بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (39): العائلة الصابرة... والأطفال يتنبأون

حافظ ماضي / خاص بوابة صيدا

كثيراً ما تحمل الناس أوزار الحرب العبثية, مصائبٌ جثامٌ ثقال, فقدوا خلالها أعزاء وأقارب وأصحاب وأموال وممتلكات, خصوصاً عائلة آل السوسي  الصيداوية التي جاورناها لأكثر من ستة عشرة عاماً في حي من أحياء صيدا, هذه العائلة التي دفعت ثمناً باهظاً خلال الحرب اللبنانية, فقد سقطت قذيفة على منزلهم عام 1981 من قذائف  العميل سعد حداد التي أمطرنا بها طيلة ثلاثة اعوام, ومن ثم قُتِلَ خال العائلة بدر زيدان في غارة جوية إسرائيلية على منطقة الشرحبيل بن حسنة, ومن ثم قُتِلَ بكرهم هيثم عن 25 عاما أثناء مطاردات عبثية بين حركة أمل والشرطة الأمنية الصيداوية التابعة للتنظيم الشعبي الناصري داخل الأحياء السكنية المكتظة يوم الخميس عصراً  مع بداية العشر الأواخر من  شهر رمضان المبارك عام 1986, ثم قتل ابنهم عدنان في قصف عشوائي غادر على احياء مدينة صيدا السكنية المكتظة في شهر نيسان 1994 حيث سقطت قذيفة من قذائف العميل أنطون لحد المشؤومة على سياراته مباشرةً فقتل محروقاً داخل سيارته هو وفتى من آل الرملاوي كان يعمل لدى محلات السوسي للتصوير .

تلك العائلة الصابرة تحملت الكثير في تلك المرحلة, ولكنهم صبروا واحتسبوا اجورهم عند الله والله إذا أحب عبداً ابتلاه. والدهم الحاج إبراهيم كان من الشبان الأوائل الذين أقاموا دين الله في ذلك الوقت الذي كان فيه الإسلام غريباً. غادرنا الحاج إبراهيم عن عمر يناهز ال48 سنة عام 1981, كان مثالاً للمسلم الذي أصر في زمن الهرج والمرج على إحياء دين الله وكان من أوائل الشبان الصيداويين الذين حجوا بيت الله الحرام أكثر من مرة وأحيوا فرضاً من فروض الله, أذكره عندما كنت في التاسعة من عمري مغادراً صيدا بلباس الإحرام وعائداً إليها بلباس السنة الأبيض حيث كانت تقام الإحتفالات عند عودته وتذبح الخراف وتطلق المفرقعات النارية وكنا نعيش الاجواء التي يجب أن يعيشها كل مسلم بعد أن طغت علينا العادات الغربية الدخيلة وبتنا نعتز ونفرح بما يتنافى مع ديننا الحنيف, وأذكر هنا قول رسول الله:"من تسمك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد" فله منا والدعاء ونسأل الله له الرحمة والقبول.

في نفس العام الذي شهد احداثاُ كثيرة, كنت في الصف الرابع الإبتدائي في مدرسة الإخوة المريميين (الفرير ماريست) إرسالية فرنسية مسيحية, كان الطلاب المسلمين يشكلون الأغلبية في المدرسة حيث أن تلك المدرسة كانت هدف معظم العائلات الصيداوية المسلمة, ذات الثقافة الفرنسية, حيث أن خريجيها كانوا يتبوؤن أعلى المناصب والمراكز ويدخلون بسهولة إلى الجامعات الأجنبية, فإكتظت مدرسة الفرير بأولاد المسلمين, وبدأت الجمعيات والمدارس الإسلامية الكبرى تتراجع وتتعثر...

أذكر أن طالباً كان معي في نفس الصف من آل البزري وكان أصغر إخوته الذين يكبرونه بسنوات عديدة, كان كثير التشاؤم, وكان يردد طوال السنة التي حدث في وسطها الإجتياح :"الله يستر, اسرائيل ستدخل إلى لبنان, اسرائيل قريباً ستأتي إلى هنا". كان هذا الزميل يعيش في بيت هو أصغر أفراده وأنا كنت أعيش في بيتٍ أنا أكبر أبناءه, فالأحاديث التي كانت تدور في منزله بين إخوته الأكبر سناً كانت على مستوى الأحداث, بحيث ان إهتمامهم أكبر ومعرفتهم أوسع ويتطرقون إلى السياسة التفصيلية ويُحَلِّلون ويستنتجون, الأمر الذي أدى بزميلي إلى أن يصبح أكثر اطلاعاً مني, وأن ينعكس الوضع القائم آنذاك على نفسيته, فأرهقني طوال ذلك العام بتشاؤمه وتخوفه من اجتياح اسرئيلي محتوم, أما الاحاديث التي كانت تدور في منزلنا بين إخوتي فكنت أنا رائدها, فماذا تتوقع من ابن تسع سنوات أن يفرز عقله ويحلل ويتحدث!....

فعلاً وقع الإجتياح في نفس تلك السنة, فتذكرت فوراً كلام زميلي في الصف وقلت بيني وبين نفسي:" لقد صدق زميلي وحصل ما كان يتوقعه", وسألت نفسي لسنوات عديدة:" كيف له أن يعرف أن هذا الحدث الكبير سيحدث قريباً؟" , ولم أجد إجابةً على هذا السؤال إلا عندما نضجت قليلاً وبدأت أعي بعض الأمور التي كانت تخفى علي في صغري.

خلال السنة نفسها جاء والدي إلى المدرسة ليأخذنا إلى المنزل قبل نهاية الدوام, ولم يكن ليأتي إلى المدرسة  وسط الدوام المدرسي إلا في الظروف الشديدة الخطورة. يومها كانت معركة طاحنة قد بدأت تدور  بين الامن الموحد التابع للعمل الفدائي والتنظيم الشعبي الناصري, انتهت باحراق قسم كبير من الوسط التجاري القديم لمدينة صيدا وإلحاق أضرار فادحة بالأموال والممتلكات والمحلات واغتيال بعض  المسؤولين العسكريين الصيداويين. هذا حصل قبل الإجتياح بأشهر قليلة, وكان بمثابة عامل لتأجيج الكراهية ضد الفلسطينيين وتقويتها لإيصال الوضع الى حد لا يطاق احتماله.كذلك عمد بعض المسلحين مطلع السبعينات إلى استدراج النائب السابق معروف سعد عنوةً من صيدا إلى مخيم عين الحلوة, وتعمدوا إهانته بين أهل المخيم, واطلقوا الهتافات والشعارات المسيئة لزعيم صيدا الشعبي المحبوب, تلك  كانت المشاركة المقنعة بالتمهيد لقبول فكرة مجيء الاسرائيليين الى لبنان للقضاء على الوجود الفلسطيني المسلح.




من أرشيف الموقع

خان اليهود

خان اليهود

السجين وفرصه النجاة

السجين وفرصه النجاة

هذا ما تفعله القيلولة بأطفالكم

هذا ما تفعله القيلولة بأطفالكم

حدث في 5 شباط / فبراير

حدث في 5 شباط / فبراير