بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (46): أين الحاج اسماعيل أين أبو فراس؟ أين الثورة أين الكفاح؟

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

أطل يوم الأحد, وقد بدأ الحصار يطبق خناقه على صيدا, جواً وبراً وبحراً, بتنا الليلة السابقة على أصوات القذائف والصواريخ, بتنا نستطيع أن نميز اتجاهات القذائف ومصادرها, فالآتية من البحر المنطلقة من البوارج, يُسمع لها صوتا خفيفاً من جهة الغرب عند انطلاقها وأغلب الأحيان تسمع صفرتها وهي تنصب على هدفها, والمدفعية البرية والدبابات كان صوتها يأتي من الجنوب, صوت عميق يتبعها انفجار قوي, والطائرات كان تخرق جدار الصوت وظلمة الليل وسكونه, والمضادات الأرضية تزيد في الطنمبور نغماً, كنا لا نعرف نوماً متواصلاً لأكثر من عشرة دقائق.

ذلك الصباح, بدأ الجيران في الحي يذكرون أسماء كبار المسؤولين الفلسطينيين, بسخرية ودهشة ممزوجة بالشعور بالغدر والخيانة والخداع وبعضهم وصل إلى حد الشماتة, بعد أن كان ذكر المسؤولين الفلسطينيين يثير الخوف والرعب, والإزعاج للكثيرين...! أين الحاج اسماعيل أين أبو فراس أين أبو فلان, أين الثورة أين الكفاح؟... لقد تركونا فريسة للجيش الإسرائيلي, بعد أن انتهكوا في السنوات السابقة كل القيم والمسلمات تذرعاً بالدفاع عن القضية الفلسطينية ولمواجهة العدو الإسرائيلي, كانوا اول الفارين.

بدأ كبار المسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية مغادرة صيدا نحو بيروت وقد أوهموا من حولهم أن القيادة في بيروت استدعتهم لاجتماع قيادي لدراسة خطورة الوضع ولدعم غرفة العمليات الأساسية في بيروت في إدارة التصدي لهذا العدوان, ولكن في حقيقة الأمر أن هؤلاء المسؤولين شعروا أو سمعوا أوعلموا بأن التقدم الإسرائيلي سيصل إلى صيدا وأن هذه المرة إسرائيل لا تمزح وأن العملية ستكون كبيرة وضخمة وقاضية ومصيرية.

وبالفعل ما إن أطل مساء الأحد حتى بات هذا الشعور هو السائد, أذكر أننا كنا مع فتية  في الحي نجتمع في الزاروب الواقع بين ثلاث أبنية سكنية وبستان حمضيات, فكان الزاروب بالنسبة لنا مكاناً محمياً ومظللاً بالأبنية, كنا نقضي معظم أوقات النهار نتابع الأحداث و متفرجين على الطائرات حيث أن منطقة عين الحلوة كانت تظهر لنا من أحد الزوايا المكشوفة للحي, فكنا نتابع حركة الطائرات ونتابع أعمدة الدخان المتصاعدة من جراء القصف الجوي.

في ذلك اليوم كانت معظم الأحاديث التي تدور بيننا تتعلق بالعمل العسكري الإسرائيلي والطائرات والبوارج والزوارق البحرية وتحركاتها, وعن التقدم البري للدبابات الإسرائيلية, رافق ذلك انتشار شائعات عن دخول القوات الإسرائيلية إلى مدينة صور..., كان عدد الفتية كبير جداً حيث أن المدارس مقفلة ولا أمل بفتحها قريباً فقد نسوا الدروس والفروض ونزلوا الى ساحة الحي متأثرين بالأحداث الدامية التي تجري مترقبين منتظرين المجهول....

وبينما كنا نلهو وصل أحد الجيران  بسيارته, ولما نزل منها قال لنا وهو خائف ومتأثر : " لا تتجمعوا في الخارج, ألم تسمعوا عن القذيفة التي سقطت على حي الراهبات وقتلت ثمانية أطفال كانوا يلهون هناك؟" هنا وفي تلك اللحظة بالذات بدأ الرعب يدخل إلى قلبي وخاصة لما بدأت سيارات الإسعاف تجوب الشوارع مناديةً الناس عبر مكبرات الصوت بوجوب النزول الى الطوابق الأرضية وعدم الوقوف على شرفات المنازل العالية وعدم إضاءة الكهرباء إلا للظروف الإضطرارية حتى يسود الظلام المدينة ولا يعود بمقدور الطيران الإسرائيلي تحديد أهدافه العسكرية.

ومما زاد الطين بلة أن التيار الكهربائي انقطع وسيطر جو من الرعب والخوف والحذر والصمت وأسدل الليل ظلامه ودخل الناس الى بيوتهم وبتنا لا نسمع الا صوت القصف والقنابل والطائرات التي أخذت قسطاً من الراحة مع حلول الساعة التاسعة ليلا.

كانت دائما الفترة ما بين التاسعة أي بعد المغرب بحوالي الساعة وبين الساعة الواحدة والنصف ليلا تشهد نوعا من الهدوء وكأن الإسرائيليين يرتاحون من قتلنا وقصفنا وتدميرنا في تلك الفترة من الليل, وكنا نحن بدورنا نخلد الى النوم بعد نهار شاق من المتابعة الميدانية للأحداث العسكرية من على شرفة المنزل متبادلين الأحاديث مع الجيران مع بعض التحليلات والإستنتاجات والتوقعات.

كنت أمضي طوال النهار على شرفة المنزل الغربية المطلة على الزاروب وعلى مدخل البناية جالساً عل كرسي خشبي أتابع الغارات والتحركات الخارجية للناس والجيران, كما كنت أراقب حركة العسكريين والمقاتلين والسيارات العسكرية المارة من جنبنا, وكلما حدث شيئ غريب أو مثير أدخل مسرعاً لأخبر أهلي بما رأيت أو سمعت, حتى إذا جاء أخر النهار أصابني صداع أليم يصحبه شعور بالغثيان والخوف والرعب والإستشعار بأن القضية لم تعد مزحة ولا فيلماً حربياً ولا أحداثاً عسكرية تستدعي المتابعة لغرض الإثارة والتشويق بل بدات  أشعر بأن الموت قد اقترب.

ساد الخوف المكان والزمان, ساد الخوف على  العقول والحواس والأذهان, تبدلت الأحاديث والنظرات والتنهدات والعلاقات, حتى رائحة الهواء تغيرت وطعم الأكل تبدل ولم نعد نشعر بالجوع والعطش والرغبة بالكلام, الإحساس بكل شيءٍ بات غريباً, بلغت القلوب الحناجر, لم نعد نفكر بشيء, شُلَّت العقول وبات الخوف المرعب سيد المواقف, حتى أننا ذلك المساء لم نفكر بارتداء ملابس النوم, ولا حتى الدخول إلى غرفة النوم, تسمرنا على مقاعدنا في غرفة الجلوس, ونمنا على مقاعدنا...




من أرشيف الموقع

13 سبب لفشل العلاقة الزّوجية...

13 سبب لفشل العلاقة الزّوجية...

حدث في 29 آب / أغسطس

حدث في 29 آب / أغسطس

للحلم بقيّة

للحلم بقيّة

حدث في 31 كانون الثاني / يناير

حدث في 31 كانون الثاني / يناير

حدث في 3 أيار / مايو

حدث في 3 أيار / مايو

مسجد عز الدين القسام

مسجد عز الدين القسام

حصار صيدا لم ولن ينجح..

حصار صيدا لم ولن ينجح..