بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (69): فطيرة واحدة لا تكفي

حافظ ماضي  / خاص موقع بوابة صيدا

كادت معركة أن تقع في مجدليون لولا ان انسحب المقاتلون لعدم تكافؤ القوى، فالدبابات الإسرائيلية على الأرض والطائرات من الجو ولا مجال لفتح معركة سيكون ثمنها غاليا جدا على المقاتلين وعلى السكان والجوار، استمر الجميع بمراقبة الوضع من على الشرفة حتى تأكد خالي ان المسلحين ابتعدوا، فصعدنا مجدداً إلى بيته، بدأنا نشعر بجوٍ من الأمان والطمانينة، وأن الخطر قد بدأ يزول، فيما أصوات الطائرات والضربات لا تزال تتصاعد من أطراف المدينة، لا سيما في منطقة عين الحلوة وجوارها التي لا تبعد عنا كثيرا ولا يفصل بيننا وبينها سوى قريتان صغيرتان هما حارة صيدا وعين الدلب، أما قرية المية ومية فقد كانت مسرحاً للعمليات العسكرية بسبب وجود مخيم فلسطيني بجوارها.

شارفت الساعة على الواحدة ظهراً وحان وقت الغداء، كانت زوجة خالي قد أعدت بعض الفطائر المحشوة بنبات الزعتر الاخضر، هذا ما توفر لديهم، طحين وزعتر أخضر تم قطفه من الحقل المتاخم للمنزل، فقامت بعمل عجينة ووضعت فيها الزعتر وطهتها في الفرن ثم قامت بتوزيعها على الموجودين لكل واحد قطعة صغيرة، لم تكن كافية، لكنها كانت غنيمة لم نكن نحلم بتناولها في مثل هذه الظروف العصيبة.

بدأ الإحساس بالجوع يطل علينا من جديد بعدما شعرنا بالأمن والطمأنينة، لم نكن قد أكلنا منذ 48 ساعة، بدأت أشعر بالجوع بعدما فقدت ذلك الإحساس لأيام عدة، لم اكتفي بتلك القطعة من الفطير، فدخلت الى المطبخ ووقفت بجانب الطاولة التي عليها بقية الفطائر، وقفت أنظر إلى الخارج عبر النافذة وأمد يدي إلى صينية الفطائر خلسةً وأتناول بعضها دون ان يراني أحد، كنت اخطف الفطائر وآكلها وانا اضحك سراً لطرافة الموقف.

حل العصر وبدأ الوضع العسكري يهدأ شيئا فشيئا، مع عودة الهدوء بدأت الاحاديث الإجتماعية تعود إلى المجالس بعد ان خطفها الخوف، أذكر يومها ان الحديث كان يدور حول التقنية العسكرية الإسرائيلية، تدخلت وخضت مع بعض النسوة في الحديث وانا ابن ال 10 أعوام لأضيف لهم معلومة كنت قد اكتسبتها، فتدخلت قائلاً: " تحتوي الطائرات الإسرائيلية على اجهزة مراقبة وتصوير تستطيع التقاط صور السجائر المرمية على الارض وتكبيرها وتحديد نوع السيجارة " تفاجأت النسوة بجرأتي على اختراق حديثهن وابدائي لملاحظة مهمة بكل شجاعة، لكنهن سُرِرنَ بحديثي .

شارفت الشمس على الغروب اكتظ منزل خالي بالناس، كلهم من المعارف والأقارب،  اجتمع الجميع حول المذياع لمعرفة آخر المستجدات، فيما أخبار استسلام المقاتلين كانت ترد تباعاً من صيدا المدينة، أخبار رمي السلاح والفرار سيطرت على الاحاديث...

بدأ يسود جو من الطمانينة لدى سماع هذه الاخبار، حيث انها كانت تدل على قرب انتهاء المعارك وعودة الهدوء الى المدينة، لكن ما فاتنا آنذاك أن طعم الخسارة والإستسلام مُرّْ والأمَرّ منه كان مشاهدة جحافل الجنود الإسرائيليين ومعداتهم وآلياتهم ودباباتهم تدخل المدينة، لقد كان طعم الهزيمة مراً بل أمَرُّ من العلقم.

بدأنا أنا وإخوتي بالخروج إلى الشرفة بعد أن هدأت حدة الغارات والمعارك، وبينما نحن نراقب العمارات المقابلة التي اكتظت باللاجئين القادمين من صيدا، إذ بنا نلمح أولاد الجيران، لا أعرف لماذا تجاهلناهم وتجاهلونا لدقائق، من الممكن أن يكون هذا التجاهل نشأ من شعورٍ باطني برفض الرجوع إلى الوراء أي إلى فترة القصف العنيف الذي تعرضنا له، أو إلى رحلة الفرار المهينة التي خضناها سوياً، لكن سرعان ما أخبرت والدي بوجود الجيران في العمارة المقابلة لبيت خالي، فما كان من والدي إلا أن خرج ليلاقيهم.




من أرشيف الموقع

رسالة للشيخ أحمد الاسير

رسالة للشيخ أحمد الاسير

نحن.. وهم

نحن.. وهم

آخر وأهم ٥ دقائق من كل يوم

آخر وأهم ٥ دقائق من كل يوم