بوابة صيدا - لا يوجد صورة
أرشيف

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

بعد أن اجتزنا الحاجز الإسرائيلي الأول عند بناية البرج في عبرا، وصلنا إلى محاذاة سوبر ماركت البساط، كانت السوبر ماركت قد فتحت أبوابها واكتظت بالزبائن الذين تهافتوا لشراء المواد الغذائية والحاجات الضرورية، كانت السوبرماركت آنذاك، عام 1982، محلاً صغيرا على الشارع العام مقابل ال KFC الآن، توقف السائق قليلاً ليشتري بعض الحاجيات فنزل والدي معه واشترى بعض المواد الغذائية.

انطلقنا واتجهنا الى مقصدنا، وصلنا بعد رحلة ماراتونية، عادةً تأخذ الطريق من الهلالية الى مجدليون خمس دقائق، أذكر أن رحلتنا هذه استمرت طويلاً، لا أستطيع تقدير الوقت ولكنها طويلة بأحداثها ومشاهداتها، دون أخذ الوقت والمسافة بعين الإعتبار.

صعدنا إلى بيت خالي، كانت السلالم مظلمة، صعدنا نتلمس الجدران اذكر انني تعثرت أكثر من مرة وكسرت بعض زجاجات المرطبات التي كانت بحوزتنا، لم أهتم، كان همي الوحيد الوصول إلى مكان آمن نحتمي فيه.

امتلأ منزل خالي باللاجئين الهاربين من صيدا، معظمهم من الأقرباء والمعارف، كانوا يتوزعون في المنزل على شكل مجموعات في مختلف غرف المنزل، كلٌ على حسب معرفته وقرابته، كنا نحن الواصلون الجدد من صيدا فبطبيعة الحال دار الحديث عن ما حصل معنا وكيف بدأت رحلتنا من صيدا وصولاُ إلى هنا.

كان خالي وبعض الأقارب يقفون على الشرفة يراقبون تحرك الآليات العسكرية الإسرائيلية القادمة من جهة جزين نزولا الى صيدا.

لم يكن الفدائيون قد استسلموا كلهم بعد، بقيت بعض الفلول المنتشرة بشكل متبعثر والتي رفضت أن تستسلم لليهود، رفضت تلك المجموعات الصغيرة الهروب وترك المدينة، هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون الذين رفضوا  الإستسلام، فضَّلوا الموت على ساحات الجهاد والشهادة بدل الهروب، هؤلاء لا يستطيع الإنسان إلا أن يوجه لهم تحية إجلال وإكبار وان يدعُ الله أن يتقبل جهادهم ويتجاوز عن سيئاتهم.

كنا قد اعتقدنا اننا وصلنا الى بر الامان لكن سرعان ما سمعنا خالي ورفاقه يقولون ان مجموعة مسلحة تقترب من الدبابات الاسرائيلية، تنبه الإسرائيليون للأمر وبدأوا بملاحقتهم، دب الهلع مجدداً في قلوب الموجودين وسيطر علينا الخوف مرة اخرى، طلب خالي من الجميع النزول إلى الطبقات السفلية، كان سكان العمارة معظمهم من الأقارب...

رفض والدي حينها الدخول إلى اي منزل وكانه يقول: "كفانا انتقالاً من مكان الى آخر"، جلس حيث هو في مدخل العمارة رافضاً التحرك وطلب منا الجلوس، جلسنا بعض الوقت على السلالم، دخل اليأس إلى قلوبنا وبدأنا نشعر بالإشمئزاز والقرف من الحال الذي وصلنا اليه، منزلنا مدمر والموت يلاحقنا من مكان إلى آخر، حتى آخر بيت ممكن أن نلجأ اليه لم يعد آمناً بسبب المعركة التي ممكن ان تدور في الخارج، في الأحراج المحيطة بنا، لم نعد نسأل مالذي سيحصل لنا؟ بل بتنا نسأل الى متى سنظل ننتقل من مكان الى آخر باحثين عن الامان المفقود.

سرعان ما خرج عم والدتي، ووجدنا على هذا الحال فما كان منه إلا أن دعانا بإلحاح وإصرار للدخول الى منزله وعدم الجلوس خارجاً، فدخلنا وفرحنا لأن الله أرسل لنا من يهتم بأمرنا ويتعاطف معنا في مثل هذه الظروف القاهرة.


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

مقالات ذات صلة