بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (66): الإستسلام بالثياب الداخلية البيضاء

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

اكتظ طريق الهلالية عبرا العام بالسيارات، لكل امرئٍ منهم شأن يغنيه، بينما نحن كنا لا زلنا ننتظر، كان بعض المعارف والأصحاب يتوقفون قليلاً للإطمئنان، لكن سياراتهم كانت ممتلئة بالركاب، لا يوجد أماكن شاغرة، ونحن خمسة أفراد نحتاج إلى سيارة...

بدأنا نيأس، إلا من رحمة الله، سرعان ما توقفت سيارة امريكية الصنع كبيرة الحجم مستجيبة لندائنا، كان فيها رجل وزوجته وطفل رضيع، كان الرجل ينظر إلينا، أثرنا شفقته، فسألنا: " إلى أين؟" فصرخنا جميعاً إلى مجدليون، لم يكن الرجل ذاهباً إلى مجدليون، فتردد بادئ الأمر لكن زوجته قالت له: "مش مشكلة، منوصلهم"... تلطف بنا المولى  ورحمنا من تلك الوقفة.

صعدنا إلى السيارة دون ان نلتفت وراءنا، لم أعرف اذا كان جدي او خالي تابعا حركتنا حتى غادرنا، لم نكن نريد النظر إلى الوراء، فورائنا مناشير وتهديد ورعب وهلع وقصف ودمار لا نريد أن يتكرر من جديد.

كانت السيارة فخمة وواسعة، تعرفنا على السائق، كان من آل جلال الدين من صيدا، كان حزيناً والدموع في عينيه، سَألنا عن حالنا وما حصل لنا، فروينا له حكايتنا، وتطرقنا إلى بعض الأحداث والمشاهد التي رأيناها، فروى له والدي كيف شاهدنا بناية جاد تحترق والنار مستعرة في داخلها، هنا ساد جو من الصمت ولم يعد السائق يتكلم، فأخذت الزوجة دفة الحديث وقالت إنَّ عمة زوجي قد ماتت محترقة في بناية جاد، هنا سكتنا جميعاً وشعرنا بالذنب تجاه هذا الرجل الذي رضي بتوصيلنا وهو حزين ومصدوم على فراق عمته التي قضت احتراقاً.

عمة السائق كانت السيدة نفيسة جلال الدين إحدى المربيات الصيداويات الفاضلات وهي جزء من تاريخ صيدا التربوي.

في طريقنا إلى مجدليون صادف السائق رجلاً من معارفه على جانب الطريق فتوقف قليلاً ليتكلم معه، فقال الرجل للسائق لا تفعل خيراً في هذه اللحظات العصيبة، اذهب واختبئ في منزلك، كانت صراحته جارحة بالنسبة لنا لكن خوفنا جعلنا نتجاهل ما يقول، لم يعد أحد يجامل أحد، ما يجري كان أكبر من أن يستوعبه عقل إنسان.

في نفس الوقت الذي غادرنا فيه منزل جدي أي عند العاشرة والنصف تقريباً وصلت خالتي وعائلتها من صيدا، كان منزلهم بالقرب من ساحة النجمة بجوار القصر البلدي الذي تعرض للقصف والدمار.. بدأوا يشاهدون جنوداً غير الفدائيين ينتشرون في المدينة، هؤلاء الجنود هم عناصر (جيش الدفاع الإسرائيلي). كانوا يأمرون الناس بالتوجه إلى الشاطئ الجنوبي للمدينة، عند منطقة الفواخير قرب مدرسة الدوحة...

كانت مفاجأة صاعقة وخيبة مريرة بلقاء الجنود الإسرائيليين في مدينة صيدا غزاةً منتصرين، كانت الثورة الفلسطينية ترفع شعار تحرير فلسطين المحتلة ولكن بدلاً من التحرير كان السقوط في براثن الإحتلال وبدلاً من أن نلقى جنود (جيش الدفاع الإسرائيلي) قتلى وصرعى وأسرى في فلسطين التقينا بهم في صيدا غزاةً قاهرين، كانت احلامنا وامانينا ان ندمر كيانهم الصهيوني ونحرر فلسطين من قبضتهم، ونلتقي هناك، في فلسطين فاتحين، صباح ذلك اليوم كان عكس ذلك تماماً، هروب جبان للمنظمة ومسؤوليها وكوادرها ودخول سهل للجنود الإسرائيليين لينضم شعبنا إلى الشعوب العربية التي ترزح تحت وطاة الإحتلال الإسرائيلي.

قررت عائلة خالتي التوجه إلى منزل جدي، رفضوا أمر التوجه إلى شاطئ البحر، سمعوا عبر مكبرات الصوت الإسرائيلية أن على كل سيارة مدنية تسير في الشارع أن ترفع رايةً بيضاء تعبيراً عن الإستسلام للقوات الغازية، فبدأوا يبحثون في السيارة على أي خرقة بيضاء، ارتبكوا ودب الرعب في قلوبهم خاصة وأن دبابات الإحتلال لم تكن ترحم احداً، والسيارة التي لم تكن ترفع رايةً بيضاء كانت تُقصف أو تُدهس بالدبابات.

أصابهم حالٌ من الهلع، إلى أن قامت ابنة خالتي البالغة من العمر عشر سنوات بنزع القميص الداخلي لأخيها البالغ من العمر ثلاث سنوات، رفعتها عالياً من نافذة السيارة، ملوحةً بها لجنود الإحتلال.

كانت الزحمة خانقة والسيارات على ثلاثة خطوط وفي بعض الاماكن اربع خطوط متوازية، السيارات متراصة والصفوف متلاصقة والناس تتدلى من السيارات، أذكر يومها ان الجميع كان يصرخ، الجميع كان يريد أن تمشي السيارات بسرعة أكبر للإبتعاد قدر الإمكان عن المدينة.




من أرشيف الموقع

حدث في 8 كانون الثاني / يناير

حدث في 8 كانون الثاني / يناير

حدث في 27 شباط / فبراير

حدث في 27 شباط / فبراير

حدث في 16 تشرين الأول / أكتوبر

حدث في 16 تشرين الأول / أكتوبر

هباءة تتقاذفها الرياح الهوجاء

هباءة تتقاذفها الرياح الهوجاء