بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (53): إنها مظلات هوائية يتدلى منها جنود اسرائيليون

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

بينما كنا ننظر الى السماء, شاهدنا فجأة أجساماً غريبة تنزل علينا من السماء, لم تكن واضحة المعالم في البدء, لكنها سرعان ما بدأت تقترب, فتبين لنا أنها مظلات هوائية يتدلى منها جنود اسرائيليون, فبدأنا نصرخ :"إنزال.!إنه إنزال عسكري!" فركض بعض المسلحين بلباس مدني نحونا وبدأوا يطلقون النار من أسلحة رشاشة  من أمامنا باتجاه المظلات التي سرعان ما اقتربت وتبين لنا أن ما يتدلى منها كان قنابل دخانية على شكل عصي طويلة ورفيعة.

خُيِلَ إلينا عن بُعد أنَّ ما يتدلى من المظلات جنود مظليين يستعدون للإنزال في الحي, لكن سرعان ما بدأت تلك القنابل تتساقط يميناً وشمالاً وبدأ الناس يقولون أنه إنزال وهمي هدفه تخويف الناس ودفعهم إلى المغادرة وإفهامهم أن التهديد عبر المناشير ليس مزحة. بدأت تسري إشاعات بأن هذا الدخان الصادر هو  عبارة عن غازات سامة ومنهم من قال إنه غاز مخدر وله تأثير كبير على الأطفال... حينها شعرت بالنعاس! إما متائراً من الكلام وإما فعلاً بسبب الدخان...

أسدل الليل ظلامه وتوارى الناس عن الأنظار, دخلوا إلى بيوتهم,  عاد الهدوء إلى الأجواء, كعادته الجيش الإسرائيلي كان يأخذ قسطاً من الراحة عند حلول الظلام... وحتى منتصف الليل تقريبا! لم أعد أذكر في تلك الليلة هل تناولنا طعام العشاء أم لا وعلى الأغلب لم نأكل شيئاً, فالخوف كان أكبر تأثيراً من الجوع, الظلام دامس, شمعة أو شمعتان تضيئان المكان الذي نختبئ فيه.

اللحظات تمر وكأنها أيام, الدقيقة بساعة والخمس دقائق بأربع ساعات والساعة كأنها دهر, كنا نجلس وراء باب المنزل مباشرةً وكذلك جيراننا في البيت الملاصق, نحن نعلم بوجودهم وهم يعلمون بوجودنا, , كنا كمن يلعب لعبة الغميضة, نختبئ ولا نريد أن يرانا احد ولا أن نرى أحد, لم نكن نتكلم, فلم يكن هناك حديثاً لنحكيه ولا كلمات نتفوه بها ولا قصصاً نرويها  فالوضع يحكي عن نفسه والخوف يتحدث عن خطورة الموقف والسكون يشرح عن الخوف من المجهول والعتمة تظلل الغيب الذي نترقبه.

استمر الوضع هادئا حتى منتصف الليل, عاودت الطائرات غاراتها والزوارق البحرية بدأت بالقصف والمدافع الميدانية تفعل فعلها, كانت صيدا محاصرة بل مخنوقة من كل المنافذ والمرتفعات المشرفة عليها, استمر الحال على ما هو عليه, قصف بحري وبري وجوي وحصار خانق, بدأ الخوف يشتد,الرعب يتعاظم, الرهبة تسيطر, تغير كل شيء من حولنا, لم نعد نشعر بالجوع ولا حتى بالعطش, اللعاب جف في حلوقنا, لم نعد نطلب ما كنا نصر عليه عادةً, بدأنا نتخلى عنه, بل صرنا نتخلى عن مكتسباتنا وحقوقنا التي كنا في الأيام العادية نحارب ونقاتل من أجل الحصول أو الحفاظ عليها, كل شيء تغير, شعرت وكأن الزمن توقف, وكأن الوقت تجمد, وكأن عقارب الساعة توقفت عن العمل........

لم يعد أحد يتفوه بكلمة, لا يوجد كلام للتحدث به, بل هناك صرخات مكبوتة ودموع ممنوعة وتساؤلات محرمة:" هل سنبقى على قيد الحياة؟ هل سيطالنا القصف؟ هل سيصيبنا مكروه؟ هل سننجو؟ ماذا بعد؟ متى سينتهي هذا الكابوس الذي بدأ بالنسبة لي كفيلم حربي حماسي مثير وسرعان ما انقلب الى فيلم رعب يفضل الكثيرون عدم رؤيته....

بدأت أصوات  النازحين من مخيمات عين الحلوة والمية ومية تخرق هذا الصمت, لم نكن نراهم فلا أحد يجرؤ على الخروج أو النظر إلى الخارج, عرفناهم من أصواتهم من همهماتهم من تنهداتهم من جريهم هاربين من الموت,  من شبح الموت الذي كان يجري ورائهم, إنهم رجال ونسوة وأطفال يركضون هرباً من القصف الذي لم يعد يميز بين هدف عسكري أو حي سكني, أذكر ليلتها أننا سمعنا أحدهم يقول أن حي مقبرة الإنكليز قد تعرض لقصف عنيف وهو يبعد عن بيتنا أقل من كيلومتر واحد, كما سمعنا أن بناية جاد الكائنة في نهاية حي البعاصيري مع بداية طريق جزين قد تعرضت للقصف الجوي وأنها تحترق..

كل هذا سمعناه ونحن متسمرون على مقاعدنا خلف باب المنزل نحن والجيران كل في بيته, لم نعد نسمع للجيران صوتا ولا حساً إلا بعض التحركات الإعتيادية اللازمة والكلام الضروري الخافت المختصر. تخيل هذا الوضع بابان متقابلان يفصل بينهما  أقل من متران ووراءهما عائلتان متجاورتان منذ زمن وفي عتمة الليل لا نجد كلاماً نتحدث به ولا حتى مزاحاً يخفف من وطأة الرعب والهلع, ولا حتى تنهيدة تُنَفِّس عن كربٍ مخزون وهمٍ محقون.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى بزوغ الفجر عندما بدأت الشمس بالشروق, وبدأ نهار الثلثاء الواقع فيه 8/6/1982, حيث هدأ الوضع قليلاً وتوقف القصف, كانت الساعة الخامسة والنصف, لم نصدق بادئ الامر وبقينا على مقاعدنا وعلى حالنا خائفين منتظرين بدء  القصف من جديد, إلى أن استمر الهدوء لمدة نصف ساعة متواصلة. بدأ الإطمئنان يدخل إلى قلوبنا شيئاً فشيئاً, وبدأنا نطل رؤوسنا من وراء الأبواب بحذر علَّنا نجد أحداً يتجرأ على الخروج ليشجعنا على ذلك, وبالفعل بدأ الجيران يطلون برؤوسهم وخصوصاً الفتية من جيراننا فتشجعنا وخرجنا من جديد.




من أرشيف الموقع

مارون الياس ميخائيل النقاش

مارون الياس ميخائيل النقاش

حدث في 25 أيلول / سبتمبر

حدث في 25 أيلول / سبتمبر