بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (47): إنه صوت الآظان... فلنواجه قدرنا في بيتنا

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

عند الواحدة والنصف بعد منتصف ليل الأحد صباح الإثنين, صحونا على صوت هدير الطائرات مجدداً, بدأنا نسمع صوتاً جديداً لم نكن نسمعه من قبل, إنه صوت " الآظان ", صاروخ بحجم "آظان" الحمام, أطلق عليه الناس هذه التسمية, إنه نوع جديد من الصواريخ الفراغية المدمرة والفتاكة التي بدأت إسرائيل باستخدامها لقصف أي مكان يصدر منه إطلاق للنيران, أو فيه تجمع للمسلحين أو يحوي على آليات ومظاهر عسكرية. كان هذا الصاروخ "الآظان" إذا سقط على مبنى من أربع أو خمس طبقات دمره تدميراً كاملاً وسواه بالأرض واذا سقط على أرض خالية احدث فيها حفرة قطرها حوالي عشرة امتار ولا يقل عمقها عن8أمتار... كان للآظان صوت غريب عجيب, كان عند سقوطه يصدر صوتاً لم نعهده من قبل, صوت كالصراخ الجنوني, صوت مرعب وفي نفس الوقت مقرف ومقزز ومثير للإشمئزاز, كنا عند سماعه نتسمر في مقعدنا ننتظر سقوطه, نسمع صوته وكأنه صوت الموت, كان صوت الآظان صرخة الموت.

لأول مرة تستهدف إسرائيل الأحياء السكنية الداخلية لمدينة صيدا, والمناطق المأهولة بشكل مباشر, كانت ليلة حالكة الظلام صرنا نسمع صراخ المستغثين وصوت النازحين من مخيم عين الحلوة وهم يمرون من أمام منزلنا جرياً على الأقدام, لا أستطيع وصف تلك اللحظات, عائلات تجري ليلاً هرباً من القصف والموت, رجالاً نساء ً وأطفالاً يصيحون ويعبرون عن مدى فداحة القصف الوحشي الذي طال المخيم وجواره, كانوا يفرون من الموت, كلما سمعتهم خِفْتُ على نفسي وأهلي وأنا أقول في نفسي هلى سيكون مصيرنا مماثلاً أم سنموت تحت الأنقاض.

كلما هدرت الطائرات واخترقت جدار الصوت أو دوَّى انفجار اوسقطت قذيفة, تفتحت أبواب المنزل والنوافذ من ضغط الصوت, كانت أيامها الأبواب خشبية(أباجور) وليست كأيامنا واجهات زجاج ولو كانت كذلك لتحطمت جميعها, كان والدي يقوم بعد أن تهدأ الغارات بإقفال ما تفتح من أبواب المنزل, كنا نشعر بخوف كبير عند تفتحها ونشعر وكأننا في الشارع ولما يتم إقفالها نشعر مجدداً ببعض الأمان سيما أن منزلنا كان أرضياً محاطاً بحديقة.

قام والدي في  تلك الليلة بتخصيص مدخل المنزل كملاذ آمن باعتباره مكاناً محاطاً بالغرف من جميع النواحي, ووضع فيه كنبة وعدد من الكراسي, صرنا نمضي معظم الوقت في هذا المدخل  الذي كانت مساحته (2.5م*1.20م), كنا خمسة افراد, بتنا ليلتنا على هذا الحال, صمت, خوف, رعب, هلع, وترقب ونعاس لا يقوى على غلبه شيئ.... سؤال وحيد يدور في أذهاننا جميعاً :"ماذا سيحصل؟ ما الذي سيحل بنا؟ هل سنسلم ؟ هل سنبقى على قيد الحياة؟".

طلع النهار وأشرقت شمس الإثنين, لم يكن هناك  فرق بين النهار والليل إلا أشعة الشمس التي سطعت ونور النهار الصيفي, لم يكن في الخارج أحد ولا حتى هرة تمشي في الشارع أو كلب يبحث عن طعام, ولا سيارة تعبر وتسير ولا متجر يفتح ابوابه, لم يفكر أحد  بالخروج الى الشرفة لتناول القهوة الصباحية وكأن الليل لم ينجلِ وكأن النهار لم يطلع, وكأن الشمس لم تشرق, كان الجو ليلياً  مع سطوع  الشمس وانتشار نورها وأشعتها, تبدل المكان واختلط بالزمان الذي فرضه بلاءٌ حلَّ بنا لم نكن لنتوقعه.

كان للإسرائيليين وقتين للإستراحة, كنا نرتاح نحن خلالهما, الأول من بعد المغرب حتى منتصف الليل والثاني من بعد الفجر حتى طلوع الصباح الباكر. مع اقتراب وقت الظهيرة بدأ معظم الناس بالتفكير بترك المنازل ومغادرة صيدا الى جهة أكثر آماناً... ولكن إلى أين؟ البقاء في صيدا أصبح ضرباً من المخاطرة, فلا ماء ولا كهرباء ولا هاتف والمحلات مقفلة والناس مذعورة والقذائف والصواريخ تنهمر دون تمييز بين مدني وعسكري .... بعض الجيران حزموا أمرهم وقرروا الذهاب باتجاه بيروت والبعض الآخر اتجه نحو جزين وشرق صيدا ...

قال والدي يومها:" من خرج من داره قلَّ مقداره"... فلنواجه قدرنا في بيتنا... وقال لنا رددوا معي هذه الآية : " فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين " أعجبتنا الفكرة لأننا وجدنا شيئاً ننشغل به ألا وهو ذكر الخلق الذي بسبب نسيانه نزل فينا هذا البلاء, كان عندنا من اليقين أن فائدة هذا الكلام حتمية, في البداية صَعُبَ علينا حفظها فكتبها لنا والدي على ورقة فصرنا نقرأها عن الورقة ونرددها حتى حفظناها ولا زلنا نرددها حتى يومنا هذا كلما ألَّم بنا مصاب ووقع علينا بلاء....

كنت من وقت إلى آخر أجازف وأخرج إلى الشرفة في اوقات النهار فقط, أما في الليل فلم أكن أهتز أو أحرك ساكناً, سوى تلاوة الآية والتسمر على الكرسي, كنت قد اخترت الكرسي الملاصق لباب المنزل, وكنت أغلب الوقت أمسك بمسكة الباب لأوصده في حال انفتح من قوة صوت وضغط الانفجارات.




من أرشيف الموقع

حدث في 15 نيسان / أبريل

حدث في 15 نيسان / أبريل

شخصيات مقدسية: خليل رعد

شخصيات مقدسية: خليل رعد

هل للرجل عدة ؟

هل للرجل عدة ؟

10 وصايا مهمة للمرأة الحامل

10 وصايا مهمة للمرأة الحامل

الذكور في خطر..

الذكور في خطر..

7 أمور في الزواج يجب ان تخفيها

7 أمور في الزواج يجب ان تخفيها