بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - 1619م: مولد السلطان أورنك زيب (عالم كير أو علمكير) أحد سلاطين الدولة المغولية الإسلامية في الهند

بوابة صيدا : في 25 تشرين الأول / أكتوبر 1619م / (15 ذي القعدة 1028هـ) مولد السلطان أبي المظفر محمد محيي الدين، المعروف بـ "أورنج زيب أو أورنك زيب عالم كير أو علمكير " أحد سلاطين الدولة المغولية الإسلامية في الهند، دامت فترة حكمه 52 سنة قضاها في تثبيت أركان دولته ومحاربة أعدائه، ومن أهم إنجازاته إخراجه الموسوعة الفقهية المعروفة بالفتاوى العالمكرية أو الفتاوى.

أورنك زيب: معناها بالفارسية "زينة المُلك". عالمكير: معناها بالفارسية "جامع زمام الدنيا أو العالم". فهي ألقاب وليست أسماء، قال عنه الشيخ علي الطنطاوي: " بقية الخلفاء الراشدين ".

ولد السلطان أورنكْ زيْب في بلدة "دوحد" في كجرات بالهند في 15 ذي القعدة 1028هـ /  25 تشرين الأول - أكتوبر 1619م).

نشأ في بيت عز وترف وشرف، فأبوه هو "السلطان شاه جيهان" أحد أعظم سلاطين دولة المغول المسلمين في الهند، وهو بانى مقبرة تاج محل الشهيرة التي تعد الآن من عجائب الدنيا السبع الحديثة، تم بناؤها في 20 عاماً، وعمل على إنشائها أكثر من 21.000 شخص، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هكذا صرف أبوه في آخر أيامه كل جهده في إنشاء مقبرة لزوجته المحبوبة، وظل مفتوناً بها، فضعف أمر السلطنة، وظهرت بوادر الفتن والثورات مما اضطر أورنك زيب إلى أن ينتزع السلطنة من أبيه.

ظهر في "أورنك زيْب " منذ صغره علامات الجد والإقبال على الدين والبعد عن الترف والملذات، وكان فارساً شجاعاً لا يشق له غبار، ويروى في ذلك قصة، كان مع إخوته في يوم بحضور أبيه "السلطان شاه جيهان" في احتفال وكان في الاحتفال فقرة لحلبة أفيال، فشرد فيل من الحلبة وجرى نحو "أورنك زيْب " وهو آنذاك ابن 14 عاماً، فضرب الفيل الفرس الذي يمتطيه (أورنك زيب) بخرطومه وطرح أورنك زيْب أرضاً وأقبل نحوه، فثبت أورنك زيْب في مكانه واستل سيفه وسط ذهول الناس وإكبارهم لهذا الأمير الصغير وظل يدافع عن نفسه أمام الفيل الضخم حتى جاء الحرس وطردوا الفيل.

نشأ وترعرع محبّاً لمذهب أهل السنة واستقى الدين على مذهب الإمام أبي حنيفة، فنشأ وتربّى تربية إسلاميّة خالصة لا تشوبها شائبة.

كان أبو جده "جلال الدين أكبر" في أواخر أيامه حمل الناس على دين جديد يجمع بين الديانة الهندوسيّة والإسلام ومنع الجزية عن الهندوس وغير المسلمين، فأتى بذلك أمراً لم يسبقه إليه أحد من سلاطين المسلمين من قبل، فظهر الشيخ الجليل أحمد السرهندي وأخذ يدعو الأمراء وقواد الجيش، وذكّرهم بالله، وأحيا في نفوسهم حميّة الدين، ولما مات السلطان (أكبر) جاء من بعده السلطان "جهانكير"، تولّى الشيخ محمد معصوم السرهندي ابن الشيخ أحمد السرهندي تربية طفل صغير وبذل له رعايته كلّها، فنشأ نشأة دينية وقرأ القرآن فجوّده، والفقه الحنفيَّ وبرع فيه، والخط فأتقنه، ورُبّيَ على الفروسية والقتال...

فكان هذا الطفل هو "أورنك زيْب " ونشأ محبّاً للشعر فكان شاعراً، ونشأ محبّاً للخطّ فكان خطّاطاً بارعاً، وتعلّم اللغة العربيّة والفارسيّة والتركيّة. هكذا جمع كلّ صفات الملوك العظماء في سن صغير.

