى على النار، كان طعمها لذيذاً جداً، كان الجميع يتناولها كفطور صباحي وقد حظيت بإعجاب الجميع ورضى الصغير قبل الكبير، إذ لا بديل عنها، فالجوع من أمامكم والعصيدة على مائدتكم، ولا شيء يسد جوعكم إلا العصيدة.

في الظهيرة كانت أمي وخالتي تقومان بتحضير عجينة من الطحين تقطعانها على شكل فطائر يحشونها بما توفر في الخبايا من زعتر وجبن وبصل وكشك ويقلينها بالزيت الحامي بحيث تنضج بسرعة أكبر من طهيها بالفرن وبذلك نخفف من استعمال الغاز.

بدأت بعض المنتوجات الإسرائيلية تظهر في الأسواق الصيداوية أذكر أن البقالة المجاورة لبيت جدي والتي يمتلكها رجل مسيحي يدعى " أبو جون" بدأ بعرض البضاعة الإسرائيلية ، وكان الناس يسألونه عن طعم الفاكهة الإسرائيلية فقال يومها: "متل تفاح بلادنا مافي".

بدأت الأسواق تغرق بالمنتجات الإسرائيلية، كالسكاكر والشوكولا، بضاعة مكتوب عليها بالعبرية كنا نشتريها من محلات البقالة دون ان نعرف إسم الماركة، كانت البضاعة الوحيدة المتواجدة في السوق، كان شيئاً جديداً والناس تحب الجديد، ولكن سرعان ما استيقظ الناس من سكرتهم وبات كل ماهو إسرائيلي مرفوض ومحارب من قبل الغالبية العظمى من الناس..

بدا المسيحيون يستردون انفاسهم بعد سنوات من الكبت نتيجة السيطرة الفلسطينية فالمعارك الشرسة التي دارت في السبعينات ومطلع الثمانيات في كثير من المناطق اللبنانية بين المليشيات المسيحية والقوى اليسارية والإسلامية والفلسطينية أوقعت بينهم أشد المعارك وأبشع المجازر، كمجزرة تل الزعتر وغيرها.

ولكن الحق يقال فالفلسطينيين في صيدا لم يؤذوا أي مسيحي خلال فترة سيطرتهم، من الممكن ان تكون قد وقعت بعض الحوادث الفردية ولكن مسيحيي شرق صيدا بقوا في مناطقهم ولم يتعرض لهم احد، عاش مسيحيو شرق صيدا بأمان واطمئنان طيلة فترة الاحداث التي امتدت بين عامي 1975 و 1982.




من أرشيف الموقع

حدث في 4 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 4 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف تكون الفتاة جميلة؟

كيف تكون الفتاة جميلة؟