بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (60): رأينا نجوم الظهر

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

خرجنا من المنزل الذي أوينا إليه عند العاشرة والنصف تقريباً، انطلقنا جرياً بمحاذاة مستشفى إيليا، كانت  حينها (1982) طريقاً ضيقاٌ تحيط بها البساتين عن اليمين واليسار، لم يكن الأوتوستراد الشرقي قد أبصر النور بعد، وصلنا إلى بناية على يسار  طريق جزين لا تزال حتى الساعة بجانب لو مول، وجدنا سكانها يقفون على بابها وقد ارتسمت على وجوههم علامات الخوف والحزن والتساؤل، سألونا ماذا حدث لكم؟ فأخبرناهم، فازدادوا خوفاً وحزناً ...

استمرينا بالجري حتى وصلنا الى أول القناية عند مدخل حي البعاصيري، حيث وجدنا بناية جاد تحترق والنيران تستعر بداخلها وكأنها محرقة، صوت النار في داخلها كأنه رعد متواصل، كانت النار تأكل كل شيء حتى الحديد، هناك شاهدنا رجلا يقف على الرصيف المواجه للبناية المحترقة، كان يتأمل الحريق باستسلام، لما اقتربنا منه قال لوالدي ببرودة شديدة واستسلام، مشيراً إلى إحدى طبقات البناية قائلاً: "هذا، بيتي الذي يحترق"....

البناية الملاصقة لبناية جاد لجهة حي البعاصيري كانت مدمرة بالكامل، الأسقف تساقطت بعضها فوق بعض، لم يعد لها معالم أصبحت كتلة اسمنتية مدمرة، استوقفني هذا المنظر المهول تأملته وأنا أجري، لم أتوقف عن الجري ولكن أمعنت بالنظر، لأول مرة أرى هذا الدمار والخراب والحريق.... كنت ألبس حذاءً رياضياً مخصصاً للجري، كنت أجري بانثياب، حدثتني نفسي: " حسناً فعلت، لقد أحسنت صنعا بارتدائك هذا الحذاء ذاك الصباح...!!!". كنا طوال الطريق نتعثر بفوارغ الرصاص والقذائف ومضادات الطائرات المنتشرة بشكل عشوائي، كانت أشعة الشمس تنعكس منها وكأنها نجوم الظهر، بالفعل ماحدث جعلنا نرى نجوم الظهر.

وصلنا الى ساحة القناية، كانت ساحة لم يكن هنا وجود للدوار، كانت ميداناً عسكرياً يعج بالمقاتلين والآليات، المقاتلون مدججون بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، زدنا من سرعتنا حتى نبتعد عنهم، خفنا أن يقصفهم الطيران ونحن بجانبهم.

أخذنا طريق قياعة الوسطى لوجود الأبنية السكنية فاحتمينا بها، وجدنا جمهرة من الناس يقفون عند مداخل العمارات، انهالوا علينا بالأسئلة: " ماذا حدث معكم كيف الأوضاع بصيدا" بدوا خائفين لا يعلمون ما الذي ينتظرهم.

كانت المنطقة التي يسكنها جدي منطقة هادئة ساكنة لا يوجد فيها مقاتلون وآليات عسكرية، الجو العام كان مرعباً ولكن المنطقة هادئة نسبياً، دخلنا الى بيت جدي ولم نصدق أننا وصلنا ولم يصبنا أي مكروه، كان جدي يجلس في مكانه المعتاد يدخن النرجيلة، استقبلنا بضحكة رجل كبير سره أن رأى ابنته وأحفاده في مثل هذه الظروف، ظللت لفترة من الزمن أذكر هذه القصة وأتندر بها، وأقول في ظل الإجتياح والموت كان جدي يدخن النرجيلة ويضحك وكأن شيئا لم يكن.

كانت الساعة قد شارفت على الحادية عشر ظهراً، كان فمي ناشفاً وحلقي يؤلمني ولا أستطيع ابتلاع ريقي، طعم الأتربة والغبار مازال في فمي ورائحة القصف والدمار والمضادات مستقرة في رأسي، عندما وصلنا توقفت قدماي عن الركض ولكن لم يتوقف قلبي عن الجري ولم تهدأ روحي وتستقر، شعرت وكأنني لازلت أجري وأنني لم أصل إلى حيث يجب أن نصل، فما زال صوت الطائرات يهدر، والإنفجارت تدوي والرصاص يزغرد..

كان والدي يمسك بأيدينا بشدة وكأنه يخاف ان نفلت من بين يديه، قال لجدي بلهجة غاضبة مكسورة حزينة : "راح البيت، لقد نجونا من الموت باعجوبة"!!... تفاجأ جدي وارتسمت على وجهه علامات الذهول والحزن والخوف، قام وسقانا بعضا من الماء من إبريق زجاجي، لم أستطع حتى أن أبتلع الماء، أذكر أنني رشفت رشفة واحدة.

كان جدي قد تعود على تناول طعام الغداء عند الثانية عشرة ظهراً، فقام بتسخين بعض الأرز والفاصوليا، حاولت جاهداً أن آكل، فابتلعت لقمتين أو ثلاثة رغماً عني، أقنعت نفسي بوجوب تناول بعض الطعام لنستمر على قيد الحياة حيث لا ندري ما الذي ينتظرنا.




من أرشيف الموقع

هل يصح في فضل معاوية حديث؟ 1 / 3

هل يصح في فضل معاوية حديث؟ 1 / 3

زاوية الشيخ محمود الكبي الرفاعية

زاوية الشيخ محمود الكبي الرفاعية

هولاكو المجوس عاد من جديد

هولاكو المجوس عاد من جديد

محمد والملك.. وثالثهما الوزير

محمد والملك.. وثالثهما الوزير