كان أورنك زيْب الأخ الثالث بين ثلاثة أبناء هم "شجاع" و"مراد بخش"، فتولّى "شجاع" إمارة البنغال وتولّى "مراد بخش" إمارة الكُجُرات، وتولّى "أورنك زيْب " إمارة الدَّكْن في وسط الهند.

فتعلّم "أورنك زيْب " الإدارة وأتقنها وسبر أغوارها فكان من ملوك المسلمين القلائل الذين برعوا في إدارة الدولة، ومع ذلك قاد الجيوش بنفسه في عهد أبيه، فقمع الثورات وطهّر البلاد وأظهر في الأرض العدل، وكانت له هيبة وسمت الملوك، وظلّ الأمر كذلك حتّى كان ما كان من وفاة أُمِّهِ "ممتاز محل" التي بوفاتها انشغل السلطان "شاه جيهان " ببناء مقبرة يُخَلِّد فيها ذكراها وصرف لذلك الأموالَ الطائلة، وحمل الناس على العمل الشاق، فأهملت السلطنة، وظهرت بوادر الفتن والثورات، ولم يكن للسطان يومها من همّ إلا النظر إلى ضريح امرأته وكان قد أمر ببناء ضريح أسود اللون له، مماثل لضريح زوجته، ولكن وثب الأخ الأكبر لأورنك زيب على أبيه فاستولى على كلّ شيء إلا الاسم فظل يحكم باسم أبيه.

ولكن كان هذا الأخ الأكبر مائلاً للدنيا، يريد إرجاع الهند على ماكانت عليه في عهد أبي جدّه "جلال الدين أكبر"، فرفض بذلك أورنك زيْب المسلم الورع التقيُّ وقام معه أخوه الآخر فاستطاع أورنك زيْب أن يأخذ الحكم لنفسه وقمع الثورات التي شنّها إخوته عليه، وحبس أباه في حصن أجرا، وكانت له شرفة تطلّ على ضريح زوجته فكان دائم النظر إليه، وظلّ كذلك حتى مات، وبذلك أعلن أورنك زيب نفسه سلطاناً على البلاد، وكان وقتها في الأربعين من عمره. وابتدأ عهد العدل والحقّ، فقد آن الأوان أن يرى المسلمون فيهِ ما يذكّرُهُمْ بسيرةِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين.

لم يركن أورنك زيْب إلى الدعة والراحة بل لبس لأمة الحرب من أول يوم وظل في جهاد دام 52 سنة حتى خضعت له شبه القارة الهندية كلها من مرتفعات الهيمالايا إلى المحيط ومن بنغلاديش اليوم إلى حدود إيران.

شهدت إمبراطورية المغول الإسلامية في الهند في عهد أورنك زيْب (1658 : 1707) أقصى امتداد لها وذلك بفضل الجهود العسكرية التي بذلها السلطان أورنك زيْب حيث لم يبق إقليم من أقاليم الهند إلا خضع تحت سيطرة السلطان، فاستطاع أورنك زيْب تحويل شبه القارة الهندية إلى ولاية مغولية إسلامية ربط شرقها بغربها وشمالها بجنوبها تحت قيادة واحدة، خاض المسلمون في عهده أكثر من 30 معركة قاد هو بنفسه منها 11 معركة وأسند الباقى لقواده.

أبطل أورنك زيْب 80 نوعا من الضرائب، وفرض الجزية على غير المسلمين بعدما أبطلها أجداده، وأقام المساجد والحمامات والخاناقات والمدارس والبيمارستانات، وأصلح الطرق وبنى الحدائق، أصبحت "دهلي" في عهده حاضرة الدنيا، وعين القضاة وجعل له في كل ولاية نائب عنه وأعلن في الناس أنه "من كان له حق على السلطان فليرفعه إلى النائب الذي يرفعه إليه".

وأظهر أورنك زيْب تمسكه بالإسلام والتزامه بشرائعه، فأبطل الاحتفال بالأعياد الوثنية مثل عيد النيروز، ومنع عادة تقبيل الأرض بين يديه والانحناء له، ومنع الخطب الطويلة التي تقال لتحية السلطان واكتفى بتحية الإسلام، كما منع دخول الخمر إلى بلاده، وصرف أهل الموسيقى والغناء عن بلاطه، وروى في ذلك قصة: أنه كان يوما خارج قصره فرأى الموسيقيين والقينات يلبسون السواد ويبكون ويحملون نعشا، فسأل ماهذا؟ قالوا : هذا الغناء والمعازف نذهب لدفنها، فقال: إذن أحسنوا دفنها لئلا تقوم مرة أخرى.

