بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (62): شمع وكبريت ومعلبات

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

كان مساء الثلاثاء الواقع فيه 9 حزيران 1982 هادئ نسبيا في منطقة الهلالية، سيما أننا ابتعدنا عن خط النار، لم يعكر صفو تلك الليلة سوى الغارات والإنفجارات المتركزة في منطقة عين الحلوة ومحيطها وبعض القواعد العسكرية المنتشرة في أرجاء صيدا وبساتينها.

تلك الليلة رفضتُ أن أتناول الطعام مما أثار غضب والدي، كان والدي يستأنس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أمسى آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" أذكر يومها أنه قال لي بغضب وحزن وقلق: "عليك أن تأكل فأنا مضطر للنزول غداً إلى سهل الصباغ تحت القصف والرصاص لكي أُحضر المقتنيات الثمينة التي تركناها وأتفقد وضع البيت بعد الخراب الذي تعرض له..."

لا أدري يومها لماذا ربط بين وجوب أن أتناول الطعام وبين مخاطرته غداً بالنزول إلى بيتنا، أما الآن وبعد أن صرت أباً صرت أعرف لماذا ربط بين الأمرين... فهو يتحمل مسؤولية عائلة في ظل القصف والقهر وفقدان الأمان ويريد أن يطمئن أن الامور الحياتية البديهية تسير على ما يرام، وفي نفس الوقت يشعر بالذنب وتأنيب الضمير لانه ترك منزله مشرعا وترك ما فيه من مقتنيات ثمينة وأثاث وممتلكات.

لما وجد مني إصراراً، إحتار في أمره وشعر بإحباطٍ شديد ولكن سرعان ما انفرجت أساريره عندما سمع أن سوبرماركت قريبة من منزل جدي فتحت أبوابها، فذهب مسرعاً إلى هناك لشراء بعض الأغراض الأساسية.

كان المحل مكتظاً بالمشترين الذين تهافتوا لشراء الحاجيات فور سماعهم بالخبر، الكل يريد أن يشتري الأشياء اللازمة والضرورية، فالكل خائف من أن يستمر الوضع على حاله طويلاً.

بدأ الناس يتهافتون على شراء الشمع والكبريت والمياه المعدنية والعصائر والمعلبات والأطعمة السريعة التي لا تحتاج إلى طهي وكهرباء وخبز، سيما أن الغاز والخبز أصبحا مادتين نادرتين.

اشترى والدي بعض الشمع والكبريت والجبن والمعلبات والبسكوت والشوكولا والمحارم، وعندما همَّ لدفع ثمنها وقف في صف طويل ولما وصل دوره وجد البائع يزيد خمسة وعشرون قرشا (ما يعادل 500 ليرة) على كل صنف من تلقاء نفسه، انتبهت إحدى الموظفات الى أن السعر الحقيقي أقل بـ 25 قرش، لفتت نظر البائع، فنهرها أمام الجميع واستمر .

وصل والدي محملاً بالأغراض، وأخرج بعض ألواح البسكوت والشوكولا لتناولها بدل طعام العشاء، أصبح الموضوع أسهل بالنسبة لي كانت سهلة الإبتلاع وطيبة الطعم، شعر والدي براحة كبرى فقد أمسى آمناً في سربه معافاً ببدنه وعنده قوت يومه.

سبحان الله العظيم، تبدلت إهتمامات الناس بين ساعة وساعة وبين يوم وآخر، منذ أيامٍ قليلة كانت إهتمامات والدي مختلفة نهائياً، كان يفكر بتحضير رحلة سياحية الى إحدى الدول الأوروبية، وكان يفكر بشراء بيت جديد، أما الآن فلم يعد يفكر إلا بمكان آمن يأويه ويحميه، ولقمة يسد بها جوعه وجوع من يعول.

قبل أن يسدل الظلام ستاره نهائياً، بدأ الجيران بالنزول إلى بيت جدي الذي يقع في الطبقة الأرضية ويحيط به سور مرتفع، استأذنوا لتمضية الليلة معنا.

بدأ الجيران يأخذون أماكنهم في أماكن منفصلة كل عائلة على حدا، الكهرباء كانت مقطوعة كنا نستعين ببعض الشموع لنرى أمامنا، اكتظ بيت جدي بالناس، اجتمعنا على هدف واحد، طلب الامان..




من أرشيف الموقع

على ماذا يدل التّعرق الشديد؟

على ماذا يدل التّعرق الشديد؟