خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
أرشيف

بوابة صيدا - الحلقة (58): هرج ومرج ودمار غير معالم المنطقة

إعلانات

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

في خضم الهرج والمرج والهروب من الموت، بتنا نسمع صيحات وتعليقات: " هذا المكان ليس آمناً وعلينا المغادرة"، " اتجهوا يمنة... يسرى... إلى الأسفل...!!!" صراخ، استغاثة،  بكاء، عويل، خوف، رعب وجوم، وتحليلات سخيفة في غير محلها، وكأن هذا المشهد يشبه يوم الحشر، الناس يركضون ويهربون مما هو مقدر ومكتوب.

هذا المشهد المهول والتأرجح يمنة ويسرى والهروب العشوائي وحالة الضياع التي أصابت الناس، أثار هذا المشهد عصبية والدي ولم يعد يتحمل البقاء، بتنا نتأرجح بين الأمكنة والأمان المفقود والتحليلات العفوية الخائفة الهاربة من الموت، والصواريخ تنهمر علينا،  أمسك أبي بأيدينا وركض باتجاه الساحة الخارجية، وهناك شاهدنا ما لم نكن نستطيع تحمله، الأرض مغطاة بطبقة سميكة من التراب الزراعي الأسود، كتل متجمعة متلبدة، السيارت تضررت وتكسر زجاجها وغطى سطحها التراب والردم، عواميد الكهرباء تساقطت وتقطعت أسلاكها وقطعت الطريق بشكل عشوائي مخيف وكأنك ترى فيلما أميركيا عن نهاية العالم، بدأنا نقفز من فوق الأعمدة والأسلاك حتى وصلنا إلى الشارع العام، سمعنا أحد الجيران ينادي على والدي صائحاً: " إلى أين؟ ارجع... خروجك هكذا خطر عليك وعلى اولادك" لم يستجب والدي لندائه واكتفى بالتلويح بيده موحياً له بنفاذ صبره.

وجدنا عند الشارع العام رجالاً من الكفاح المسلح يهرعون هرباً من مقرهم، كان أحدهم مصاباً في قدمه، اذكر انني رأيت قدمه مبتورة يتدلى منها اللحم والدم، كان مقرهم قد أُصيب بإصابات مباشرة، فرُّوا تاركين من فيه، كان المقر يضم سجنا عسكرياً، تركوا ورائهم السجناء يصرخون ويستغيثون.

هذا السجن سرعان ما غمرته  المياه الآسنة نتيجة انفجار قساطل مياه المجاري، وقضى السجناء غرقاً واختناقاً، سجانوهم فروا دون أن يفتحوا لهم أبواب السجن، نسوهم أو تناسوهم فالذي حصل يُنسي الإنسان إسمه...

وقفنا عند الشارع العام، كانت وجهتنا إلى بيت جدي لأمي الكائن في الهلالية طريق جزين، كنا ودون أن نتفق قد عقدنا النية أن نتجه إلى هناك، كانت منطقة شرق صيدا (الهلالية عبرا مجدليون) المنطقة الأكثر أماناً، كان يسكنها أقلية مسيحية وعدد لا بأس به من الصيداويين الميسوري الحال، فهي منطقة سكنية بامتياز خاليه من أي وجود عسكري فلسطيني. أما بيت جدي لأبي كان في منطقة عين الحلوة القريبة من المخيم مما منعنا من مجرد التفكير بالذهاب إلى هناك ولو للحظة، فالتفتنا الى اليمين، (جنوب شرق) لنأخذ الطريق المعتاد فوجدنا بركاناً من اللهب يشتعل .

تغيرت معالم المنطقة رأساً على عقب، فمن الصاروخ الأول الى الآظانات التي استهدفت البساتين، إلى الإصابات المباشرة التي أصابت مكاتب الكفاح المسلح، أصبح من الصعوبة أن نتعرف على منطقتنا التي نشأنا وترعرعنا فيها.

كان من الصعب ان نتصور أن تتغير جغرافيا المنطقة بكاملها بلحظات وأن تتغير معالم منطقة تجسد بالنسبة لنا ذاكرة الطفولة والنشأة الأولى، فتَّحنا أعيننا عليها وعشنا على تخومها وفي ساحاتها وبساتينها ولعبنا على أرضها وقطفنا من ثمار بساتينها وسبحنا في سواقي الري وتمرغنا بترابها، أن تتبدل بلحظات تبديلا مدمرا لا يستطيع ان يتحمله العقل...!!! لم يعد لهذه المنطقة معالم فأصبحت معالمها الخراب والدمار والحجارة والأتربة المتناثرة وألسنة اللهب المتصاعدة ودماء الأبرياء.

سؤال جال في خاطري ولا يزال، من أعطى الإذن لهذا العدو الغاشم بتغيير معالم ساحاتنا وحارتنا وبساتيننا وذكرياتنا؟

من مكَّن هذا العدو منا ومن أرضنا وعرضنا وكرامتنا؟

من سمح له بالإستخفاف بنا واستصغارنا؟

لا أجد إلا إجابة وحيدة: " لما ابتعدنا عن ديننا الحنيف، سبب قوتنا وعزتنا ومناعتنا، وجرينا وراء الماديات واللهو والملذات وحب الدنيا ونسيان الآخرة، وتمسكنا بشعارات وعقائد باطلة أضعفنتا وأفقدتنا هيبتنا وسط الأمم التي تكالبت علينا ولم تعد تقيم لنا وزناً ولا قيمةً ولا اعتبار".


للراغبين في الإعلان في موقع بوابة صيدا يرجى التواصل على الرقم 03928409


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة