بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (43): بداية ملحمة من ملاحم القرن العشرين (كي لا ننسى الجزء الرابع)

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

كانت الفترة التي سبقت الإجتياح الإسرائيلي (1979-1982) هي فترة التبشير بالحريري ومؤسساته  في لبنان إنطلاقاً من صيدا, ولأن صيدا هي مسقط رأس الحريري كان لا بد من الإنطلاق منها, من الجذور التي أنبتت الحريري, بمؤسسة إسلامية(المؤسسة الإسلامية للثقافة والتعليم العالي التي عرفت بعد ذلك بمؤسسة الحريري وأخيراً بمؤسسة رفيق الحريري) أعضاؤها من الشباب الصيداوي المتعلم من أبناء العائلات المعروفة ومن أصحاب السمعة الطيبة والكفاءة, فكانت صيدا القاعدة التي انطلق منها الحريري ليبني مجده في ما بعد في العاصمة بيروت عبر السراي الحكومي وصولاً إلى المحافل الدولية كرئيس للحكومة اللبنانية, وهذه ليست تهمة وليست جناية بقدر ما هو توصيف وسرد للوقائع التاريخية كما حدثت.

سعى الحريري بدايةً إلى  تأمين أمرين أساسيين, الأول تشكيل هيئة أهلية (المؤسسة الإسلامية) ممثلة بشباب صيداويين معروفين وفاعلين في الحقل العام لتكون منطلقاً رسمياً لأعماله ومشاريعه وغطاءً لكل تحركاته المالية والعمرانية والإجتماعية, وثانياً أمَّنَ تغطيةً رسمية ودبلوماسية عبر زيارات قام بها المجلس الإداري للمؤسسة لعدد من سفراء الدول الأجنبية وبعض الشخصيات اللبنانية السياسية والإجتماعية.

كما تكللت هذه التغطية بمباركة من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة آنذاك الرئيس الياس سركيس والرئيس سليم الحص, فقد قامت الهيئة الإدارية للمؤسسة الإسلامية برئاسة بهية الحريري بزيارة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتم دعوة الأخير لرعاية افتتاح مركز صيدا الثقافي عام 1981 أولى المراكز المنبثقة عن المؤسسة الإسلامية للثقافة والتعليم العالي والذي أُنشئ بهدف القيام بنشاطات ثقافية مختلفة كالمحاضرات والندوات والمعارض الثقافية والتربوية, وكانت باكورة أعماله دورات ترفيهية للأطفال خلال العطل الأسبوعية والفصلية والصيفية.

وبذلك يكون الحريري قد انطلق من أرضية سليمة وصلبة ورسمية. تلك المرحلة الأولى من الانطلاق المفاجئ والأسطوري للحريري, سيما أن الرجل كان قبل سنوات معدودة محاسباً ومدرساً وباحثاً عن ما يسد به ديونه, ليمتلك في غضون بضع سنوات طائرة خاصة, (أواخر السبعينات), حيث كان من يقتني فيه السيارة في صيدا يحسب من الميسورين.

كانت بداية ملحمة من ملاحم القرن العشرين والتي قدَّر الله أن يكون بطلها إبن المزارع الصيداوي البسيط بهاء الدين الحريري, وابن السيدة الصيداوية الصابرة المؤمنة هند حجازي. إنها ظاهرة أسطورية تحمل سراً مكنوناً لم يظهر حتى الآن وأعتقد أنه من الصعوبة بمكان أن يظهر مستقبلاً, فقبل مقتل الحريري كنت دائماً أقول وأُردد على مسمع من المقربين مني أن الحريري يحمل سراً عظيماً في حياته وأن نهايته ستكون قتلاً أو اغتيالاً, أذكر ذلك الكلام جيداً عندما قلته لأحد الشخصيات الصيداوية عام 1992, كنا يومها نناقش ظاهرة الرئيس الحريري بعد تبوئه منصب رئاسة الحكومة حيث شغل  الناس كل الناس كل البلد, كنا نتحدث عن سر هذه الظاهرة الأسطورية فقلت للشخصية الصيداوية أن الحريري لن يموت إلا قتلاً وعندما نطقت بهذ الكلمات شعرت بقشعريرة في بدني ورأسي وبغصة وألمٍ في الحلقوم, هذا ما شعرت به على الحقيقة فالرجل كان يعني لنا الكثير, كنا نعتقد بأنه الأمل بالتغيير, ولكنه لم يستطع كما الكثيرين ممن حاولوا التغيير... لاحقاً كلما دار نقاش عن اغتيال الحريري كنت أُذكِّر البعض بهذا الحديث الذي دار منذ سنوات وأنا مسرور بصدق توقعاتي وتحليلاتي ولكن ليس بموت الحريري.

