خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
أرشيف

بقلم حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

لما هممنا بالخروج من المنزل، كان أمامنا خيارين، إما النزول إلى الملجأ الغير صالح أصلاً للإيواء، وقد بدأ الكثيرون مرغمين بالنزول إليه، وإما أن نغادر المبنى، ما إن وصلنا إلى مدخل البناية أي إلى محاذاة باب الملجأ قام الطيران وللمرة الثانية وفي غضون دقائق معدودة بتوجيه ضربته الثانية، صاروخ شعرنا وكأنه سقط علينا مباشرة، لم نر إلا أطنانا من الأتربة والحجارة تتساقط أمامنا، على بعد حوالي 30سنتم منا، بدأ الصراخ يعلو والنسوة تصيح والأولاد يبكون، الصاروخ سقط على مقدمة العمارة من أعلى، فوق مدخل البناية مباشرة، إستمر انهمار الأتربة والأعمدة والجدران من الطوابق العليا لأكثر من نصف دقيقة، حاولت خلالها حبس أنفاسي وعدم التقاط الغبار والأتربة المتناثرة ولكن رغما عني ابتلعت بعضها.

لحظات وكانت الضربة الثالثة، الضربة القاضية، "آظان" (صاروخ كبير بمصطلحاتنا أيام الحرب، بحجم آظان تسخين المياه، يحدث عند انفجاره حفرة بعمق 7 أمتار ) سقط في البستان الملاصق لمكان سقوط الصاروخ الاول، احدث دماراً هائلاً، دمر الحديقة وشرفة المنزل بالكامل وتصدعت الجدران المطلة على الحديقة وتكسرت كل الأبواب والنوافذ، وانقلبت سياراتان كانتا متوقفتين عند حدود الحديقة، إحداها انقلبت محترقة مخترقةً غرفة نوم والديَّ حيث كان والديَّ منذ دقائق معدودة يستلقيان، والسيارة الثانية سقطت على الشرفة.

قرر الطيران الإسرائيلي قصف منطقة سهل الصباغ وتمشيطها بالكامل، وذلك بسبب تواجد مقر الكفاح المسلح الفلسطيني في البناء المجاور (بناية جاد سهل الصباغ) كما يوجد مقار لأحزاب عديدة منها البعث السوري في شارع ناتاشا سعد(حالياً) حيث كانت المضادات أرضية تطلق أعيرتها من مفترق طرق شارع دلاعة ناتاشا سعد ساحة القدس(حاليا).

سهل الصباغ منطقة تكثر فيها بساتين الحمضيات والأكي دنيا، والفدائيون اعتادوا إقامة قواعد لهم داخل البساتين المتداخلة الأشجار، لذلك شن الطيران الإسرائيلي الغارات الأعنف وضرب المنطقة بعدد من الصواريخ المباشرة وقصف البساتين بالآظانات المدمرة لمنع الفدائيين من التمركز بداخلها، الطيران المعادي مشَّط المنطقة والبساتين بالكامل.

تطايرت أطنان من الأتربة الزراعية السوداء من الحفر التي أحدثها إنفجار الآظانات، تناثرت كتل سوداء من التراب الملبد على أرجاء الشوارع والزواريب المحيطة بمنزلنا، بلغ عمق كل حفرة أكثر من سبعة أمتار وقطرها حوالي العشرة أمتار، هذا التراب الأسود انتشر على قطر خمسمائة متر وغطى الشوارع والسيارات والجدران.

مرت تلك الدقيقة بصعوبة، هممنا بالخروج فوجدنا الناس يتجهون الى البناية المقابلة، أناسٌ كثر من العمارات والأحياء المجاورة، أتوا ناحيتنا، لا أعلم لماذا اعتقدوا أن منطقتنا أكثر أمناً؟ ركضنا باتجاه العمارة المقابلة مع الناس كالسكارى وما نحن بسكارى ولكنه كان مشهداً يشبه يوم الحشر، الناس يتجمعون ويتجهون إلى حيث يعتقدون أنه مكان آمن، سمعنا أحدهم يصيح: " منزل أبو أسامة آأمن شي!" ووافقه الكثيرون... كان منزل أبو أسامة مظللاً بعمارتين، بين العماراتين خمسة أمتار هي المسافة الكاشفة للمنزل... سبحان الله العظيم هذا المنزل الذي قيل أنه أكثر أماناً تعرض في اليوم التالي لقصف صاروخي موجه، مرَّ الصاروخ من بين العمارتين، أي من مسافة الخمسة أمتار الفاصلة بين العمارتين التي تظللان المنزل، واخترقته  ودمرته تدميراً كاملاً....


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة