بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (56): حالة من الهلع والفوضى والضياع

بقلم حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

 بعيد تلقينا الضربة الأولى، لجأ سكان الأبنية المجاورة إلى عمارتنا ظناً منهم أنها أكثر أماناً، بلال أحد ساكني البناء المجاور وقف أمام باب البيت حيث كنا نختبأ وراءه، لحظات قليلة وسقط أول صاروخ على حائط الحديقة، يا الله...!!!

كم هي لحظة مفصلية في حياتي، لا أستطيع أن أصفها، بعد سقوط ذلك الصاروخ بدأت مرحلة جديدة من حياتنا غيرت معالم كل شيئ، غيرت معالم التاريخ الجفرافيا الديموغرافيا والأيدولوجيا، سقطت منظومات وطغت أخرى وبدأ آخرون بالنمو.

عند سقوط الصاروخ الأول توقفت حواسي عن العمل، فلثوانٍ قليلة لم أعد أرى ولا أسمع، رأيت العدم، نعم رأيت العدم، أي انفصل بصري وسمعي ووعيي عن الواقع وصرت كالذي دخل في غيبوبة، رأيت شيئاً يلمع في العدم كالكهرباء، لم أسمع الإنفجار الحقيقي للصاروخ بل شعرت بحاجز صوتي وفاصل لا أستطيع وصفه الا بهذه الكلمات التي من الممكن أن لا تكون ذات معنى ولكن هذا ما شعرت به...!!!.

حاول بلال الواقف على الباب الدخول إلى المنزل ولكن تفاجأ بنا ونحن نهم بالخروج فالصاروخ انفجر على بعد امتار قليلة منا، وقفنا في مدخل العمارة حائرين، بدأ سكان الطوابق العليا بالنزول، صاحب العمارة المُسَّنُ حمل كرسيه الخشبي وأنزله معه لكي يجلس عليه، هرع الناس من العمارات الأُخرى إلى بنايتنا ظناً منهم أنها المكان الأكثر أماناً، ولا أدري لماذا ظنوا ذلك.

دخل الجيران إلى البيت الملاصق لبيتنا، لم يفكروا بالدخول إلينا لأن بيتنا كان الأقرب من مكان الإنفجار, دخلوا  بأعداد كبيرة إلى منزل الجيران مما دفع بجارنا للصراخ خوفاً حيث دخل عدد كبير من الناس، كان ابنه قد أصيب للتو في رأسه جراء تناثر الزجاج وكانت الدماء تسيل على وجهه، فطلب من الناس النزول الى الملجأ.

الرجل كان غاضباً ومتأثراً بإصابة إبنه. سادت حالة من الهلع والفوضى والضياع, بدأ الناس يدورون حول أنفسهم, لم يعد أحد يعلم ماذا يجب أن يفعل، الكل بدأ يفر من الموت، من الإصابة، من القصف، من الصواريخ، ولكن إلى أين؟

معظم الجيران القاطنين في المباني المجاورة المكتظة والمتداخلة تركوا منازلهم واتجهوا نحو عمارتنا ظناً منهم أنها اكثر أماناً، ولكن سبحان الله، فتلك العمارة التي ظنَّ الناس انها الأكثر أماناً كانت أكثر العمارات تضرراً ودماراً واستهدافاً...

في تلك اللحظات الحرجة نزلت جارتنا من الطابق الثاني تحمل ابنتها البالغة من العمر 3 سنوات مضرجة بدمائها نتيجة إصابتها بالزجاج المتطاير جراء الإنفجار، سيطرت عليَّ حالة من الضياع لم أعد أعي ماذا أفعل؟ أتقدم إلى الأمام أرجع إلى الوراء، أنزل إلى الملجأ، أعود إلى البيت؟ بت ضائعاً تائها...

في النهاية حسمت أمري، لا أدري لماذا قررت لا إرادياً العودة إلى البيت، فوجدت أبي يصرخ: " الله أكبر، ألله اكبر" وقد خرج من غرفة النوم وهو يرتدي ملابسه، نعم كان نصف عاري، خرج ليحضر القطن والمطهر لبنت الجيران التي أُصيبت، كانت والدتها تبكي وتصرخ.

أعجبتني شهامته واستغربت اهتمامه بالأخرين وهو نصف عار، بينما أنا كنت أريد منه أن يسرع في ارتداء ملابسه لنكون مستعدين للخروج في حال اشتد القصف أكثر من ذلك...

عند دخولي إلى المنزل كنت أسير على مهل، بصري زائغ كالمنوم مغناطيسيا، كنت أتلفت يمنة ويسرى، رأيت الأبواب والنوافذ وقد تخلعت وسقطت من مكانها، فمنها ما سقط على الأرض ومنها على الكنبات.

ذهلت لهذا المنظر لم أعتقد أنه سيأتي يوم أرى فيه منزلنا يتعرض للأذى، كنت أسير كالمُخَدَّر، خرج والدي بعد أن انتهى من ارتداء ملابسه ووضع المغلف الذي يحتوي على المال والهويات في جيبه وهممنا بالخروج..




من أرشيف الموقع

حدث في 11 آذار / مارس

حدث في 11 آذار / مارس

كنيسة اليسوعيين (اللاَّتين)

كنيسة اليسوعيين (اللاَّتين)

الفيديراليّة على نارٍ هادئة

الفيديراليّة على نارٍ هادئة

مواقف من التاريخ 

مواقف من التاريخ 

اللبنانيون «أمّة» مطلّقة!

اللبنانيون «أمّة» مطلّقة!