أعزائي القراء مع نهاية سلسلة "كي لا ننسى" عن الرئيس الحريري رحمه الله, أقول أنه من الممكن أن تكون هذه الإستنتاجات والتحليلات والآراء مبالغ فيها أو قد يدخل فيها الجانب الشخصي والفكري والعقائدي الخاص بي, ومن الممكن أن تكون الموضوعية فيها ضعيفة نسبياً أو مهتزة نوعاً ما... ولكن وبما أننا نعيش في بلد يضمن حرية الرأي والمعتقد فإن  لكل إنسان الحق  في إبداء رأيه الخاص به ومن الزاوية التي يراها مناسبة دون التعدي الشخصي أو المساس بكرامة وحرية وخصوصية الآخرين.

لقد كان رجلاً إستثنائياً في ظروف إستثنائية بثروة إستثنائية وبعلاقات استثنائية, رجل بحجم دولة, فلا بد هنا من وقفة ومحاسبة, سيما أنه طرح نفسه كمسؤول وكلمة مسؤول مشتقة من السؤال والمسؤول يُسأل, ولو اختلفت النوايا, فالكثيرين يحاسبون حسداً وحقداً ولكنني أحاسب وأحلل وأستنتج وأسرد, لأن الحريري ظاهرة عامة وخارقة للعادة, طرح نفسه كمغير وعابر بالأمة إلى الأفضل, كما  أن موت الحريري كان ضربة موجعة وفاجعة وزلزال لا يزال لغزاً حتى اللحظة, فمن حقي أن أخوض في ما لم يتجرأ أحد على الخوض فيه, وأن أصل إلى نتيجة قد لا يتفق معي عليها أغلب الناس.

قبل الإجتياح الإسرائيلي بأشهر انتقل آل الحريري من شقة في طلعة المحافظ إلى دراتهم الجديدة في مجدليون, هذه الدار التي شهدت عرس الدكتور نزيه الحريري عشية الإجتياح الإسرائيلي, العرس الذي كان باكورة الإحتفالات التي أقامتها وتقيمها هذه الدار. وبعد أيام قليلة من بدء الإجتياح الإسرائيلي ووصول المحتلين إلى صيدا فتح آل الحريري دارتهم لإستقبال جميع الناس الهاربين من أحياء صيدا التي لم يسلم أي منها من الضربات الإسرائيلية المدمرة, فاستضافوا في دارتهم عشرات العائلات المنكوبة وأمنوا لهم المأكل والمسكن والأمان, وكان هذا الإيواء من المآثر التي لا تنسى لآل الحريري في صيدا.

إن شاء الله إبتداءً من الحلقة القادمة ومع قرب الذكرى الثلاثين للإجتياح الإسرائيلي لمدينة صيدا سنبدأ بإذن الله بسلسة جديدة بعنوان:" 30 عاما على الإجتياح الإسرائيلي... ماالذي حصل؟".




من أرشيف الموقع

حدث في 12 نيسان / أبريل

حدث في 12 نيسان / أبريل

حي الزويتيني في صيدا

حي الزويتيني في صيدا