بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (48): نقاط بيضاء في السماء... اليهود يرسلون لنا مرسالاً من السماء

حافظ ماضي / خاص بوابة صيدا

عصر يوم الإثنين  وتحديداً قبيل الساعة الثالثة من بعد الظهر, خرجت الى الشرفة لأتابع الأحداث, كانت شمس حزيران ساطعة ملتهبة, وبينما كنت أنظر إلى السماء لمتباعة الطائرات إذا بي أرى نقاطاً بيضاء, كثيرة وكثيفة تنزل ببطء من السماء نحو الأرض وكلما اقتربت كلما كَبُرَ حجم النقاط, لم أستطع أن أعرف ما هي تلك النقاط البيضاء, دبَّ الرعب في قلبي, دخلت مسرعاً الى البيت منادياً والدي ليرى هذا المنظر, خرج مسرعاً ونظر إلى السماء وسكت لثوانٍ ثم قال لي:"هذه اوراق, "مناشير", اليهود يرسلون لنا رسالة أو بياناً في هذه الأوراق"...

بالفعل سرعان ما اقتربت المناشير من الأرض وسقطت فوق أرجاء صيدا كلها, ووصلت إلى شرفتنا فتناولناها مسرعين لنقرأ ما جاء فيها. لم أعد أذكر النص مفصلاً ولكن من كثرة ما قرأناه في وقتها حفظناه عن ظهر قلب.. ظلَّ هذا المنشور منتشراً في الاحياء والبساتين لفترة طويلة بعد الإجتياح.

كان مضمون المنشور هو التالي:"يا أهالي صيدا عليكم ترك المدينة خلال ساعتين, لأننا سنقوم بعمليات عسكرية ضخمة لتخليصكم من المخربين الفلسطينيين, ونحن لا نستهدفكم ولا نريد إلحاق الضرر بكم لذلك عليكم ترك المدينة حتى انتهاء العمليات العسكرية فيها".......

بالفعل, هدأت العمليات العسكرية وتوقف القصف وساد جو من الهدوء, فخرج الناس ليناقشوا ما جاء في هذا البيان المشؤوم, الوجوم والذهول والخوف سيطرا على الناس, لم يكن أحداً يتوقع وصول الأمور إلى هذه الدرجة, فالبنسبة للرجال كانت :"عملية عسكرية إسرائيلية هدفها القواعد الفلسطينية وحدودها نهر الليطاني", وبالنسبة للنساء هي أيام عصيبة تمر :"الله يخلصنا من اسرائيل ومن الفلسطينيين , الله يسلم الاطفال والاحبة والاقارب الله ما يضر أحد".... وبالنسبة للشباب والفتية فقد كانوا يُظهرون نوعاً من الإستثارة و الحماسة ومتابعة ما يجري من أحداث عسكرية وميدانية والتباهي بما لديهم من معلومات عسكرية وبعض الأحيان الذهاب إلى مواقع الأحداث لمشاهدة الأحداث مباشرة على أرض الواقع, أو لتقديم الخدمات والتواصل مع الجيران والعودة الى الحي لإخبارنا بما يجري... بالنسبة للأطفال فكانوا يعيشون في ذعر وخوف ورعب من شدة صوت وضغط الإنفجارات, وهدير الطائرات المستمر وانقطاع التيار الكهربائي...

هكذا كان الوضع بالنسبة للناس قبل وصول البيان الهابط من السماء, أما بعد البيان فالوضع تغير كلياً , فالبنسبة للرجال أصبح الوضع معقداً, "اليهود" (العبارة التي يستعملها كبار السن لوصف الصهاينة) يطلبون منا مغادرة منازلنا مما يعني ان العملية جدية وأن إسرائيل ستقوم بأعمال تدميرية لن تبق ولن تذر وأنها قادمة لا محالة..... طيب إلى أين الذهاب؟

سؤال بدأ يطرحه معظم الجيران من الرجال الذين اجتمعوا عند مدخل البناية, " إتخاذ قرار بالمغادرة " يعني البحث عن محل إقامة, يعني ترك المنزل بالأثاث والمحتويات يعني ترك المدينة فارغة يعني تسليمها الى اسرائيل أو الى بعض المسلحين الفوضويين الذين يعيث بعضهم في الأرض فساداً بوجود الاهالي فكيف سيكون الحال بغياب الناس عن ممتلكاتهم ومحالهم وبيوتهم....  الأغلبية عزمت على البقاء, ولم أعد أذكر من غادر, بل ما أذكره أن الجميع بقي في بيته وخصوصا ً الجيران الملاصقين لنا.. أذكر وجوه بعض الرجال وهي تتخذ القرار بالبقاء, وجوههم عليها لمحة الحزن والآسى والخوف مما هو قادم, وفي نفص الوقت كان يظهر على وجوههم الأمل, الأمل بالله سبحانه وتعالى بأن يحفظ ويسلم, لا تتخيلوا إخواني كم كانت تلك اللحظات عصيبة ومريرة وكم كان قرار البقاء بحاجة إلى جرأة ما بعدها جرأة خصوصا وان اعدائنا من اليهود ومن عاونهم لا يرقبون فينا إلا ولا ذمة وبأسهم علينا شديد وبطشهم مدمر.

دخل أبي إلى المنزل وفتح خزانته الخاصة حيث يحتقظ بالأوراق المهمة, وأخرج منها ظرفاُ بني اللون يوجد بداخله مبلغ سبعة آلاف ومئتي ليرة(ما يعادل 2000$) وبعض الأوراق والمستندات المهمة كالهويات والأوراق الثبوتية ولبس ملابس الخروج  ووضع المستندات إلى جانبه, سألناه:" لماذا تفعل هذا؟" قال:" لا شيء فقط للإحتياط"..لم يكن بمقدوره حينها ان يقول لنا أنه من الممكن ان نتعرض لقصف مدمر, وانه من الممكن أن نغادر المنزل تحت وطاة القصف والدمار...فضَل السكوت, والتفاؤل,والتوكل على الله, وانتظار المكتوب....




من أرشيف الموقع

حدث في 27 كانون الثاني / يناير

حدث في 27 كانون الثاني / يناير

7 خطوات للتعامل مع الزوج العنيد

7 خطوات للتعامل مع الزوج العنيد