وحفظ السلطان القرآن الكريم كله بعد ما أصبح سلطانا، وعين للقضاة كتابا يفتون به على المذهب الحنفي، فأمر بتأليف الكتاب تحت نظره وإشرافه واشتهر الكتاب باسم "الفتاوى الهندية" أو "الفتاوى العالمكيرية" يعرفه كل طلبة العلم.

وبنى مسجد "بادشاهى" في لاهور بباكستان الآن، المسجد الذي ظل إلى الآن شاهدا على عصر عز المسلمين وتمكينهم، وقضى على فتنة البرتغاليين في المحيط، وكان يصوم رمضان كاملا ولا يفطر إلا على أرغفة من الشعير من كسب يمينه من كتابة المصاحف لا من بيت مال المسلمين.

لم يستطع أن يحج إلى بيت الله الحرام فاستعاض بذلك أن كتب مصحفين بخط يده وأرسل واحدا إلى مكة والآخر للمدينة.

وكان صاحب عبادة عظيمة، ويخضع للمشايخ ويقربهم ويستمع إلى مشورتهم ويعظم قدرهم وأمر قواده أن يستمعوا إلى مشورتهم بتواضع شديد، حتى أنه سمع أن نائبه بالبنغال اتخذ مثل العرش يجلس عليه فنهره وعنفه وأمره أن يجلس بين الناس كجلوس عامتهم.

وكان يصوم الإثنين والخميس والجمعة من كل أسبوع لا يتركهم أبدا ويأبى إلا أن يصلي الفرائض كلها في وقتها جماعة مع المسلمين، وكان يصلي التراويح إماما بالمسلمين، ويعتكف العشر الأواخر في المسجد، فكان أعظم ملوك الدنيا في عصره.

وخصص موظفين يكتبون كل ما يقع من أحوال رعاياه ويرفعونها إليه، وأبطل عادة تقديم الهدايا إليه كما كان يفعل من قبل مع أسلافه، وكان يجلس للناس ثلاث مرات يوميًا دون حاجب يسمع شكواهم.

ومن أهم أعماله، أنّه لم يكن يعطى عالما عطية أو راتبا إلا طالبه بعمل، بتأليف أو بتدريس، لئلا يأخذ المال ويتكاسل، فيكون قد جمع بين السيئتين، أخذ المال بلا حق وكتمان العلم!!

وهو أول من عمل على تدوين الأحكام الشرعية في كتاب واحد، يُتخذ قانونا فوضعت له وبأمره وبإشرافه وتحت ناظره كتاب "الفتاوى الهندية – العالمكيرية" على المذهب الحنفي.

دخل ملايين من المنبوذين في الهند في الإسلام ووقف حائلا مانع للمد الشيعي الصفوي على البلاد، وألّف كتابا شرح فيه أربعين حديثا شريفا – على غرار الأربعين النووية – وكان يكتب بخطه المصاحف ويبيعها ويعيش بثمنها لما زهد في أموال المسلمين وترك الأخذ منها !!

توفي السلطان في 28 ذي القعدة 1118 هـ / 20 شباط - فبراير 1707م بعد أن حكم 52 سنة، وكان قد بلغ من تقواه أنه حين حضرته الوفاة أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر للمسلمين وألا يعدو ثمن كفنه خمس روبيات!!

بذلك يكون عمر السلطان حين وفاته 90 سنة !! ولم يمنعه سنه بقيادة الجيوش أو قراءة القرآن، وبوفاة السلطان أبو المظفر محى الدين محمد أورنك زيْب عالمكير، انتهت عظمة دولة المسلمين في الهند فجاء من بعده حكاما ضعافا وظل الأمر كذلك حتى انتهت تماما بسقوط آخر سلطان "بهادر شاه الثاني " عام 1857 بواسطة الإنجليز، ولم تقم للإسلام قائمة منذ ذلك الزمن في تلك البلاد الشاسعة.




من أرشيف الموقع

حدث في 10 آب / أغسطس

حدث في 10 آب / أغسطس

النادي المعني

النادي المعني

حدث في 11 تشرين الثاني / نوفمبر

حدث في 11 تشرين الثاني / نوفمبر