بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (59): عربة المضاد لا تزال منتصبة

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

في خضم هذا المشهد السريالي (فوق الواقع) انطلقنا نحو الهلالية، لحق بنا بعض الجيران، كان بعضهم حفاة، أذكر ذلك جيدا، كانت عربة المضاد لا تزال منتصبة وسط مفترق طريق دلاعة سهل الصباغ، كانت وحيدة، تركها رجالها وفروا.

انطلقنا وكنا ستة أطفال وامرأتان ورجل، ما إن وصلنا  إلى محاذاة أحد المكاتب الحزبية حيث كانت مجموعة من المسلحين مختبئة، حتى التحقوا بنا  ليحتموا من القصف، أذكر أنني نظرت إليهم وانا أقول في نفسي: "ألا يكفيكم ما حل بنا بسببكم؟  ابتعدوا عنا".

كنت أخشى أن يقصفنا الطيران مجدداً، بدأت إحدى النساء بالصراخ على المسلحين: " حِلوا عنا، اتركونا وشأننا " كانت تلعنهم وتدعو عليهم...! أما هم فكانوا خائفين أكثر منا، كانوا يبحثون عن الأمان بيننا.

سلكنا الطريق الذي يسمى الآن بشارع ناتاشا سعد باتجاه الست نفيسة، عند فرن الست نفيسة (سابقا) وجد الجيران معارف لهم، توقفوا عندهم، استمرينا نحن بالجري يرافقنا المسلحين كانوا مذعورين يلهثون، يركضون هربا من الموت بدا عليه الخوف والهلع، وصلنا الى مفرق بناية المصباح عند نهاية طريق الست نفيسة فوجدنا آلية عسكرية للفلسطينيين ترابض هناك بالقرب من مركز للأنروا عند مفرق الجبيلي سابقاً بالقرب من محطة العلايلي فاتجهنا يميناً لنأخذ طريق الهلالية.

على بعد امتار من محطة العلايلي التقينا بأحد النقابيين المعروفين في صيدا واقفاً على باب أحد الأبنية فاستوقفنا سائلاً عن حالنا، لما علم ما حصل معنا أبى إلا أن ندخل إلى أحد البيوت السفلية التي كان هو في ضيافتها حيث احتمى فيها عدد من الناس، كان صاحب المنزل صديقاً لوالدي فألح علينا بالدخول للإحتماء ولنيل قسطاً من الراحة قبل متابعة الطريق نحو بيت جدي.

كانت الساعة قد شارفت على السابعة والنصف صباحاً، قامت زوجة صاحب المنزل بتحضير بعض الشطائر لي ولإخوتي ولكننا لم نتمكن من أكلها، فطعم التراب والغبار والدمار والموت لا يزال في أفواهنا، أصرت علينا فأخذت الشطيرة وقضمت منها قضمة لم أستطع أن أبتلعها، فتركتها جانباُ...

دخلنا عليهم والرعب والذهول على وجوهنا حاملين معنا آثار الويلات التي رأيناها، فبدأوا يسألوننا عن ما جرى معنا وعن حال ما تركنا، كانوا كُثُر، لم أعد أذكرهم جيداً، كان المنزل في الطبقة السفلية للبناية، الغرفة التي مكثنا فيها كانت غرفة داخلية تحيط بها الغرف من كل جانب، كان الوقت يمر ببطء، حتى شككت أن الزمن قد توقف، هل تستطيع أن تتصور ما معنى أن يشعر الإنسان أن الوقت قد توقف، أذكر أن ساعة قديمة كانت على حائط الغرفة، ساعة من الساعات الخشبية القديمة التي تعمل بإعادة التعبئة اليدوية ولها رقَاص وتدق كل نصف ساعة، كنت أراقبها طوال فترة بقائنا هناك، عقاربها أصابها الوهن، كانت تتقدم بشق الأنفس، كانت الدقيقة بساعة والساعة بيوم.

كانت الأحاديث تدور حول آخر المستجدات، أخبار عن غارات وقصف ودمار، مناطق كثيرة أصابها الدمار، كان الجميع يتابع تحرك الجيش الإسرائيلي ومدى اقترابه من صيدا عبر الردايو والاخبار المتواترة.. اصبح الإسرائيليون قريبين جداً من فرض سيطرتهم النهائية على صيدا.

كنا أنا وإخوتي لا زلنا تحت تاثير الصدمة، علامات الخوف والذهول على وجوهنا، بدأ الحاضرون يلاطفوننا ويمازحوننا لتخفيف وطأة الخوف عنا.

أذكر أن سيدة مسنة كانت غير مبالية بما يحصل متماسكة غير خائفة تتحدث وتمزح، بدأت تتذكر الحروب الماضية، الحرب العالمية الثانية فقد عاصرتها جيدا، وقد كان لصيدا نصيبا من تلك الحرب.

بدأت أشعر بالنعاس لم ننم جيدا طيلة الثماني والأربعين الساعة الماضية، كنت جالساً على كنبة أتكأ عليها، أذكر أنني كنت أراقب جيدا عقارب الساعة، مرة من المرات كانت الساعة حوالي العاشرة صباحاً فغفوت ولما استيقظت أحسست وكأنني نمت ساعات طويلة ولكن ما إن نظرت إلى الساعة حتى وجدتها العاشرة والخمس دقائق، كانت عقارب الساعة لا تتحرك....

استمريت أنام وأصحو إلى أن أشفق عليَّ أحد الحاضرين  فطلب مني أن أدخل إلى أحد الغرف لأستلقِ، رفضت في البدء ولكن تحت ضغط الإصرار تقبلت الفكرة وهممت بالقيام، عندها ثارت ثائرة والدتي، لم نعرف السبب، أرادت الخروج من المنزل حالاً، بدأ الجميع يُهدِّؤون من روعها ويحذرونها من مخاطر الخروج: " كيف ستخرجين تحت هذا الوابل من القصف العنيف؟"

قال أحدهم: " إنتظروا قليلا حتى يهدأ القصف وسأوصلكم بسيارتي"  كان إصرار والدتي كبيراً جداً بحيث لم يعد أحد يستطع ثنيها عن الخروج، أصرَّت لم تبالِ، كانت تشعر أن بيت والدها سيكون أكثر أماناً.




من أرشيف الموقع

أربع قُبلات وخمس لمسات..

أربع قُبلات وخمس لمسات..

شارع الجمرك

شارع الجمرك

الجبلان " أجا وسلمى"

الجبلان " أجا وسلمى"

عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ

عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ

ما علاقة العظام بالذاكرة؟

ما علاقة العظام بالذاكرة؟