بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (61): الحزن على ما فات والخوف مما هو آت

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

شعرت والدتي بأمانٍ واستقرار نفسي كبير في بيت جدي، وارتسمت على وجهها علامات الرضى والراحة، جلست تُحَدِّثُ جدي عن أهوال ما رأيناه، أما والدي فكان متجهماً مذعوراً يفكر بما حصل وبما يمكن أن يحصل، تركنا بيتنا مدمراً، الأبواب والنوافذ كلها قد تخلعت والجدران تساقطت والحديقة تدمرت والنيران اشتعلت داخل المنزل. أستطيع الآن أن أتخيل كيف كان وضع والدي الجسدي والنفسي، كيف كانت تأخذه الافكار وتقلقه الهواجس.

خالي الذي كان يسكن في نفس العمارة التي يسكنها جدي نزل وعائلته للإطمئنان علينا، كنا مصدومين بحيث لم نكن ننطق بكلمة، لم يعد لدينا طاقة  للكلام، كنا نُسأل فنرد بشكل مقتضب مما أثار فضولهم أكثر فأكثر فصاروا يكثرون من الأسئلة ويخوضون في التفاصيل، فبدا الحديث وكأنه إستجواب من طرف يريد معرفة ما حصل بالتفصيل الممل وطرف لا طاقة له بالكلام ولا حتى التفكير بما جرى.

أذكر أن والدي لبث مضطرباً، كنت قلقاً عليه، فأماننا من أمانه واستقرارنا من استقراره، وقلقه يلبد جو العائلة.

استغرب خالي كيف تركنا البيت بكل محتوياته مفتوحاً مشرعاً، بدأ يصر على والدي بوجوب العودة الى المنزل لإحضار ما غلا ثمنه وخف حمله وعمل ما يلزم للحفاظ على ما تبقى من أثاث، طبعاً والدتي كانت من رأي أخيها، فالذي يتكلم أخوها وكلامه بالطبع صحيح ومقنع، غير آبهة بالمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها والدي أثناء نزوله إلى صيدا تحت وطأة القصف والغارات.

ساورتنا مشاعر متضاربة، هل أصبنا بتركنا المنزل والفرار من منطقة سهل الصباغ التي أُطلق عليها لاحقا منطقة "خط النار"... هل كان يتوجب علينا البقاء في المنزل لحراسة الأثاث والمحتويات مخاطرين بأرواحنا؟ فما كان قبل القصف لم يعد كما كان بعده، كان من الصعوبة بمكان البقاء في منزل دُمِّرَ وتعرض للخراب والدمار، كما  أنَّ المنطقة بأسرها معرضة للقصف في أي لحظة، فما الفائدة من حراسة المنزل والبقاء فيه ولم نعد نستطيع أن نحمي أنفسنا.

في مثل هذه الأوقات العصيبة لا تستطيع أن تُقدِّر مدى صوابية ما قمت به، لأن الاحداث تسير عكس المنطق والصواب، نحن كنا نقاوم من أجل البقاء، نفر من القصف والدمار، فلا تستطيع أن تلوم الهارب من الموت وتطلب منه أن يُقَدَّر الأمور لأنك لست مكانه.

في صيدا المدينة ومنطقة عين الحلوة استمر القتال بشكل عنيف وإن كان من طرف واحد يقصف ويدمر، نحن  صرنا بعيدين نسبيا عن منطقة المعارك، الخوف من الموت خفَّ نسبياً، حلَّ مكانه القلق على الأهل والأقارب، خاصة القاطنين في دائرة القصف والغارات، بتنا نتساءل عن حالهم وماذا حلَّ بهم، خصوصا وأن الكثير من أقاربنا كانوا في دائرة الخطر.....

بدأ يسيطر علينا جميعا الخوف مما هو آت وما يمكن أن تصل اليه الامور. الإسرائيليون باتوا قاب قوسين أو أدنى من دخول مدينة صيدا، فقد سقطت مدينة صور بما فيه الخط الساحلي الممتد إلى صيدا والجيش الإسرائيلي بات يحكم الطوق علينا بعد القيام بعدد من الإنزالات العسكرية على المرتفعات محاصرين المدينة من مختلف الاتجاهات.... بات السؤال الآن هل ستستسلم البقية المقاتلة من الفدائيين ويوفروا على البلاد والعباد دماراً لا مفر منه، فالإسرائيليين أظهروا هذه المرة وحشية في القصف والتدمير، لم يعد الطيران المغير يميز بين مدني وعسكري، لقد أنذروا المدنيين بالخروج من صيدا وهددوا بقصف أي مكان تنطلق منه النيران، وبالفعل هذا ما حصل ونفذوا ما هددوا به.

شارفت الشمس على المغيب، والدي لا يعرف الجلوس في مكانٍ واحد لأكثر من 5 دقائق، كان قلقاً جداً، يتنقل من مكان الى آخر بتوتر واضح... بُعيد الساعة السابعة والنصف مساءً ومع اقتراب موعد تناول العشاء قامت والدتي بعمل شطائر لتناولها، أذكر أنني حاولت مجدداً أن آكُل وأجبرت نفسي هذه المرة ولكن للأسف شعرت بالغثيان وكدت أن أُفرغ ما في معدتي الخاوية، فتركت الشطيرة جانباً.




من أرشيف الموقع

مسجد القدس

مسجد القدس

حدث في 19 ايار / مايو  

حدث في 19 ايار / مايو  

هيك وصلتني.. وأخواتها

هيك وصلتني.. وأخواتها

كذبت يامسيلمة

كذبت يامسيلمة

اللهم انتقم من أخي....!!!!

اللهم انتقم من أخي....!!!!